عين على العدو

الشهداء المشطّرون!

 


 


صارت الصفحات الأولى من الصحف العربية بحيرات من الدم العربي القاني… وحتى تلك التي تحاول طمس الدم بإخفائه في صفحاتها الداخلية سرعان ما يفاجئها بأنه قد فاض عن «المخابئ» ليستعيد مساحته الشرعية في صدرها..


صارت نشرات الأخبار على الفضائيات العربية معرضاً لوجوه الذين غادروا أهلهم بغير وداع، أو دُفنوا تحت ركام منازلهم، أو تناثرت أشلاؤهم في الفسحات الصغيرة التي كانوا يتخذون منها حدائق وتتعهدها أمهاتهم والزوجات لتلوّن ببعض الورد والحبق محنتهم التي بلون الدم.


… وحتى تلك الفضائيات التي فقدت هويتها فباتت تحاول تجاهل الشهداء، وقضيتهم بالأساس، لا تستطيع منع أطيافهم من احتلال شاشاتها التي باتت مخصصة الآن لرواية العدو. فالشهداء يقتحمون العدو، مرة أخرى.


صارت «المشكلة» أمام محرري الصفحات الأولى: لمن يعطون الأفضلية؟ وكان الحل باللجوء إلى أعداد الشهداء، فيوماً يتصدّر العراق، ويوماً تكون فلسطين… لكن ما العمل إذا تعاظم عدد شهداء اليوم في البلدين المنكوبين معاً؟!


الاحتلال الأميركي للعراق يمكِّن لوجوده فيه بدماء العراقيين الذين لا يجوز أن يستمروا أخوة في المواطنة حاضراً ومستقبلاً. إذاً لا بد من تقسيمهم بالدين، بالطائفة، بالمذهب، بالعرق، بالجهة، بالعشيرة إلخ..


والاحتلال الإسرائيلي يمكِّن لدوامه في أرض فلسطين بدماء الفلسطينيين الذين يستحيل تقسيمهم بالدين أو بالعرق، إذاً فلا مناص من استخدام الانتماء السياسي!


… وأسعار النفط إلى ارتفاع غير مسبوق، والمليارات أقوى تأثيراً من مشاعر الأخوة وموجبات التضامن. والدولار أميركي لا يقاوم، فمن ينحاز، إذاً، إلى الدم المراق؟


من الأفضل مع هذا الارتفاع الفاحش في الأرباح خفض عدد السكان! ما النفع من هذه الملايين البلا حصر لهؤلاء الذين ينسبون أنفسهم إلى العرب، لتكون لهم حصة في النفط؟! وللنفط أهل وأصحاب: كلما ارتفعت أسعاره تناقصت قيمة الدماء المراقة.. وصار المندوب السامي للاحتلال ضيفاً ملكياً معززاً، لا سيما وهو يأتي مصحوباً بالجنرال الخطير صاحب القرار في عدد القتلى!


لكن المأساة لا تنتهي فصولاً عند أعداد القتلى الذين يحسبهم أهلهم شهداء، ويعزون أنفسهم بالادعاء أن مثواهم الجنة..


فليس كل الشهداء شهداء!


الشهيد في العراق شطران، وربما أكثر.


والشهيد في فلسطين شطران، بالتأكيد..


لقد اغتيلت الوحدة حتى في الشهداء، بعدما اغتيلت في الأحياء:


شهيد غزة ليس بالضرورة شهيداً في رام الله،


وشهيد البصرة ليس بالضرورة شهيداً لتكريت،


وشهيد بعقوبة «لا يجوز» أن يكون شهيداً لكربلاء،


وشهيد الموصل ليس بالضرورة شهيداً في الحلة،


وشهيد بغداد لا يجد من يعترف به إلا بعدما يحدد مكان مقتله: فمن يسقط في الأعظمية غير من يسقط في الكاظمية، ومن يسقط في مدينة الصدر غير من يسقط في المدينة الخضراء..


المحتل واحد لكن الشهيد متعدد.


الوطن واحد، لكن شعبه لا يجوز أن يظل واحداً.


لتذهب حماس بغزة إلى الجحيم. تكفي «السلطة» هموم الضفة الغربية ومبادرة السلام العربية التي ترجمت في أنابوليس إلى العبرية فسقطت منها فلسطين لتصير «إسرائيل دولة لليهود».


إن لم تذهب حماس بغزة جاءها الجحيم إلى غزة ذاتها، وأكمل رئيس السلطة طريقه إلى واشنطن، وبعدها إلى لقاء ما بعد التهاني بالذكرى الستين لقيام إسرائيل المقرّر عقده تحت الرعاية الأميركية في تلك المدينة الهجين البديل من العاصمة المصرية: شرم الشيخ.


فالاحتلال يريد من الضحية أن تعترف به، وأن تسلِّم به قدراً، وأن تستسلم له حاضراً ومستقبلاً. إذا كابرت الضحية جاءها الاحتلال بالقادة العرب زرافات ووحداناً ليقنعوها بأن مصلحتها (ومصلحتهم) في الاستسلام: المقاومة إرهاب، اتركوها للقاعدة وللجهّال!


إن لم تنفع حكاية «القاعدة» ثمة سلاح المذهبية..


إن لم تنفع المذهبية فلا بد من اللجوء إلى السلاح الذي كان محرماً من قبل: العروبة… لا بأس من شيء من «العروبة»، فبعض السم يصلح دواء للأمراض المستعصية.


… وقديماً لم يمانع «رائد» الاستعمار البريطاني في نفاق أهل «الثورة العربية» باعتماد الكوفية والعقال لتمويه خداعه والأفكار الشيطانية التي كانت تدور في رأسه قبل أن ينقلها إلى أرض الواقع.


يكتب العرب نقيض تاريخهم بدمائهم.


إنهم يشطبون وجودهم، وقدرتهم على التأثير، وحقهم في القرار، بدمائهم التي باتت رخيصة جداً إذا ما قورنت بأسعار النفط.


لكأنما ما ينقص من دمائهم يزيد من قيمة نفطهم الذي ما كان لهم في يوم من الأيام، ولن يكون لهم في المقبل من الأيام.


إنهم يبيعون أوطانهم بنفطها، ويقنعون بحصة منه زهيدة، لزوم مصاريفهم في رحلتي الشتاء والصيف، وما بينهما من الإجازات الضرورية حتى لا يموتوا إرهاقاً.


لقد انتصر الاحتلال: ها هي فكرة المقاومة تتعرض للتشهير والتسخيف والافتراء المدمّر. فالمقاومة قد تصير تفضيلاً لاحتلال على احتلال، أو نصرة لطائفة على طائفة، أو إرهاباً دولياً، أو فتنة طائفية… بل إن البعض قد يحوّلها إلى اعتداء بل إلى غزو لأقطار عربية اشترت سلامها الإسرائيلي بالدماء الغزيرة لشهدائها الأبطال، وهي تدخره للمشاركة في إضاءة مشاعل الاحتفال بالذكرى الستين لإقامة إسرائيل بديلاً من «أوطان» العرب جميعاً.

مقالات ذات صلة