عين على العدو

الكيان الصهيوني في ذروة أزمته

من أبسط قواعد الحرب والسياسة ما يتعلق بتدبر ميزان القوى، لكن المتابع لسياسات النظام العربي الرسمي، ومن ضمنه السلطة الفلسطينية حيال الصراع مع الدولة العبرية، سيصاب بالخيبة جراء استمرار التعامل معه وفق ذات الرؤية القديمة دون التمعن في التحولات الجديدة.


 


لن نتوقف هنا عند تراجع عنصر القوة الأكبر للكيان الصهيوني، وبالطبع بسبب تراخي القبضة الأمريكية على الشأن الدولي، وملامح نظام دولي متعدد الأقطاب، والذي يحتم على الوضع العربي صياغة سياسات جديدة، لا تتعلق بالصراع مع الكيان الصهيوني فحسب، وإنما بمجمل العلاقة مع الولايات المتحدة والأقطاب الدولية الأخرى.


 


سنترك هذا الجانب ونتوقف عند المعطيات المتعلقة بالدولة العبرية وأزمتها الداخلية، بل أزماتها المتوالية التي تحتم مقاربة فلسطينية وعربية جديدة فيما يتعلق بالتسوية ومفردات الصراع الأخرى.


 


من المؤكد أن هزيمة تموز 2006 أمام حزب الله كانت محطة كبيرة وبالغة الأهمية، إذ ضربت بعنف هيبة وحضور المؤسسة العسكرية التي شكلت على الدوام عنوان القوة والتماسك للدولة العبرية، لكن المؤكد أيضاً أن الجيش الذي واجه حزب الله في تلك الحرب لم يكن هو ذاته الذي خاض الحروب السابقة، وبالطبع بعد أن مضت سنوات طويلة تحول خلالها إلى قوة بوليس تطارد الفلسطينيين في الداخل، ونتذكر أن ذات الجيش قد أصيب بهزيمة رمزية كبيرة في مخيم جنين، ربيع العام 2002، وبالطبع بعد عامين فقط على خروجه المذل من جنوب لبنان، فضلاً عن التعب الذي أصابه جراء مواجهته لانتفاضة الأقصى وروحها الاستشهادية. ولا حاجة للتذكير بأن تراجع المؤسسة العسكرية هو تعبير عن شيوع ظواهر الترف والاستهلاك، وتراجع روج التضحية والفداء في المجتمع ككل، وهي الروح التي ميزته في مراحل صعوده طوال عقود.


 


هكذا ضربت المؤسسة العسكرية في حرب تموز، ثم سلّمت بعجزها عن اجتياح قطاع غزة بعد محاولات أولية فاشلة، الأمر الذي جعلها تدفع المستوى السياسي نحو قبول تهدئة فيها قدر من الإذلال لهيبة الدولة وتفوقها المادي والمعنوي على الفلسطينيين، وعلى هذه الخلفية كان الجدل السياسي الذي لم ينقطع حول القيادة وعجزها، ولتأتي قصص فساد أولمرت، ومن قبلها عدد من قضايا الفساد في المستوى السياسي لتعمق الأزمة.


 


بعد شارون لم يحصل الإسرائيليون على قائد ذي قوة وشكيمة، وها هي تسيبي ليفني بعد فشلها في تشكيل ائتلاف حكومي معقول تختار الذهاب إلى انتخابات مبكرة، ولتدخل الدولة في مسلسل أزمات جديد لن توقفه الانتخابات التي تقول استطلاعات الرأي إنها ستفضي إلى منح الليكود وحزب كاديما نتائج متقاربة لن تزيد في مجموعها عن نصف مقاعد الكنيست، بينما يأفل نجم حزب العمل الذي سيتساوى مع حزب شاس اليميني بما لا يزيد عن 11 مقعداً، ولتتوزع المقاعد الباقية على الأحزاب الصغيرة ومنها الأحزاب العربية.


 


لعل أهم ما يؤكد ما ذهبنا إليه حول أزمة هذا الكيان وتراجعه على مختلف الأصعدة هو جواب المجتمع الإسرائيلي على سؤال الجانب الأكثر تأثيراً في نتائج الانتخابات.


 


في هذا السياق، وبحسب استطلاع لمعهد داحف، قال 47,5 في المئة من الإسرائيليين، أي أقل من النصف بقليل إن الأمن هو الأكثر تأثيراً، بينما لم يقل سوى 27 في المئة فقط إنه الاقتصاد (حدث ذلك رغم الأزمة الاقتصادية العالمية التي أصابت الدولة العبرية كما أصابت سواها)، وتوزع الباقون على قضايا أخرى (التعليم 18 في المئة، المجتمع 5 في المئة، بينما أجاب 2 في المئة بلا أدري).


 


هكذا يقرّ المجتمع الإسرائيلي بأن الأمن هو ذروة اهتماماته، ويحدث ذلك رغم تراجع المقاومة الفلسطينية على نحو لافت، وبالطبع تبعاً لرفض قيادة السلطة لما تسميه العسكرة، إضافة إلى الوضع الصعب الذي تعيشه فصائل المقاومة في الضفة بسبب النشاط الأمني الفلسطيني والإسرائيلي ضدها.


 


خلاصة القول هي إن عدونا في حالة تراجع، وكذلك عناصر دعمه الخارجية (لا علاقة للأمر بفوز أوباما، بل بتغير الاستراتيجية الأمريكية والكف عن التركيز على الشرق الأوسط كما كان الحال أيام بوش)، فلماذا يصرّ قادتنا على التعامل مع الصراع بذات الروحية القديمة؟ لماذا؟

مقالات ذات صلة