عين على العدو

ماذا وراء اكتشاف “إسرائيل” للمبادرة العربية؟

على مدى عمر الكيان الصهيوني كان هناك موقف إسرائيلي ثابت في التفاوض مع العرب، يصر على التعامل مع كل طرف عربي على حدة والوصول معه إلى التسوية المطلوبة. وكانت “إسرائيل” ترى في ذلك ما يحقق مصالحها فهي ستكون الأقوى أمام أي طرف عربي بمفرده، وستخلق التضارب بين المصالح العربية المختلفة وتجعل كل طرف عربي مهتماً بتحرير أرضه بدلاً من تضامن الجميع من أجل تحرير كل الأرض العربية والوقوف وراء الشعب الفلسطيني حتى ينال حقوقه المشروعة.


وقد تعززت هذه الاستراتيجية الإسرائيلية بعد معاهدة السلام مع مصر التي أبرمها السادات، ثم بمؤتمر مدريد وما أعقبه من عمليات تفاوض منفردة مع الأطراف العربية توصلت فيها “إسرائيل” إلى معاهدة صلح مع الأردن، وإلى إطلاق عملية أوسلو مع الفلسطينيين، وإلى مفاوضات تعثرت ثم استؤنفت أخيراً مع سوريا. بينما قوبلت المبادرة العربية التي تم إطلاقها عام 2002 بالإهمال التام حتى وهي تقدم من التنازلات ما لم تكن تحلم به “إسرائيل”!!


 


وفجأة، تنقلب “إسرائيل” الآن على استراتيجيتها الثابتة، وبينما تنخرط في تفاوض غير مباشر مع سوريا، وفي تفاوض آخر مع السلطة الفلسطينية كان يفترض أن يصل إلى حل نهائي وفقاً للعملية التي بدأها الرئيس الأميركي بوش في «أنا بوليس» وأراد أن ينهيها باتفاق «تاريخي» قبل نهاية ولايته.. يفاجئنا وزير الدفاع الإسرائيلي إيهود باراك بأن المبادرة العربية التي تم تقديمها قبل ست سنوات هي موضع دراسة الآن!!


 


وإنها تحظى باعتبارات جدية لدى قادة “إسرائيل” تمهيداً للرد عليها!! وأن هذه الخطة يمكن أن تكون أساساً لسلام إقليمي شامل!! وأنه تحدث مع رئيسة الوزراء المكلفة ليفني في هذا الشأن وكان موقفها إيجابياً!!.. وعلى الطريق ذاته كان الرئيس الإسرائيلي شيمون بيريز يدعو لإحياء المبادرة العربية وينتقد المفاوضات المنفردة مع الفلسطينيين والسوريين!!


 


ويعلن إن بلاده تدفع الكثير في هذه المفاوضات ولا تحصل إلا على القليل!! ويدعو إلى تقديم مبادرة إسرائيلية تنطلق من المبادرة العربية ولكنها «تعالج» ما تتحفظ عليه “إسرائيل” فيها خاصة فيما يتعلق بالقدس وحقوق اللاجئين!! فما الذي يدعو “إسرائيل” إلى الانقلاب على استراتيجيتها الأساسية في التفاوض مع العرب؟ ولماذا في هذا الوقت بالذات؟


 


الإجابة الأسهل هي أن “إسرائيل” تريد نسف مفاوضاتها مع الجانبين الفلسطيني والسوري دون أن تتحمل أمام العالم المسؤولية عن ذلك، أو أنها تريد تمهيد الطريق لتوجيه ضربة لإيران، أو أنها تريد شراء الوقت لالتهام المزيد من الأرض وتحقيق خطوات على طريق التطبيع المجاني مع العرب.


 


وكل هذا وارد في ضوء التجربة مع “إسرائيل”، ولكن ماذا لو نظرنا من زاوية أخرى، واضعين في الاعتبار تصريحات أبو مازن قبل أيام بأن رئيس وزراء “إسرائيل” أولمرت قدم له عرضاً بدولة فلسطينية على كل الضفة تقريباً وكل أحياء القدس تقريباً، مع تبادل للأراضي تضم فيه إسرائيل 8. 6% من الضفة مقابل ما يوازي 5. 5 من المناطق الحدودية المحاذية للضفة وقرب قطاع غزة.


 


ورغم تأكيد أبو مازن إنه لا يعرف ماذا يقصد أولمرت بـ «تقريباً» كل الضفة، و«تقريباً» كل أحياء القدس إلا أنه قال إنه مازال ينتظر إجابات رئيس الوزراء الإسرائيلي في لقاء أخير معه هذا الأسبوع. وسواء تلقى أبومازن الإجابات التي ينتظرها أم لا، فهناك مشروع إسرائيلي للتسوية، ومقترحات تفصيلية عرضت على المرشحين للرئاسة الأميركية، ووافقت عليها الإدارة الأميركية الحالية وإن كانت ترى صعوبة تسويقها فلسطينياً وعربياً.


 


وهنا يكون التساؤل: هل «اكتشاف» “إسرائيل” للمبادرة العربية بعد ست سنوات من إطلاقها هو محاولة لنسف ما تحقق على طريق التسوية (أو التصفية) للقضية الفلسطينية، ولما يكون قد تحقق على جبهة المفاوضات مع سوريا وهي الأسهل أم أن الأمر على العكس يدعم الاتجاه لإنجاز الاتفاق اعتقاداً من القيادة الإسرائيلية بأنها أمام فرصة قد لا تتكرر لفرض شروطها وضمان مستقبلها؟


 


إذا كان الاحتمال الأخير قائماً في ذهن القيادة الإسرائيلية، فإن إحياء المبادرة العربية – وفقاً للشروط الإسرائيلية- يوفر الغطاء العربي الذي يجعل تمرير الاتفاق ممكناً، ثم المساهمة العربية في حل قضية اللاجئين سواء بتحمل الجزء الأكبر من التعويضات أو توطين اللاجئين في البلاد العربية ما عدا لبنان التي يتم توزيع الفلسطينيين المقيمين بها وفقاً لمقترحات سبق نشرها قبل سنوات.


 


وبالإضافة إلى ذلك فإنه مع الحل في إطار عربي ومع التطبيع المفترض للعلاقات ينفتح الطريق لإحياء مشروع بيريز القديم عن الشرق الأوسط، وينفتح الطريق أمام “إسرائيل” إلى أموال الخليج وإلى أسواق العالم العربي.


 


في بداية العام كنا على موعد مع «اكتشاف» الرئيس الأميركي لأهمية القضية الفلسطينية ومركزيتها في استقرار المنطقة !! قبل نهاية العام يفاجئنا قادة “إسرائيل” باكتشاف مزايا المبادرة العربية المركونة لديهم منذ ست سنوات!! أما نحن فلا نريد أن نعترف أو «نكتشف» أنه بدون قوة عربية رادعة سيظل مصيرنا مرهونا بما «يكتشفه» الآخرون وما يقررونه!!.

مقالات ذات صلة