عين على العدو

الأجهزة الأمنية بين الأقوال والإملاءات

منذ بدأت تتضح البوادر الأولى للمشروع الصهيوني لإقامة دولة يهودية في فلسطين أواخر القرن التاسع عشر، كان محور الاستراتيجية الصهيونية هو بناء قوة عسكرية متفوقة على مجموع القدرات العسكرية العربية، إذ كانت هذه هي الوسيلة الوحيدة القادرة على تمكين قلة غازية قادمة من وراء البحار على فرض وجودها الاستيطاني الاستعماري على الأكثرية الساحقة من سكان البلاد الأصليين، بينما راهن العرب عامة وأشقاؤهم الفلسطينيون خصوصاً على كثرتهم حيث أهملوا تطوير قدرات عسكرية للدفاع عن وجودهم، ولذلك فإنه بالكاد نجد لعرب فلسطين تاريخاً عسكرياً معاصراً بينما ما زالت الدولة العبرية التي أقيمت عنوة بفضل إدراك قادتها لهذا الدرس الأول في أي صراع على الوجود هي الآن دولة عمادها الجيش الذي تمكن من تطوير صناعات عسكرية حولت دولته إلى رابع أكبر بائع للسلاح في العالم.


 


لذا فإن أي تطوير للقدرة الدفاعية الفلسطينية، سواء النظامية على طريقة جيش التحرير الفلسطيني التابع لمنظمة التحرير الفلسطينية وقوى الشرطة والأجهزة الأمنية المختلفة التابعة لسلطة الحكم الذاتي أو غير النظامية على طريقة فصائل المقاومة الشعبية، هو تحرك في الاتجاه الصحيح لتصويب خلل استراتيجي تاريخي ما زال عرب فلسطين يدفعون ثمنه باهظاً من المقومات الأساسية لوجودهم الجغرافي والديموغرافي والسياسي


 


إن القوائم الطويلة للشهداء والأسرى والجرحى من منتسبي مختلف الأشكال النظامية وغير النظامية للقدرات الدفاعية الوطنية الناشئة هي دليل دامغ على أن تطوير هذه القدرات هو رصيد للنضال الوطني قادر على تجاوز العصبيات التنظيمية والاختلاف أو حتى الخلاف بين الاجتهادات الوطنية وأطرها السياسية عند أي مواجهة مع الاحتلال كما أثبتت الانتفاضتان الأولى والثانية، وبغض النظر عمن درب أو سلح أو مول أو قاد الأسماء الواردة في هذه القوائم وبغض النظر عن هذا الإطار أو ذاك من الأطر النظامية أو غير النظامية التي كانوا ينتسبون إليها فإنهم جميعاً سوف يدخلون التاريخ الوطني الفلسطيني باعتبارهم شهداء فلسطين وأسراها وجرحاها.


 


وقد أثبتت التجربة التاريخية المعاصرة أنهم يتوحدون في رفض الاحتلال ومقاومته أينما وجدوا وأياً كانت جوازات السفر التي يحملونها، سواء دربهم العرب أو الإيرانيون أو الصينيون أو الروس أو غيرهم، ويخطئ الاستراتيجيون الأمريكيون إن اعتقدوا أن الظرف الراهن الذي اضطر جزءاً من الطاقة البشرية للشعب الخاضع للاحتلال منذ أربعين عاماً ونيف لقبول البنتاغون الإشراف على تسليحه وتدريبه وانتشاره والتزامه بـ”التنسيق” مع قوات الاحتلال في الضفة الغربية يمكن أن ينجح في تغيير هويته الوطنية أكثر مما نجح التدريب والتسليح العربي والروسي والصيني والإيراني في تغييرها، فالمساهمة الأمريكية مثلها مثل سابقاتها إن لم تصب في خدمة تطوير القدرة الدفاعية الفلسطينية في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي باتجاه إنهائه فإن نتائجها ستكون معاكسة تماماً للأهداف الأمريكية المتوخاة منها بالنسبة للأغلبية الساحقة من الفلسطينيين المشاركين فيها.


 


لكن للقيادات السياسية والأمنية الفلسطينية المشاركة في هذا “الجهد” الأمريكي ولقراراتها بهذا الشأن حديث آخر. فعلى سبيل المثال استنكر المعلق السياسي الفلسطيني هاني المصري في مقال حديث له ما صرح به أحد القيادات الأمنية أثناء اجتماع مع “نظرائه” الإسرائيليين في مستعمرة “بيت إيل” مؤخراً بأن “حماس هي العدو المشترك للسلطة و”إسرائيل”، وأن حسم الصراع معها سيكون عسكرياً… لأن تحديد الأعداء وكيفية حسم الصراع معهم، ليس من واجبات الأجهزة الأمنية وإنما من اختصاص القيادة السياسية”، ونوه المصري بالرئيس محمود عباس ورئيس حكومته سلام فياض واقتبس منهما أن “حماس رغم ما قامت به هي جزء من الشعب الفلسطيني” وأن “الحوار فقط هو الأسلوب الوحيد لحل الخلاف”. غير أن ما يجري على أرض الواقع يظهر أن المهمة الأمنية والهدف السياسي المعلنيين لهذه القيادات هما أمر مناقض تماماً.


 


الهدف السياسي لخصه سلام فياض، وحكومته هي حكومة الرئاسة ومنظمة التحرير الفلسطينية، عندما قال في العاصمة الأمريكية واشنطن في الثاني عشر من تشرين الأول / أكتوبر الماضي: “في الحقيقة نحن لا نسعى إلى مجرد السلام. إننا نسعى إلى سلام له معنى ودائم. نحن نسعى إلى علاقات قوية مع “إسرائيل”… نحن لا نريد ببساطة أن نصل إلى نقطة يقبل أحدنا عندها الآخر فقط، إننا نريد علاقات دافئة حيث يعترف كلانا بالفوائد المتبادلة الاقتصادية والثقافية والروحية وطبعاً الأمنية للعيش والعمل معاً. نحن لا نريد بناء الجدران، إننا نريد بناء الجسور. نحن لا نريد إخراج الإسرائيليين من حياتنا. بل نريد العيش مع الإسرائيليين كجيران لنا”.


 


ربما تستسيغ الآذان الأمريكية والإسرائيلية سماع ذلك، لكن هذه الآذان نفسها وفياض ذاته يعرفون أن الهدف السياسي الحقيقي للشعب الفلسطيني هو الخلاص اليوم قبل غداً من الإسرائيليين واحتلالهم وهدم كل الجسور معهم لأن أكثر من ستين عاماً من “علاقات” مليون وربع المليون فلسطيني من “مواطني” دولتهم معهم لم تثمر سوى الإصرار على العيش داخل “غيتو” يهودي ضمن “دولة يهودية” خالصة يحاولون الآن فرض الاعتراف بها على الرئاسة الفلسطينية وحكومتها وفرض التفاوض على “تبادل سكاني” عليهما يحقق لهم هذا الهدف الذي تبنته أيضاً الإدارة الأمريكية نفسها التي كانت الإدارة الأولى التي تتبنى “رؤية حل الدولتين” ربما من أجل تحقيق هذا الهدف تحديداً، أما “دفء” العلاقات فإنه استحال على عرب مصر والأردن على الرغم من توقيع معاهدتي سلام مع دولة الاحتلال فكيف يكون أمراً واقعياً ممكن التحقيق للشعب الذي ما زال رازحاً تحت الاحتلال.


 


لقد كان سقوط عكا مؤخراً كرمز “للتعايش العربي اليهودي” الذي طالما روجت له دولة الاحتلال لتضليل الرأي العام العالمي حول ديمقراطيتها المدعاة هو الدليل الأحدث على أن الأمر الواقع الذي تحاول قوة عسكرية متفوقة في لحظة تاريخية لن يستطيع انتزاع إذعان عرب فلسطين للظلم التاريخي الذي حل بهم، وإن رفض هذا الأمر الواقع سوف يوحدهم دائماً حتى تنتصر قوة الحق على قانون القوة.


 


أما المهمة الأمنية فقد لخصها وزير داخلية سلطة الحكم الذاتي عبد الرزاق اليحيى بقوله في التاسع من الشهر الماضي مخاطباً دورة تدريب في الأردن لأجهزة السلطة الامنية “أنتم هنا لا تتعلمون كيف تحاربون الإسرائيليين، وأنتم هنا ليس من أجل محاربة الاحتلال، وإنما لمحاربة قوى الشغب والجريمة والفوضى في فلسطين”، وتجاهل المتعاونين وتجار المخدرات والمجرمين الذين عاثوا شغباً وجريمة وفوضى في المجتمع الفلسطيني بسبب الاحتلال.


 


وأن الهدف السياسي وتلك المهمة الأمنية لم تحددهما أو تقرهما أي هيئة فلسطينية شرعية أو ممثلة لشعبها بل إملاءات من الاحتلال أنيط تنفيذهما بالوسيط الأمريكي والممول الأوروبي تحت التهديد بإعادة فرض الحصار على الرئاسة الفلسطينية وحكومتها إن لم تذعنا لهذه الإملاءات. وقد أعادت وزيرة الخارجية الامريكية كوندوليزا رايس التأكيد بعد تصريحي فياض واليحيى عندما خاطبت “مؤتمر الشراكة الأمريكية الفلسطينية” في واشنطن في الرابع عشر من الشهر الماضي، وبحضور فياض والجنرال جيمس جونز، منسق التعاون الأمني الفلسطيني مع قوات الاحتلال، بقولها إنه “ينبغي” على سلطة الحكم الذاتي ورئاستها وحكومتها “تفكيك البنية التحتية للإرهاب”، وكانت تقصد المقاومة والقدرات الدفاعية المتواضعة التي استطاعت تنظيمها، وهو ما فسره “معهد دراسات الأمن القومي” الإسرائيلي في أحدث تقرير له في الثلاثين من الشهر المنصرم عن التقدم الذي أحرزه الإشراف الأمريكي ـ الأوروبي على إعادة بناء الأجهزة الأمنية الفلسطينية باتجاه “منع” الضفة الغربية “من التحول إلى “قاعدة للهجمات” على قوات الاحتلال بعد أن اجتمع السفير الأمريكي لدى دولة الاحتلال جيمس كنينغهام مع العاملين في هذا المركز في اليوم السابق.


 


إن مسوغ الرئاسة وحكومتها للقبول بهذه الإملاءات هو اعتبارها “استحقاقات” فلسطينية مرتبطة بـ”عملية دبلوماسية – سياسية” والهدف المعلن لها هو “المشروع الوطني” لمنظمة التحرير بإقامة دولة فلسطينية، لكن العملية نفسها تلفظ أنفاسها الأخيرة بعد “صحوة الموت” التي أيقظتها في أنابوليس العام الماضي، و بما يكشف عن سراب خادع، بينما على الأرض ما زال الالتزام الفلسطيني بتلك “الاستحقاقات” يعمق الانقسام الوطني وينفخ في نار الفتنة.


 


فالتنسيق الأمني المجرد من أي هدف سياسي ممكن التحقيق واقعياً يكاد يتحول إلى مجرد شراكة أمنية لأن صيغته الحالية تختلف تماماً عن التفاهم الأصلي بعد توقيع اتفاق أوسلو، فتلك الصيغة كانت مؤقتة ومعدة لاتفاق “انتقالي” بينما الصيغة الراهنة “الأسوأ” يجري تطبيقها كجزء لا يتجزأ من ترتيب دائم، وتلك الصيغة لم تنص على شراكة في نطاق ولاية سلطة الحكم الذاتي كما يحدث الآن حيث تتوزع المهام الأمنية فيها زمنياً أو جغرافياً بين الأجهزة الفلسطينية وبين قوات الاحتلال لتنشط إحداها نهاراً والأخرى ليلاً (نابلس) أو لتنشط إحداها داخل المدينة والأخرى في ضواحيها (الخليل)، على سبيل المثال، مما خلق نقمة شعبية كما صرخة الاحتجاج التي أطلقها مؤخراً عضو المجلس التشريعي عن فتح عيسى قراقع إلا قمة جبل الجليد الظاهرة منها. والصيغة الراهنة أسوأ كذلك لأن المدرب الأمريكي يدفع بالأجهزة الأمنية الفلسطينية إلى التعامل مع شعبها بالطريقة نفسها التي تتعامل بها قوات الاحتلال معه دهماً وتحقيقاً، وإلى التعامل بالطريقة نفسها مع مروج المخدرات ومع المقاوم، وإلى اعتبار مضاعفات نشاطها على البعد الإنساني والمدني الفلسطيني ثمناً لا يمكن تلافيه خصوصاً في عمليات الدهم والاعتقال، إلخ.


 


وعندما تسمح قوة تقوم بالاحتلال بتمكين شعب يخضع لاحتلالها من حشد قوات أمنية وتمويلها وتدريبها وتسليحها ثم نشرها مما يخدم الهدف السياسي وإلا أن يكون هذا هو الدور الأمني المناط بها سوى خلل فاضح وخطأ فادح في القرار القيادي لهذا الشعب وفي البرنامج السياسي الذي ينبثق منه قرار كهذا.

مقالات ذات صلة