عين على العدو

هموم امنية فلسطينية!!

المدرب الأميركي يدفع بالاجهزة الامنية الفلسطينية الى التعامل مع شعبها بالطريقة نفسها التي تتعامل بها قوات الاحتلال معه، والتعامل بالطريقة نفسها مع مروج المخدرات ومع المقاوم.


 


منذ بدأت تتضح البوادر الاولى للمشروع الصهيوني لاقامة دولة يهودية في فلسطين اواخر القرن التاسع عشر، كان محور الاستراتيجية الصهيونية هو بناء قوة عسكرية متفوقة على مجموع القدرات العسكرية العربية، اذ كانت هذه هي الوسيلة الوحيدة القادرة على تمكين قلة غازية قادمة من وراء البحار على فرض وجودها الاستيطاني الاستعماري على الاكثرية الساحقة من سكان البلاد الاصليين، بينما راهن العرب بعامة واشقاؤهم الفلسطينيون بخاصة على كثرتهم بحيث اهملوا تطوير قدرات عسكرية للدفاع عن وجودهم، ولذلك فانه بالكاد نجد لعرب فلسطين تاريخا عسكريا معاصرا بينما ما زالت الدولة العبرية التي اقيمت عنوة بفضل ادراك قادتها لهذا الدرس الاول في أي صراع على الوجود هي حتى الان دولة عمادها جيشها الذي تمكن من تطوير صناعات عسكرية حولت دولته الى رابع اكبر بائع للسلاح في العالم.


 


لذلك فان أي تطوير للقدرة الدفاعية الفلسطينية، سواء النظامية على طريقة جيش التحرير الفلسطيني التابع لمنظمة التحرير الفلسطينية وقوى الشرطة والاجهزة الامنية المختلفة التابعة لسلطة الحكم الذاتي او غير النظامية على طريقة فصائل المقاومة الشعبية، هو تحرك في الاتجاه الصحيح لتصويب خلل استراتيجي تاريخي ما زال عرب فلسطين يدفعون ثمنه باهظا من المقومات الاساسية لوجودهم الجغرافي والديموغرافي والسياسي.


 


 


ان القوائم الطويلة للشهداء والأسرى والجرحى من منتسبي مختلف الأشكال النظامية وغير النظامية للقدرات الدفاعية الوطنية الناشئة هي دليل دامغ على ان تطوير هذه القدرات هو رصيد للنضال الوطني قادر على تجاوز العصبيات التنظيمية والاختلاف او حتى الخلاف بين الاجتهادات الوطنية وأطرها السياسية عند اي مواجهة مع الاحتلال كما اثبتت الانتفاضتان الاولى والثانية، وبغض النظر عمن درب او سلح او مول او قاد الأسماء الواردة في هذه القوائم وبغض النظر عن هذا الاطار او ذاك من الاطر النظامية او غير النظامية التي كانوا ينتسبون اليها فانهم جميعا سوف يدخلون التاريخ الوطني الفلسطيني باعتبارهم شهداء فلسطين وأسراها وجرحاها.


 


 


وقد اثبتت التجربة التاريخية المعاصرة انهم يتوحدون في رفض الاحتلال ومقاومته اينما وجدوا وايا كانت جوازات السفر التي يحملونها، وسواء دربهم العرب أم الايرانيون ام الصينيون ام الروس ام غيرهم، ويخطئ الاستراتيجيون الاميركيون ان اعتقدوا ان الظرف الراهن الذي اضطر جزءا من الطاقة البشرية للشعب الخاضع للاحتلال منذ اربعين عاما ونيف للقبول بالبنتاغون مشرفا على تسليحه وتدريبه وانتشاره والتزامه بـ”التنسيق” مع قوات الاحتلال في الضفة الغربية يمكن ان ينجح في تغيير هويته الوطنية اكثر مما نجح التدريب والتسليح العربي والروسي والصيني والايراني في تغييرها، فالمساهمة الاميركية مثلها مثل سابقاتها ان لم تصب في خدمة تطوير القدرة الدفاعية الفلسطينية في مواجهة الاحتلال الاسرائيلي باتجاه انهائه فان نتائجها ستكون معاكسة تماما للاهداف الاميركية المتوخاة منها بالنسبة للاغلبية الساحقة من الفلسطينيين المشاركين فيها.


 


 


لكن للقيادات السياسية والامنية الفلسطينية المشاركة في هذا “الجهد” الاميركي ولقراراتها بهذا الشان حديث اخر. فعلى سبيل المثال استنكر المعلق السياسي الفلسطيني هاني المصري في مقال حديث له ما صرح به احد القيادات الامنية اثناء اجتماع مع “نظرائه” الاسرائيليين في مستعمرة “بيت ايل” مؤخرا “بأن “حماس هي العدو المشترك للسلطة واسرائيل، وأن حسم الصراع معها سيكون عسكريا… لان تحديد الاعداء وكيفية حسم الصراع معهم، ليس من واجبات الاجهزة الامنية وانما من اختصاص القيادة السياسية”، لينوه المصري بالرئيس محمود عباس ورئيس حكومته سلام فياض ويقتبس منهما ان “حماس رغم ما قامت به هي جزء من الشعب الفلسطيني” وان “الحوار فقط هو الاسلوب الوحيد لحل الخلاف”. غير ان ما يجري على ارض الواقع يظهر ان المهمة الامنية والهدف السياسي المعلنين لهذه القيادات هما امر مناقض تماما.


 


فالهدف السياسي لخصه سلام فياض، وحكومته هي حكومة الرئاسة ومنظمة التحرير الفلسطينية، عندما قال في العاصمة الاميركية واشنطن في الثاني عشر من اكتوبر/تشرين الاول الماضي: “في الحقيقة نحن لا نسعى الى مجرد السلام. اننا نسعى الى سلام له معنى ودائم. نحن نسعى الى علاقات قوية مع اسرائيل… نحن لا نريد ان ببساطة ان نصل الى نقطة يقبل احدنا عندها الاخر فقط، اننا نريد علاقات دافئة حيث يعترف كلانا بالفوائد المتبادلة الاقتصادية والثقافية والروحية وطبعا الامنية للعيش والعمل معا. نحن لا نريد بناء الجدران، اننا نريد بناء الجسور. نحن لا نريد اخراج الاسرائيليين من حياتنا. بل نريد العيش مع الاسرائيليين كجيران لنا”.


 


ربما تستسيغ الاذان الاميركية والاسرائيلية سماع ذلك، لكن هذه الاذان نفسها وفياض ذاته يعرفون ان الهدف السياسي الحقيقي للشعب الفلسطيني هو الخلاص اليوم قبل غدا من الاسرائيليين واحتلالهم وهدم كل الجسور معهم لان اكثر من ستين عاما من “علاقات” مليون وربع المليون فلسطيني من “مواطني” دولتهم معهم لم تثمر سوى الاصرار على العيش داخل “غيتو” يهودي ضمن “دولة يهودية” خالصة يحاولون الان فرض الاعتراف بها على الرئاسة الفلسطينية وحكومتها وفرض التفاوض على “تبادل سكاني” عليهما يحقق لهم هذا الهدف الذي تبنته ايضا الادارة الاميركية نفسها التي كانت الادارة الاولى التي تتبنى “رؤية حل الدولتين” ربما من اجل تحقيق هذا الهدف تحديدا، اما “دفء” العلاقات فانه استحال على عرب مصر والاردن بالرغم من توقيع معاهدتي سلام مع دولة الاحتلال فكيف يكون امرا واقعيا ممكن التحقيق للشعب الذي ما زال رازحا تحت الاحتلال.


 


لقد كان سقوط عكا مؤخرا كرمز “للتعايش العربي اليهودي” طالما روجت دولة الاحتلال له لتضليل الراي العام العالمي حول ديموقراطيتها المدعاة هو الدليل الاحدث على ان الامر الواقع الذي تحاول قوة عسكرية متفوقة في لحظة تاريخية من المؤكد انها ليست دائمة لن يستطيع انتزاع اذعان عرب فلسطين للظلم التاريخي الذي حل بهم، ودليل على ان رفض هذا الامر الواقع سوف يوحدهم دائما حتى تنتصر قوة الحق على قانون القوة.


 


اما المهمة الامنية فقد لخصها وزير داخلية سلطة الحكم الذاتي عبد الرزاق اليحيي بقوله في التاسع من الشهر الماضي مخاطبا دورة تدريب في الاردن لاجهزة السلطة الامنية: “انتم هنا لا تتعلمون كيف تحاربون الإسرائيليين، وأنتم هنا ليس من أجل محاربة الاحتلال، وإنما لمحاربة قوى الشغب والجريمة والفوضى في فلسطين”، متجاهلا ان المتعاونين وتجار المخدرات والمجرمين الذين عاثوا شغبا وجريمة وفوضى في المجتمع الفلسطيني بسبب الاحتلال انما يهربون الى المناطق الخاضعة لسيطرة الاحتلال الذي يريد اليحيي الان للاجهزة الامنية ان تتحول بعيدا عنه وهو الجاني لكي تتفرغ للمجتمع الذي ما زال ضحية له.


 


وذاك الهدف السياسي وتلك المهمة الامنية لم تحددهما او تقرهما أي هيئة فلسطينية شرعية او ممثلة لشعبها بل هي املاءات من الاحتلال انيط تنفيذهما بالوسيط الاميركي والممول الاوروبي تحت التهديد باعادة فرض الحصار على الرئاسة الفلسطينية وحكومتها ان لم تذعنا لهذه الاملاءات، وقد اعادت وزيرة الخارجية الاميركية كوندوليزا رايس التاكيد عليهما خلال اسبوع بعد تصريحي فياض واليحيي عندما خاطبت “مؤتمر الشراكة الاميركية الفلسطينية” بواشنطن في الرابع عشر من الشهر الماضي، بحضور فياض والجنرال جيمس جونز، منسق التعاون الامني الفلسطيني مع قوات الاحتلال، بقولها انه “ينبغي” على سلطة الحكم الذاتي ورئاستها وحكومتها “تفكيك البنية التحتية للارهاب”، وكانت تقصد المقاومة والقدرات الدفاعية المتواضعة التي استطاعت تنظيمها، وهو ما فسره “معهد دراسات الامن القومي” الاسرائيلي في احدث تقرير منشور له في الثلاثين من الشهر المنصرم عن التقدم الذي احرزه الاشراف الاميركي – الاوروبي على اعادة بناء الاجهزة الامنية الفلسطينية باتجاه “منع” الضفة الغربية “من التحول الى “قاعدة للهجمات” على قوات الاحتلال بعد ان اجتمع السفير الاميركي لدى دولة الاحتلال جيمس كنينغهام مع العاملين في هذا المركز في اليوم السابق.


 


ان مسوغ الرئاسة وحكومتها للقبول بهذه الاملاءات هو اعتبارها “استحقاقات” فلسطينية مرتبطة ب”عملية دبلوماسية – سياسية” الهدف المعلن لها هو هدف “المشروع الوطني” لمنظمة التحرير باقامة دولة فلسطينية، لكن العملية نفسها تلفظ انفاسها الاخيرة بعد “صحوة الموت” التي ايقظتها في انابوليس العام الماضي، والهدف المعلن لها يتكشف عن سراب خادع، بينما على الارض ما زال الالتزام الفلسطيني بتلك “الاستحقاقات” يعمق الانقسام الوطني وينفخ في نار الفتنة.


 


فالتنسيق الامني مجردا من اي هدف سياسي ممكن التحقيق واقعيا يكاد يتحول الى مجرد شراكة امنية لان صيغته الحالية تختلف تماما عن التفاهم الاصلي حوله بعد توقيع اتفاق اوسلو، فتلك الصيغة كانت مؤقتة ومعدة لاتفاق “انتقالي” بينما الصيغة الراهنة “الأسوأ” يجري تطبيقها كجزء لا يتجزأ من ترتيب دائم، وتلك الصيغة لم تنص على شراكة في نطاق ولاية سلطة الحكم الذاتي كما يحدث الان حيث تتوزع المهام الامنية فيها زمنيا او جغرافيا بين الاجهزة الفلسطينية وبين قوات الاحتلال لتنشط احداها نهارا والاخرى ليلا (نابلس) او لتنشط احداها داخل المدينة والاخرى في ضواحيها (الخليل)، على سبيل المثال، مما يخلق نقمة شعبية لم تكن صرخة الاحتجاج التي اطلقها مؤخرا عضو المجلس التشريعي عن فتح عيسى قراقع الا قمة جبل الجليد الظاهرة منها. والصيغة الراهنة اسوأ كذلك لان المدرب الأميركي يدفع بالاجهزة الامنية الفلسطينية الى التعامل مع شعبها بالطريقة نفسها التي تتعامل بها قوات الاحتلال معه دهما وتحقيقا، والى التعامل بالطريقة نفسها مع مروج المخدرات ومع المقاوم، والى اعتبار مضاعفات نشاطها على البعد الانساني والمدني الفلسطيني ثمنا لا يمكن تلافيه خصوصا في عمليات الدهم والاعتقال، الخ.


 


وعندما تسمح قوة تقوم بالاحتلال بتمكين شعب يخضع لاحتلالها من حشد قوات امنية وتمويلها وتدريبها وتسليحها ثم نشرها لا يمكن الا يكون هذا هو الهدف السياسي الذي تخدمه والا ان يكون هذا هو الدور الامني المناط بها وفي هذه الحالة لا بد بالتاكيد ان يكون هناك خلل فاضح وخطا فادح في القرار القيادي لهذا الشعب وفي البرنامج السياسي الذي ينبثق منه قرار كهذا.

مقالات ذات صلة