عين على العدو

وقفة

   الديمقراطية الأميركية شكل بلا مضمون، رؤساء يتعاقبون.. وحزبان كبيران لا ثالث لهما يتبادلان السلطة خلال منافسات انتخابية. لكن الشريحة الرأسمالية تبقى القوة المسيطرة على مؤسسات السلطة على نحو ذي طبيعة احتكارية، فماذا يمكن أن يقال في ضوء هذه الحقيقة عن مواطن أسود من أسرة مغمورة محدودة الدخل يفوز أولاً بترشيح أحد الحزبين الكبيرين ليكون ممثل الحزب في معركة الانتخابات الرئاسية، ثم يكتسح هذه الانتخابات ليصير ما بين غمضة عين وانتباهتها رئيساً للولايات المتحدة الأميركية؟


 


هل يمكن أن يكون الاستنباط الموضوعي هو أن طبيعة النظام الديمقراطي الأميركي قد تغيرت جذرياً.. بمعنى أن الاندفاع الشعبي العارم لجموع الطبقة الوسطى والطبقة العاملة عموماً مؤشر بزوال النفوذ الاحتكاري للمؤسسات الرأسمالية؟ على مدى عقود زمنية طويلة جماهير الطبقات الشعبية زاهدة في العملية الانتخابية، لإدراكها أنها سواء شاركت في عمليات الاقتراع أو لم تشارك فإن النتيجة محسومة سلفاً.


 


فالحزب «الجمهوري» هو الحزب «الديمقراطي».. كلاهما مسخر لخدمة كبرى الشركات العملاقة التي تتحكم تماماً في جهاز السلطة من مستوى الرئاسة العليا إلى مستوى حكام الولايات المتحدة عبوراً بعضوية الكونغرس. لذا كانت غالبية المواطنين تفضل الاسترخاء في البيوت عوضاً عن الذهاب إلى مراكز الاقتراع، لكن هذه المرة اختلف الأمر.


 


فقد اندفعت غالبية جموع المواطنين من الطبقات محدودة الدخل إلى صناديق الاقتراع بمعدل أكثر من 50 في المئة بالمقارنة مع الثلث فقط في السابق، وكما نعلم فإن هذه الاندفاعة الشعبية العارمة أسفرت عن انتصار المرشح الأسود ذي الأصل الطبقي المتواضع. هنا يتخذ التساؤل المطروح منحى آخر: من هم أولئك الذين يمثلهم باراك أوباما؟ هل هو حقاً يمثل تطلعات وآمال الفئات الشعبية محدودة الدخل؟


 


بصيغة أخرى نتساءل لمرة ثالثة: هل يعني انتصار أوباما هزيمة لقوى رأس المال النافذة؟ رغم المؤشرات الظاهرية الماثلة أمام العين فان من الصعب جداً الإجابة عن هذا التساؤل الأخير بالإيجاب، فنفوذ المؤسسات الرأسمالية العملاقة التي تتحكم في كافة مرافق ومجالات وقطاعات الحياة اليومية للمواطن الأميركي لا يمكن أن يزول بهذه البساطة عن طريق صناديق الاقتراع.


 


فالانتصار على هذا النفوذ الشامل لن يتحقق إلا عبر ثورة مسلحة منظمة. لقد ترافق التأييد الجماهيري الكاسح لأوباما مع غضبة شعبية شاملة بسبب تأثيرات وتداعيات «السونامي» الاقتصادي الذي اكتسح البلاد. فهل نستبعد أن القوى الرأسمالية أتت بأوباما من أجل امتصاص الغضبة؟

مقالات ذات صلة