عين على العدو

إسرائيل وسياسات تبرئة الذمة

كانت “إسرائيل”، وما زالت، تمارس منطقاً سلوكياً شائعاً لدى اليهود عموماً، وخصوصاً عند أجيال الصهاينة منهم بشكل خاص، وهو الجهر بأقوال تخالفها الأفعال في ظاهرها وفي باطنها، ومن ثمة إيهام الآخرين بأن الأقوال تشكل في جوهرها أفعالاً عملية وكأنها تقدم لخصومها أفعالاً تعبيرية لغوية تمتلك سمات أفعال الكلام بلغة المفكرين المحدثين، وهذا النسق التعبيري المضلل  تفترضه، وربما تقتضيه، سياقات التداول المختلفة بالنسبة للنخب السياسية الصهيونية التي ترعى مصالح الكيان المغتصب لأرض فلسطين. فقد دأبت القيادات “الإسرائيلية” على تسويق صورة نمطية عن كيانها، بوصفه أنموذجاً للتعايش والديمقراطية وسط بيئة “همجية” معادية ترفض السلام وتسعى إلى “إبادة” اليهود وتدمير “إسرائيل”، وظلت هذه الأكذوبة بمثابة المشجب الذي تعلق عليه “إسرائيل” كل مشاريعها الاستيطانية وعمليات التصفية والتهجير والقتل الجماعي ضد الشعب الفلسطيني.


 


والآن وبعد سنوات من التضليل الممارس أمام الرأي العام والإعلام العالميين حول مشاريع السلام وخطط التسوية، التي لا يكاد يجف الحبر الذي تكتب به أمام عدسات الكاميرات، حتى تنقلب عليها الحكومات “الاسرائيلية” من اليمين إلى اليسار، وكأن التسوية أصبحت تعني في عرف الساسة “الإسرائيليين” إنجازاً لفظياً يتم تجسيده عبر لقاءات وحملات من العلاقات العامة. وبالتالي، فحينما يتدخل الطرف “الاسرائيلي” من أجل قلب مسار اللقاءات الثنائية من أجل إفراغها من محتواها وحمولاتها الدلالية المستندة الى الواقع المباشر، فإنه يتم في اللحظة نفسها اتهام الطرف الفلسطيني بعدم الجدية، وينبري المتحدثون باسم الحكومة “الاسرائيلية” للحديث عن غياب شريك حقيقي في عملية السلام. وهكذا، فإن مبادرة السلام العربية التي تم الاتفاق عليها في بيروت وقُبرت في مهدها من طرف “شارون”، يتم امتداحها الآن من طرف ثعلب حزب العمل “شيمون بيريز”، بينما يتحول “باراك” من مفاوض للسلام في زمن حكم الرئيس الأمريكي كلينتون إلى قارع لطبول الحرب ومروّج لقمع الفلسطينيين وحصارهم في غزة.


 


والحقيقة، أن ما يهم الصهاينة من مبادرة السلام العربية هو الجزء المتعلق بالتطبيع الشامل للعلاقات مع جميع الدول العربية، من دون الالتزام بطبيعة الحال بتنفيذ الشطر المتعلق بإعادة الأراضي المحتلة في سنة ،1967 وترمي هذه التصريحات المملة التي لا ترقى حتى إلى مستوى المناورة المكشوفة، إلى استبدال مبدأ الأرض مقابل السلام بما يسميه بعض “الإسرائيليين” شعار السلام مقابل السلام، الأمر الذي يوحي للمتتبعين أن السلام يمثل بالنسبة للعرب غاية استراتيجية في حد ذاته، حتى وإن لم يحقق الأهداف التي استشهدت من أجلها قوافل من الأبطال والمقاومين من أبناء الشعب الفلسطيني. وعليه فإن “إسرائيل” تهدف من وراء كل هذه الفوضى الدلالية إلى استدراج الدول العربية إلى القبول التدريجي والضمني لما سبق وأن عبرت بوضوح عن رفضها له، وذلك إمعاناً من “الإسرائيليين” في تدمير الخطوط الحمر التي رسمتها القمم العربية المتعاقبة.


 


ويمكن القول إن الإدارة العسكرية والأمنية التي تملك مفاتيح الحكم الفعلي في “إسرائيل” تتسلى بأوراق اللعبة السياسية من أجل تلافي إحراج سياسييها في مفاوضاتهم مع الفلسطينيين، التي ترعاها الإدارة الأمريكية الحالية، والتي سبق وأن حددت بموجبها، وبأسلوب يحمل الكثير من الارتجالية والافتعال، تاريخ نهاية السنة الجارية من أجل التوصل إلى اتفاق نهائي مع الطرف الفلسطيني. ويبدو أن مسرحية تشكيل الحكومة تعمل على قتل ما تبقى من الوقت الضائع، بغية إدخال المنطقة برمتها في مسلسل جديد وطويل من المفاوضات يشعر فيه الطرف العربي بالملل والضجر، مما يجعله يفقد توازنه ويسارع الخطى لإنجاز نوع من التسوية، بصرف النظر عما يمكن أن ينفقه على مستوى المبادئ والقناعات. ويتجلى ذلك بشكل واضح، وبصورة ملفتة للانتباه وموجبة للريبة والتوجس، من خلال التعثر الذي واجهته الزعيمة الجديدة لحزب “كاديما” في تشكيل طاقمها الحكومي، لأسباب تبدو أكثر من واهية، خصوصاً بالنسبة لكيان يحظى بالدعم السخي من قبل مجموع القوى الكبرى في العالم.


 


لقد كانت لغة الكلام “الاسرائيلي”، وما زالت، تمثل جزءاً من التصور الصهيوني الهادف إلى إحراج الخصم وسجنه في زاوية مغلقة، من خلال مسلسل مفضوح من التصريحات الاستهلاكية الكاذبة التي تهدف إلى الحصول على نوع من تبرئة الذمة أمام المجتمع الدولي في مواجهتها لطرف عربي متشرذم لا يملك قراراً سياسياً موحداً، وتفتح تصريحاته المتعارضة أبواباً فسيحة من التأويلات والتأويلات المضادة التي تخدم الدعاية الصهيونية وتبرز الطرف العربي في صورة الشريك غير الجدي والمتهافت في مواقفه ورؤاه التي تتغير بوتيرة مهولة، وذلك ما يدفع بالأطراف الغربية المتابعة لشؤون المنطقة إلى الاستخفاف والاستهانة بالموقف الرسمي العربي الذي ينخرط في مسلسل تراجيدي من التراجعات المدمرة.


 


لا مندوحة للمواطن العربي من أن يصرح بكل حنق ومرارة، بأنه لم يعد قادراً على وضع ثقته الكاملة في نخبه السياسية التي أضاعت فلسطين والعراق، وتتفرج بسلبية قاتلة على التحرشات الأمريكية ضد سوريا. في الوقت الذي مازال الكثيرون ينتظرون ميلاد حكومة صهيونية جديدة – قديمة لإعادة صياغة فرضيات سلام جديدة تفتت ما تبقى من حديد وإسمنت الممانعة العربية، وتعطي شهادات حسن السلوك للبعض وتمنعها عن البعض الآخر. وعلى العرب أن يعترفو،ا قياساً على ما سبق، بأن الذي ينفرد بامتلاك أوراق إعلان حربه وإقرار سلمه لا يمكنه أن ينجز مشروع سلام دائم، لأن الحرب والسلم يمثلان وجهان لعملة واحدة بالنسبة لإمكانات وجوده وديمومته.

مقالات ذات صلة