عين على العدو

من يكسر الحصار على غزة؟

قام عدد من المقاومين الفلسطينيين بعملية فدائية متميزة وجريئة شرق مدينة غزة أسموها عملية ‘ كسر الحصار ‘ . وفي تبرير العملية وتسميتها أفاد ناطق باسم المنفذين أن الموت في الاشتباك مع العدو أكرم من الموت جوعاً نتيجة الحصار . ورغم بساطة التعبير إلا أنه يلخص كل المسألة .


العدوان الذي أعقب العملية البطولية وأوقع عدداً من الشهداء والجرحى بينهم نسبة كبيرة من الأطفال وتكراره يومياً منذ انتهاء العملية لم يخفف وقع الهجوم الفدائي وما أحدثه من صدمة في صفوف القيادة العسكرية الإسرائيلية ولا زال يعطي مفاعيل تتعلق بمدى جاهزية الجيش وإجراءاته بعد مناورات وصفت بأنها أكبر مناورات يجريها الجيش والدفاع المدني في تاريخ الدولة وهو ما أقلق وأغضب قادة إسرائيل .


غزة تعاني  حصاراً وتجويعاً وتدميراً وقتلاً ، ولم توفر اسرائيل وسيلة إلا واستخدمتها لتركيع أهلنا هناك ، ودفعهم للتمرد على فصائل المقاومة والكفر بها  ، حتى وصل بها الأمر حد استهداف الأطفال الفلسطينيين بشكل متعمد .


غزة ناشدت كل الدنيا وخصوصاً أشقاءنا العرب أن يتدخلوا لرفع الظلم والحصار ، فماذا كانت النتيجة ؟ إغلاق الحدود المصرية مع غزة وتشديد الطوق عليها وتعزيز القوات على الحدود لمنع أي اندفاع للناس باتجاه مصر بذريعة عدم تكرار التدفق الكبير الذي جرى قبل عدة أشهر ، واقتحام الحدود وما نتج عنه من احراجات مزعومة لمصر .


غزة صرخت أن المرضى وكبار السن والأطفال يموتون ببطء مع استمرار الحصار ، فماذا كان الرد ؟ مزيد من دعم الولايات المتحدة الأمريكية للعدوان الإسرائيلي والحصار بذرائع مختلفة. هذا الحصار خلق مشكلة إنسانية خطيرة أدت إلى توقف دورة الحياة للعديد من المجالات الحيوية و وصل عدد المتوفين نتيجة هذا الحصار إلى المئات . ولو سلمنا أن أمريكا هي  في ذات الموقع الإسرائيلي ولا فائدة من طلب العون منها فأين باقي العالم ؟ وهل تكفي عبارات التعاطف والشجب والمناشدة،والموت يحصد شعبنا بشكل يومي ؟…


لقد أوهمونا بعملية سلام مخادعة بدأت في مدريد ثم تشظت بصاعق إسرائيلي أمريكي موصوف لتنتقل في شقها الفلسطيني إلى أوسلو وكانت آخر محطاتها مؤتمر أنابولس وما بينهما الكثير من الوعود والاتفاقات التي ضربت اسرائيل بها عرض الحائط ، وها نحن نشاهد حجم المعاناة الفلسطينية في قطاع غزة وهمجية الحصار في ظل مفاوضات غير منتجة مع اسرائيل لا تفضي سوى لمزيد من الحصار والتجويع .


يستطيع الفلسطينيون أن يتحملوا الجوع والحصار والقنل فيما لو شعروا أن هناك ضوء في نهاية النفق ، أما والحال على ما نشاهد فالأمر مختلف والتجربة تقول أن كل مرونة واقتراب عربي وفلسطيني من السلام يقابله تلكؤ إسرائيلي مقروناً بالعدوان والقتل والحصار، ولا أحد يمكنه أن يلوم الشعب الفلسطيني في غزة إن طالت شظايا انفجاره القادم كل محيطه الجغرافي ، لأنه لا يمكن ضبط هذه الحالة والغضب والإحباط يكبر حتى وصل إلى حدود قنبلة نووية. الأبناء يقتلون والأطفال يسقطون بقذائف تستهدفهم والحياة أقرب ما تكون للموت ؟ إذن منطقياً أن يكون الموت في الميدان أشرف وأكرم .


وواضح للجميع أن الحصار وغيره من وسائل الضغط والترهيب تنفذها إسرائيل بشكل قصدي ومنهجي وليست رد فعل على عمليات تقوم بها المقاومة كما تزعم دائماً ، ولو راقب المرء سلسلة الاعتداءات الإسرائيلية وعمليات تصفية القادة والكوادر لأدرك صحة ما نقول في هذا الشأن ، ومن هنا لا مبرر لتقاعس أي مسئول أو حتى مواطن عربي عن تقديم العون والمساندة لرفع الحصار عن الشعب الفلسطيني سواء في غزة أو الضفة . كما لابد أن تنشط قنوات الاتصال الفلسطينية والعربية بدول العالم والمنظمات الدولية ولجان حقوق الإنسان وكل من له صلة بهذا في الضغط لرفع المعاناة عن شعب غزة .


ويبقى أن نشير إلى السلطة الفلسطينية وواجبها الكبير في هذا المجال ، ذلك أن مشكلتها مع حماس لا تلغي مسؤوليتها عن كل الشعب الفلسطيني وفي مقدمة ذلك رفع الحصار عن غزة عبر كل الوسائل بما في ذلك وقف المفاوضات مع اسرائيل .


تعرف اسرائيل أن الشعب الفلسطيني لن يستسلم حتى لو بقي الحصار والتجويع ألف عام ، وتعلم اسرائيل أن محاولات كسر الحصار ستأخذ أشكال مختلفة و’كسر الحصار’ هي رسالة أولية بهذا الاتجاه والرسائل القادمة ربما تكون أكثر اتساعاً وأشد وطأة عليها .


الحصار سينتهي أخيراً وستنتصر إرادة الحياة آجلاً أو عاجلاً وهذه سنة التاريخ ، ولن تنجح اسرائيل في تحقيق أهدافها من وراء حصارها الهمجي لغزة ولكن يلزم أن نقول لكل الأهل في هذا الوطن العربي الكبير وخاصة مصر العربية بأن رفع الحصار عن شعبكم العربي الفلسطيني في غزة هو واجبكم بكل المعاني الدينية والقومية والأخلاقية ، ولا عذر لمن يقصر .

مقالات ذات صلة