عين على العدو

تغيير أم مناورة أخرى؟

بالرغم من شيخوخته المتقدمة، وضمنية الوظيفة التي يتقلدها، وتاريخه الحافل بالفشل السياسي، كرئيس تاريخي سابق لحزب العمل، ورئيس سابق للحكومة الإسرائيلية، إلا أن الرئيس الإسرائيلي شمعون بيريز لا يزال يميل للقدرة على حياكة المؤامرات، والمناورة الكبرى.


 


كانت زيارته خلال الأسبوع قبل الماضي للقاهرة، قد وفرت له الفرصة ليتحدث من عاصمة عربية، وإلى جانب رئيس أكبر دولة عربية، عن رؤيته الجديدة لتحقيق تسوية للصراع، حيث دعا إلى مفاوضات إسرائيلية عربية على المبادرة التي أقرتها بيروت في مارس 2002، ولم يكن حديثه مفاجئاً ولكنه ربما كان أقرب إلى التبشير منه إلى العمل السياسي.


 


على منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة الشهر الماضي، كان بيريز قد توجه خلال خطابه للعاهل السعودي مبدياً استعداد إسرائيل لمد يدها للسلام وبحث المبادرة العربية. ويبدو أن ثمة من يهتم في إسرائيل بأفكار بيريز، إذ كان زعيم حزب العمل ووزير الدفاع ايهود باراك قد قال: «يتوجب على إسرائيل بلورة مشروع سلام شامل وعرضه على العالم العربي»، فيما نُقل عن تسيبي ليفني زعيمة حزب كاديما خلال اجتماعات مغلقة أنها أيضاً تبدي اهتماماً إيجابياً بالشأن ذاته.


 


من الواضح أن الساسة الإسرائيليين يتلاعبون بالمواقف التي تتصل بالمبادرات المطروحة بشأن تحقيق السلام في المنطقة، وربما كان الحديث عن بحث المبادرة العربية والتفاوض مع العرب بشأنها، ليس أكثر من تجربة للتهرب من عملية أنابوليس الجارية التي تتحمل إسرائيل وحدها المسؤولية عن تعطيلها وفشلها.


 


عندما أقرت قمة بيروت العربية المبادرة سعودية الأصل، جاء الرد الإسرائيلي في حينه عملياً وقاسياً، إذ قام الجيش الإسرائيلي في اليوم التالي بحملة السور الواقي في الضفة الغربية والتي أدت إلى إعادة احتلالها بالكامل. ومنذ ذلك الحين، ترفض الحكومات الإسرائيلية كل محاولة عربية لاعتماد المبادرة كأساس للمفاوضات، ولتحقيق السلام.


 


هل نحن أمام انقلاب في السياسة الإسرائيلية أم أننا أمام مناورة أخرى؟ يشرح شمعون بيريز فكرته أمام الحاخام عوفاديا يوسف الأب الروحي لحزب شاس الديني المتطرف فيقول: «يتوجب على إسرائيل التوقف عن إجراء مفاوضات منفصلة، وعليها التوجه نحو اتفاقية سلام إقليمية وإجراء مفاوضات مع دول عربية ومع جامعة الدول العربية».


 


أما لماذا يفضل بيريز هذا التوجه فيقول: «إن إسرائيل تدفع الكثير في إطار مفاوضات منفصلة وتحصل على القليل، هذا إذا حصلت على شيء ما، أما المفاوضات مع العالم العربي جميعه فإنها يمكن أن تؤدي إلى صفقة رزمة شاملة».


 


في الواقع فإن إسرائيل التي تخوض جولات تفاوضية مع الفلسطينيين منذ خمسة عشر عاماً بدون احتساب مرحلة المفاوضات التي أدت إلى توقيع اتفاقية أسلو، إسرائيل بكل ما مر عليها من زعماء وحكومات وأحزاب من اليمين إلى اليسار إلى الوسط، كانت تُصر على اعتماد مبدأ الفصل بين المسارات، وعلى آلية المفاوضات الثنائية، وعدم إشراك أي طرف في المفاوضات المباشرة بما في ذلك أي دولة عربية أو أوروبا أو حتى الولايات المتحدة.


 


يستند الموقف الإسرائيلي من تلك الرؤية إزاء أسس وكيفية وآليات تحقيق السلام إلى الاعتقاد بأنها تمتلك موازين القوى القادرة على فرض تسوية تحقيق مصالحها، وتحرم أي طرف مفاوض فلسطيني أو عربي من تجنيد الرأي العام العربي والدولي بما يساعد على توفير شيء من الضغط على إسرائيل لتحقيق تسوية متوازنة ومقبولة.


 


ولأن إسرائيل ترفض الاقتراحات الواردة في المبادرة العربية بشأن اللاجئين والقدس والحدود، وترفض أيضاً أن يستند الموقف التفاوضي الفلسطيني أو السوري أو اللبناني إلى دعم كامل من كل المجموعة العربية، فإنها رفضت المبادرة بكليتها ورفضت التعاطي معها من قريب أو بعيد.


 


الآن ومنذ نحو عشرة أشهر تقريباً، يبدي المجتمع الدولي كما لم يفعل من قبل اهتماماً جماعياً بضرورة إنجاح المفاوضات الجارية على أسس تم الاتفاق عليها في أنابوليس، بحيث تجد إسرائيل نفسها أمام ضرورة اتخاذ قرارات صعبة أو تحمل مسؤولية الفشل عن المفاوضات الجارية مع الفلسطينيين.


 


حتى إدارة بوش التي تتهيأ للرحيل في يناير العام المقبل، تلح على ضرورة توصل الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي إلى اتفاق قبل نهاية هذا العام، مما دعا وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس مؤخراً لأن تتحدث بلهجة غير مسبوقة حين ترى أهمية التوصل لاتفاق بأي وسيلة من الوسائل.


 


إسرائيل متضايقة من الإلحاح الدولي بشأن التوصل لاتفاق مع الفلسطينيين لا تستطيع دفع استحقاقاته، ومتضايقة أيضاً من الاهتمام والتأييد الدولي للمفاوضات غير المباشرة بينها وبين سوريا ولأنها أيضاً غير مستعدة لدفع ثمن السلام، ولذلك فإنها أي إسرائيل تبحث عن مخارج من هذا الوضع تمكنها من مواصلة مخططاتها الخاصة القائمة على فرض التسوية التي تلائمها.


 


ومع أن ما يقوله بيريز، أو براك، أو ليفني لا يعبر عن سياسة إسرائيلية رسمية معتمدة، أو يمكن أن نتوقع اعتمادها خلال وقت قريب بسبب الاضطراب الذي تعاني منه الحكومة والحياة السياسية، إلا أن ما يطرحه الرئيس الإسرائيلي بشأن التفاوض مع العرب حول المبادرة العربية، ينطوي على خطورة بالغة.


 


المبادرة العربية بهذا المعنى غير مقبولة إسرائيلياً بل يمكن التفاوض حولها، مما جعل الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى لأن يرد بالقول إن المبادرة غير مطروحة للتعديل، ولأن المبادرة العربية لا تستبدل المفاوضات الفلسطينية والسورية واللبنانية مع إسرائيل بمفاوضات بينها وبين المجموعة العربية.


 


رفض الرئيس المصري حسني مبارك ما طرحه بيريز خلال المؤتمر الصحافي معه في شرم الشيخ، حين قال «إن جوهر المبادرة العربية هو أن العرب سيقيمون علاقات طبيعية مع إسرائيل في حال توصلت عبر المفاوضات مع الفلسطينيين والسوريين إلى حل يحقق المبادرة العربية».


 


بمعنى آخر على إسرائيل أن تدفع ثمن السلام مع العرب مقابل حصولها على التطبيع، فهل ستقبل مثل هذه المقايضة التي تنسف أحد أهم مبادئ السياسة الإسرائيلية منذ أمد بعيد، وهي أن على العرب أن يطبعوا علاقاتهم معها قبل التوقيع على السلام؟

مقالات ذات صلة