عين على العدو

بين المشروع الصهيوني والتسوية التاريخية

إن من يلقي نظرة شاملة على حقيقة المواقف “الإسرائيلية” من مسألة إيجاد تسوية تاريخية للصراع العربي – “الإسرائيلي”، منذ بداية الصراع وحتى مراحله الراهنة، يكتشف أن “إسرائيل”، بكل تياراتها السياسية والاجتماعية، لم تكن في يوم من الأيام مهتمة بالبحث عن تسوية تاريخية للصراع، لكن اهتمامها كان دائما (وما زال) ينصرف إلى موقع آخر تماماً، هو مطاردة أي بؤرة عربية يمكن اعتبارها متشددة في التمسك بالحقوق التاريخية لعرب فلسطين، ومحاولة ضرب هذه البؤرة بشتى الوسائل العسكرية والسياسية والدبلوماسية، أو تحييدها عن المجرى الأساسي للصراع.


 


هذا هو التاريخ الحقيقي للسلوك “الإسرائيلي” منذ جمال عبد الناصر، وحتى يومنا هذا. ما يفسر لنا الموقف “الإسرائيلي” الأخير من المبادرة العربية، الذي اكتشف إمكانية الإفادة “الإسرائيلية” من هذه المبادرة، ليس لإيجاد تسوية تاريخية بالمعنى الموضوعي للتسوية، بل لغرض آخر تماماً، هو محاولة التفاهم مع “معسكر الاعتدال العربي” للتغلب على التشدد الذي تعتقد “إسرائيل” أنه متمثل في السلوك السياسي لكل من سوريا وحماس وحزب الله، وهو التشدد الذي تعتبره “إسرائيل” مشكلتها الأخيرة المتبقية، بعد توقيع مصر اتفاقية كامب دافيد، وتوقيع الأردن اتفاقية وادي عربة، واصطفاف كل الدول العربية المهمة في مجموعة ما يطلق عليه اسم “دول الاعتدال العربي”.


 


يلفت النظر في الموقف “الإسرائيلي” الأخير من المبادرة العربية، أنها بدّلت اسمها، بحيث أصبح “المبادرة السعودية”، ولم يكن هذا التبديل سهوا أو خطأ في التعبير، لكنه يعبر تماماً عن المعنى الذي أشرنا إليه في مطلع هذا المقال.


 


ومع ذلك، فإن “إسرائيل” يومها (بزعامة شارون) سخرت من المبادرة، وقامت بسلسلة تصرفات سياسية وعسكرية لتقول للعرب: “أنتم تحلمون بتسوية، لا قدرة لكم على إنجازها، أما أنا فأفرض عملياً شروط التسوية كما تلائمني”.


 


لذلك، فعندما تعرب المصادر “الإسرائيلية” اليوم عن اهتمامها “بالمبادرة السعودية”، فإنها تعرف ماذا تقول بالتحديد، وتعني بالضبط “المبادرة العربية”، محذوفاً منها بند حق العودة للفلسطينيين.


 


ولأن “إسرائيل” مهتمة في النهاية بالقضاء على أي تمسك عربي واضح بحقوق واضحة، فإننا نسمع عن اهتمام آخر في الأوساط العليا لوزارة الخارجية “الإسرائيلية”، بدراسة إمكانية عقد معاهدة “عدم اعتداء” طويلة الأمد مع لبنان، تمهيداً للفصل النهائي والتام بين الملفات الثلاثة المتبقية في الصراع: اللبناني، والسوري، والفلسطيني.


 


في حين أننا إذا فتحنا ملف التسوية التاريخية العادلة والمتوازنة للصراع العربي- “الإسرائيلي”، فإن هذه التسوية تشترط أول ما تشترط، انه حتى لو أدت التطورات السياسية والعسكرية في الصراع، إلى أن تصبح فلسطين بكامل مساحتها التاريخية (بما في ذلك الضفة الغربية وغزة) تحمل اسم “إسرائيل”، فإن ذلك لا يجب ولا يجوز أن يحرم سكان فلسطين الأصليين الذين تقذف بهم الأحداث العسكرية المتلاحقة خارج تلك الحدود، من حق العودة إلى بلدهم الأصلي، مهما كان التحول الذي طرأ على اسمه. هكذا تنص المواثيق الدولية كلها، وهذا هو بالضبط مضمون القرار 194.


 


لكن التسوية التاريخية العادلة في واد، ومساعي “إسرائيل” في واد آخر.


 


لقد حققت “إسرائيل” حتى الآن أول أهدافها الكبيرة في تفكيك الإجماع العربي في المسيرة التاريخية للصراع العربي- “الإسرائيلي”، بقي لها تحقيق هدفين آخرين:


 


ضرب أو عزل أو تحييد ما تعتبره “إسرائيل” بؤر التشدد العربي في التمسك بالحقوق الأساسية، كاملة غير منقوصة.


 


إفراغ أي مشروع للتسوية من شبهة “الحقوق التاريخية” الأساسية لعرب فلسطين، والعصب الحساس والعمود الفقري في هذه الحقوق يبقى “حق العودة”.


 


لكن بين ما هو محق وعادل، وبين مسيرة الأحداث على أرض الواقع، بون شاسع، يصعب تخيل قدرتنا في وقت قريب على اجتيازه.


 


أقل ما يجب الآن، أن نعرف المصير الذي يمكن أن تأخذنا إليه أي خطوة ناقصة في تسوية مشوهة. إن أي طرف عربي أساسي في الصراع، إذا تنازل (باسم التسوية المزعومة) عن حق العودة للفلسطينيين، يكون سائراً في طريق استكمال المشروع الصهيوني الخاص بفلسطين، وليس في طريق التسوية التاريخية العادلة، للصراع العربي “الإسرائيلي”.


 


إن حق العودة (قبل أي حق آخر)، هو الحد الفاصل بين المشروع الصهيوني والتسوية التاريخية المحتملة.

مقالات ذات صلة