عين على العدو

التفاوض كخيار استراتيجي ووحيد

أعتقد أن من الضرورة بمكان التوقف ملياً عند التصريحات التي أدلى بها أحمد قريع أمام المؤتمر التنسيقي لسفراء فلسطين في الدول العربية، حيث قال إن مفهوم التفاوض أو منطقه كخيار استراتيجي ووحيد خاطئ تماماً وهو لا يتماشى مع تضحيات الشعب الفلسطيني، كذلك مع الواقع على الأرض حيث لم تقدم إسرائيل شيئاً يذكر خلال المفاوضات، خاصة في ما يتعلق بقضايا الوضع النهائي الصعبة والحساسة والشائكة. أحد مظاهر الأزمة الراهنة فلسطينياً تبدى في رد فعل الطبقة السياسية، لا النخبة، التي لم تعر الاهتمام الكافي والمناسب لتصريحات أبو العلاء ببساطة، لأن القراءة العميقة لتلك التصريحات ستشكل إدانة لمعظم رموز تلك الطبقة وممثليها، عموماً فإن إجراء هذا الأمر، أي قراءة عميقة للتصريحات، يتيح لنا الخروج بالملاحظات الأساسية الآتية:


ـ من السخيف والمعيب أن يقال إن أحمد قريع أدلى بتلك الأقوال في سياق مناكفة الرئيس محمود عباس واستفزازه، فلا يمكن تصور أن تُستخدم الخيارات الوطنية والاستراتيجية في السجالات والتجاذبات الشخصية، إذا كان الأمر صحيحاً فهو مصيبة، أو إذا لم يكن فالمصيبة أعظم، فبدلاً من الرد على مضمون التصريحات، جرى تسخيفها وإلباسها لبوس المصالح الشخصية هرباً من إجراء نقاش جدي حولها.


 


ـ يجب التوقف ملياً عند مضمون كلام قريع ووضعه في سياقه التاريخي السياسي والأيديولوجي، فعندما يقول المفاوض الفلسطيني لأكثر من عقدين إن التفاوض هو خيار استراتيجي خاطئ يجب أخذ ذلك بمنتهى الجدية، لأن ذلك يستوي مع المنطق، فليس هناك دول وشعوب تتبنى خيارا واحدا كخيار استراتيجي دون إجراء التقييم المستمر ومناقشة البدائل والخيارات الأخرى، هذا من جهة، ومن جهة أخرى عندما يقول أبو العلاء إن التفاوض لا يتناسب مع تضحيات الشعب الفلسطيني، فإن هذا يعني أن المفاوضين لا يتحلّون بالمسؤولية الوطنية والقيادية اللازمة، ويشكل ذلك إدانة للمنهج كما للأشخاص، فمن الطبيعي أن يتبنى القادة خيارات تتلاءم ليس فقط مع تضحيات الشعب الفلسطيني بل أيضاً مع التطورات الراهنة على أرض الواقع، علماً بأن هؤلاء القادة غالباً ما يتباهون أو بالأحرى يتبجحون بأنهم براغماتيون يحاولون التأقلم مع الواقع، رغم أن سياستهم تشي بعكس ذلك، وتحديدا لأن صمود الشعب الفلسطيني وتضحياته لا يمكن أن تترجم أو يُعبّر عنها فقط بخيار واحد فقط خاطئ ولم يؤد إلى نتيجة عملية حتى الآن.


 


ـ في ما يتعلق بالنتائج، أبو العلاء يقول ما معناه إنه حتى لو كان الخيار صحيحاً من الناحية المبدئية، فإن المفاوضات لم تؤد إلى نتيجة عملية، وإسرائيل ترفض تقديم شيء جدي للفلسطينيين، تحديدا في القضايا الحيوية والمصيرية، وهذا يشكل إدانة للخيار، كما يؤكد أنه ليس من حصاد له، وبالتالي لا بد من البحث عن خيارات أخرى ولكن بعد الإقرار بشجاعة وتسامٍ بخطأ ما كان متبعاً، وحتى الاعتذار عن ذلك، ومن ثم الشروع في حوار وطني بنّاء من أجل بلورة الخيارات البديلة والمناسبة.


 


ـ تصريحات أبو العلاء كشفت وفضحت مرة جديدة الطبقة السياسية والوضع الفلسطيني عامة، وخصوصا لجهة غياب المرجعية أو المؤسسة الوطنية الجامعة. كان يفترض أن يمثل أبو العلاء أمام هذه المؤسسة للإدلاء بشهادته ومناقشته وحتى محاسبته، ومن ثم إجراء النقاش والدراسات والقراءات الملائمة واستخلاص العبر والخروج بالاستنتاجات الضرورية، وللأسف في ظل تهميش بل تهشيم منظمة التحرير، تفتقد تلك التصريحات أو الاعترافات المهمة إلى القناة والأطر الضرورية للاستفادة منها والبناء عليها.


 


ـ لا بد من الإشارة أيضاً الى الاستنتاجات الشخصية ـ على الطريقة الاسرائيلية ـ اذا كان أبو العلاء بعد عشرين عاماً من التفاوض يقر بأن الخيار خاطئ ولم يودّ الى نتائج ولا يتلاءم لا مع الواقع ولا مع التضحيات الفلسطينية، فلماذا يستمر شخصياً في الانطواء ضمن هذا الخيار ببساطة، وكيف يستوي أو يستقيم أن يستمر في ترؤس الوفد الفلسطيني الى تفاوض خاطئ، سواء على المستوى المبدئي والمنهجي أو على مستوى الواقع والنتائج، كان يجب عليه أن يستقيل ويعتذر ويطلب الصفح من الشعب الصامد والمناضل والمضحي، ليس أقل من ذلك.


 


أخيرا، لا بد من الاشارة إلى ملاحظة مهمة جدا في اللقاء التنسيقي نفسه، شكا بعض السفراء الفلسطينيين، خاصة في الدول الخليجية، من تراجع الاهتمام الشعبي والإعلامي بهم وتحوله، وكذلك المساعدات الشعبية لمصلحة حركة حماس، للأسف لم يربط أحد منهم هذا الأمر بتصريحات أبو العلاء. الشارع العربي غير مستعد لسماع الثرثرات الفارغة عن التفاوض كخيار استراتيجي وحيد، وهو يفهم أن الخيار الاستراتيجي الوحيد والمناسب هو المقاومة، وبالتالي فإنه مستعد للصفح عن أخطاء وحتى خطايا حماس التكتيكية ما دامت تتبنى الخيار المناسب استراتيجيا.

مقالات ذات صلة