عين على العدو

انشغال إسرائيل بانتخاباتها لا يقلل من أثر الانتخابات الأميركية عليها

حلمي موسى


رغم انشغال إسرائيل هذه الأيام بالانتخابات الأميركية التي ستحسم خلال أيام، والتي تنطوي نتائجها على عواقب بالغة الأثر على مستقبل إسرائيل، فإن الانشغال باللعبة الداخلية أكبر. وهذا ما دفع العديد من السياسيين الإسرائيليين للردّ بغضب وعنف على الإشارات التي أطلقها رئيس الحكومة المنصرف إيهود أولمرت بشأن المفاوضات مع سوريا والفلسطينيين. بل أن اليمين عموماً وزعيم الليكود خصوصاً لم يأخذوا بالحذر الواجب تجاه الأزمة الاقتصادية العالمية وتجاه التغييرات الأميركية المرتقبة ورفعوا من سقف خطابهم السياسي.


فنتنياهو، الذي أدار مفاوضات مباشرة مع الفلسطينيين، وغير مباشرة مع السوريين شدّد من خطابه السياسي ضد المفاوضات والتنازلات من أجل ترسيخ دعائم معسكر اليمين. وهكذا فإنه ضد أي مفاوضات حول القدس وهو مستعدّ لمبادلة السلام بالسلام مع العرب. كما أن زعيم »إسرائيل بيتنا« أفيغدور ليبرمان لم يجد وسيلة لإظهار تشدّده أفضل من العودة إلى تهديد مصر واتهام القيادة الإسرائيلية بالخنوع أمامها.


ويبدو أن جميع الأحزاب الإسرائيلية تحاول الإفادة من الأيام المتبقية لبدء المعركة الانتخابية رسمياً برص الصفوف وترتيب الأوضاع. وفيما يعتزل الحياة السياسية في ميرتس زعيم وراء زعيم تتعمق أزمة القيادة في حزب العمل. وهذا ما حدا بإيهود باراك إلى إقرار وجوب إجراء انتخابات تمهيدية لتحديد مواقع القياديين في قائمة الحزب للكنيست. ومعلوم أنه كلما تقلصت فرص الحزب في نيل المقاعد ظهرت الاستماتة للاحتفاظ بها من جانب شاغليها.


ولا يختلف الحال جوهرياً في حزب كديما حيث يريد شاؤول موفاز تكريس نفسه كزعيم داخل حزبه وليس مجرد الرجل الثاني عبر الإصرار على خوض انتخابات تمهيدية. ومن الجائز أن نتيجة الانتخابات التمهيدية في كديما ومدى نجاح اليمينيين في الحزب بالفوز بأماكن أعلى في القائمة هي ما سوف يحسم وجهة الحكومة المقبلة.


والواقع أن الليكود يعاني من صراع على المواقع في قائمة الحزب ولكن ما يخفّف من هذا الصراع واقع أن الاستطلاعات تتنبأ له بأكثر من ضعفي ما لديه اليوم. أما في باقي الأحزاب اليمينية فإن الصورة تشهد اندفاعاً نحو توحيد القوى، وهذا ما يمكن فهمه من سعي حزبي المفدال والاتحاد القومي للانصهار في حزب واحد.


ومهما يكن الحال فإن المعلقين الإسرائيليين يتسابقون للتكهن بوجهة الأمور في الحكومة المقبلة. ويبدو مما يكتبون أن الأمور تتراوح لديهم بين بقاء الوضع الراهن على حاله أو التحرك الضئيل حوله يمنة ويسرة. ويرجح كثيرون أن تحقق الاستطلاعات نفسها وأن يفوز معسكر اليمين بأغلبية تسمح له بتشكيل الحكومة الجديدة. ويعتقد هؤلاء أن نتائج الانتخابات سوف لن تسمح، رغم ذلك، بتغيير جوهري في السياسة الإسرائيلية لاعتبارات دولية وإقليمية.


فالمعلق السياسي في »معاريف« بن كسبيت يرى أن الانتخابات المقبلة أبعد من أن تحسم. ويكتب أن »بإمكان طنجرة الضغط أن تنفجر وأن تعلو للسماء من هذه الطبخة الغريبة التي يسبح فيها سياسيون من امثال نتنياهو، ليفني وباراك في نقطة الغليان التي يعيشها الشرق الاوسط. نجوم جدد يحاولون الدخول للسباق ومسيرات الاحتجاج التي يقوم بها باروخ مارزيل تتطلع بمساعدة من محكمة العدل العليا للمرور في شوارع ام الفحم حيث يزج بكل شيء في فرن كبير القوة وغير متوقع مثل »الوضع« في اسرائيل، مع الاقتصاد العالمي المنهار، وحزب الله الذي ينسج مؤامراته الانتقامية، والانتخابات في الولايات المتحدة، والإنفاق في غزة والقنبلة الايرانية المتكتكة في الخلف، وفي خضم كل هذه الجلبة يواصل ايهود اولمرت التنقل من واشنطن لأبو مازن ـ اذن فمن الممكن ان يحدث كل شيء بدون استثناء«. ويوحي كسبيت بأن من السابق لأوانه دفن حزب العمل ويرى أن »بالون كديما ينتفخ، ولكن الابرة الصحيحة التي ستغرز فيه في الوقت الصحيح وفي المكان الصحيح قادرة على إعادته الى حجمه الطبيعي كحزب لا يملك تركة إلا فك الارتباط الفاشل والحرب التي لا يوجد لها داع«.


أما آري شافيت فيكتب في »هآرتس« أن »انتخابات ٢٠٠٩ ستنتهي على ما يبدو بإقامة حكومة وحدة وطنية. سبب ذلك لا يعود للجيواستراتيجيا وانما للسياسة. ان انتصرت تسيبي ليفني فلن تكون قادرة على إقامة حكومة وسط ـ يسار مستقرة، ولذلك ستضطر للتعاون مع العمل والليكود وعلى حد سواء. وان انتصر بنيامين نتنياهو فلن يرغب في اقامة حكومة يمين متطرفة، ولذلك سيختار ضم كاديما والعمل إليه. ان حدث العجب العجاب وفاز ايهود باراك فلن يترك له فوزه الضئيل بداً إلا الارتكاز على ليفني ونتنياهو وحزبيهما«. ويخلص إلى أنه في كل الأحوال لن تكون حكومة إسرائيل المقبلة حكومة سلام.


وربما أن ذلك ما يدفع قوى يمينية منذ الآن للمطالبة بأن تكون مهمة الحكومة المقبلة ليست اقتصادية أو سياسية وإنما اجتماعية. ويرى هؤلاء أن الشرخ القائم في صفوف الإسرائيليين تجاه بعضهم بعضاً لأسباب سياسية أو أيديولوجية بات خطراً ويستدعي العلاج. ويحذر هؤلاء من أن الحملات الانتخابية سوف تزيد هذا الشرخ عمقاً جراء الكراهية التي ستبث والتي ربما كانت سنونوتها الأولى تصريحات إيلي يشاي عن »المارد الطائفي«.


المهم أن نتائج الانتخابات الأميركية قد تكون أكثر تأثيراً على الانتخابات الإسرائيلية مما يبدو حتى الآن.

مقالات ذات صلة