عين على العدو

مقاومة المقدسيين وانتفاضة الفلسطينيين المقبلة

في صيف العام 2000، وتحديداً بعد قمة كامب ديفيد، تجمعت في الأفق نذر انتفاضة فلسطينية لم تكن في حاجة لأكثر من شرارة حتى تندلع.


 


كانت السلطة الفلسطينية تغرق في الفساد، وكان الثوار الذين تحولوا إلى رجال أعمال يصولون ويجولون وحدهم في الميدان، بينما كان التعاون الأمني قد بلغ ذروته باصطياد العديد من رموز المقاومة، ومن ثم وضع المئات منهم (من حماس تحديداً) رهن السجون، أكان في قطاع غزة أم الضفة الغربية.


 


من جانب آخر، كان الشارع الفلسطيني يتابع مجريات العملية التفاوضية التي وعدوه بأن تكون خاتمتها دولة فلسطينية كاملة السيادة على الأراضي المحتلة عام 67، بما فيها القدس، مع عودة اللاجئين، وإذ به يفاجأ بمسار آخر، وبوقاحة إسرائيلية منقطعة النظير وصلت حد المطالبة بالسيادة على الجزء السفلي من المسجد الأقصى، إضافة إلى حصة من الجزء العلوي، بينما عاد المفاوضون من كامب ديفيد يشرحون طبيعة العرض الذي قدم لهم، والذي لا يعدو أن يكون كياناً منقوص السيادة: مفتت الأوصال على أقل من 70 في المئة من الأراضي المحتلة عام 67، وإن جرى الحديث عن نسب تقترب من مئة في مئة لا تأخذ في الاعتبار الأجزاء التي ضمت إلى القدس من الضفة الغربية، ولا مناطق الغور التي ستؤجر لعشرات السنين.


 


الآن، تتجمع في الأفق ملامح انتفاضة جديدة في الساحة الفلسطينية: دلالتها هذه العمليات التي تنطلق من القدس بطرق بدائية (الجرافات، السكاكين)، مع محاولات أخرى مجهضة في مناطق أخرى من الضفة، بينما لا تختلف أرضيتها عن تلك التي أشرنا إليها في الحالة السابقة من حيث فشل المفاوضات، واستمرار الإجراءات الإسرائيلية القمعية (حواجز، قتل، اعتقال، غطرسة مستوطنين)، إلى جانب ثقل الوطأة الأمنية للسلطة على الناس، واعتقالها وإذلالها لخيرة مجاهدي الشعب الفلسطيني، فضلاً عن تبخر سائر حكايات الدعم والرخاء والتنمية التي تحولت عملياً إلى تعزيز أجهزة الأمن لا أكثر.


 


صحيح أن الانقسام يلقي بثقله على الساحة الفلسطينية برمتها، لكن ذلك لا يعيق الانتفاضة، بقدر ما يمكن أن يحفزها، لأنه ما من شيء يوحد الفلسطينيين مثل مواجهتهم للاحتلال، بدليل التوحد الاستثنائي أثناء انتفاضة الأقصى.


 


ليس من الصواب بالطبع أن نبقى في انتظار هبّة الجماهير، إذ لا بد أن يكون للفصائل والقوى الحية في المجتمع دورها في إشعال انتفاضة جديدة يمكنها تحقيق الكثير إذا ما أديرت بطريقة فاعلة وذكية.


 


في الأفق الإقليمي والدولي هذه الأيام ملامح تحولات تصبّ في خدمة الشعب الفلسطيني، وعلى رأسها هزائم أمريكا وأزماتها المتوالية، إلى جانب التعب الذي يعانيه المجتمع الإسرائيلي جراء هزيمة تموز وغياب القادة الكبار، وتراجع معنويات الجيش.


 


نعم، ثمة تحولات بالغة الأهمية لا بد من استثمارها لصالح الشعب الفلسطيني وقضيته العادلة، ولا يعقل أن تنتصر المقاومة في لبنان، وتصعد المقاومة في أفغانستان والصومال ولا يعرف الأمريكان كيف يدبرون أوضاعهم في العراق، ويبقى الشعب الفلسطيني أسير هذا البؤس رغم فرادة التضحيات التي قدمها، والأخرى التي يبدي استعداداً لتقديمها.


 


في ضوء ذلك، وبدل الحوار حول انتخابات جديدة تكرس واقع سلطة صممت لخدمة الاحتلال، لماذا لا يتم الحوار حول إطلاق موجة مقاومة جديدة للفلسطينيين تعيد الاعتبار لقضيتهم، وذلك عبر إدارة المجتمع الفلسطيني بالتوافق، في الضفة وغزة من دون سيطرة فريق لوحده على الوضع، والتوافق على برنامج مقاومة شامل يرفع في البداية شعار دحر الاحتلال من دون قيد أو شرط عن الضفة الغربية، مع استكمال تحرير قطاع غزة. وهكذا تنتهي التهدئة في غزة، وكذلك في الضفة، ويفرض على المحتل، التعامل مع الوضع وفق اتفاقية جنيف التي تحيل مسؤولية السكان الواقعين تحت الاحتلال إلى الجهة المحتلة.


 


إنه المسار الوحيد القادر على وضع القضية على سكتها الصحيحة، أما الحوارات التي تتحدث عن المفاوضات والديمقراطية تحت الاحتلال فبائسة لن يترتب عليها سوى المزيد من التراجع والانقسام.

مقالات ذات صلة