عين على العدو

غزة تحت الحصار.. والتحريض أيضاً

ها هو مسلسل الابتزاز الإسرائيلي لقطاع غزة وحركة حماس يتواصل، وبالطبع عبر وقف إدخال البضائع من خلال المعابر التي يسيطر عليها الاحتلال، إلى جانب وقف أو تقنين شحنات الوقود على نحو أعاد القطاع إلى واقع ما قبل شهور عندما كان يغرق في الظلام بين حين وآخر.


 


يأتي ذلك من الطرف الإسرائيلي في سياق يتعلق في جانب منه بالرد على “الخروقات” الفلسطينية للتهدئة، بينما يتعلق الجانب الآخر بسياسة الابتزاز اليومي ومنع حماس من “التمتع” بسيطرتها على القطاع، فضلاً عن استثمار فترة التهدئة في سياق تحسين قوتها البشرية والتسليحية.


 


والحال أن كلا السببين لا يخلوان من صحة، فحماس ليست في وارد السكوت عن الجرائم الإسرائيلية، وهي معنية بتثبيت الوضع على حقيقته بوصفه تهدئة مررها الإسرائيليون وهم كارهون، لكنهم قدروا فيها مصلحة لهم في ظل البؤس السياسي الذي يعيشونه في الداخل، ومعه التطورات الإقليمية والدولية الجديدة، من دون أن يعني ذلك رغبة حماس في إنهائها في ظل الوضع الراهن: حتى لو لم يطبق الطرف الإسرائيلي كامل شروطها من حيث البضائع والمواد التي ينبغي دخولها للقطاع.


 


من جانب آخر، فإن حماس لن تنام في العسل وهي تعلم أن العدو يتربص بها الدوائر، ويتحين الفرصة لإنهاء “الوضع الشاذ” الذي يعيشه القطاع، وبالطبع كي ينضم إلى سلطة الأمن والمعونات القائمة في الضفة الغربية، والتي ترفع عنوان رفض الكفاح المسلح واستمرار المفاوضات بصرف النظر عن مداها الزمني ونتيجيتها الواقعية ما دام لقيادتها سلطة على الأرض تتلقى المليارات وتدير الاستثمارات ولها حكومتها ووزراؤها، فضلاً عن رئيسها الذي يجوب العالم شرقاً وغرباً بوصفه رئيس دولة، وليس قائد حركة تحرر.


 


حماس في ضوء ذلك تبدو معنية بتحسين قدراتها العسكرية تحسباً ليوم الاجتياح، أكان الجزئي، أم الشامل الذي يراه وزير الحرب الإسرائيلي (باراك) مسألة وقت، وهي ستبذل كل ما في وسعها لتثبيت القطاع كمنطقة شبه محررة، وعدم السماح للعدو بإعادة احتلالها من جديد، حتى لو علمت أن هدفه هو وضعها بعد ذلك بين يدي سلطة رام الله كجزء من الدولة المؤقتة القائمة، والتي يشرف دايتون (ما غيره) على تدريب عناصرها الأمنية.


 


يحدث ذلك كله فيما تتعرض حماس، ومعها القطاع الذي تسيطر عليه، لحملة تحريض سافرة يتولى كبرها قادة السلطة ممن يناشدون الدول العربية فرض العقوبات عليها، وبالضرورة على القطاع، وذلك حتى تأتي صاغرة إلى طاولة الحوار الذي لا هدف له غير ما ذكرنا من قبل، أي ضم القطاع إلى سلطة رام الله ونسخ ما ترتب على انتخابات 2006، ووضع الشعب الفلسطيني رهينة برنامج سياسي سبق أن جربه طوال سبع عجاف من دون نتيجة تحفظ ماء الوجه.


 


من يتابع أدبيات التحريض الطالعة من رام الله يدرك أن العدو بات واضحاً ومحسوماً في وعي الفريق الحاكم هناك، فالاعتقال والتعذيب هو من نصيب حماس، بينما للعدو أن ينعم بالأمن من دون تنغيص: حتى عندما يجد حاجة للدخول إلى هذه المنطقة أو تلك من أجل اعتقال من يشاء من الرجال الذين ما يزالون على إيمانهم بجدوى المقاومة في التحرير واستعادة الكرامة. أما ممارساته الأخرى من استيطان وخلافه، فبالإمكان التنديد بها في وسائل الإعلام وخلال اللقاءات الدبلوماسية.


 


لا يتوقف التحريض عند سلطة رام الله، بل يمتد ليشمل من يرعونها ويمدونها بالإسناد السياسي، وهنا يتبدى الموقف المصري الذي يقف في خندق المواجهة مع حماس حتى لو قدم نفسه بوصفه الوسيط الحريص على لمّ الشمل الفلسطيني. ومن هنا يشتد الحصار من الجانب المصري، وإن لم يغادر سياسة “طنجرة الضغط” التي يجري تنفيسها كلما اقترب الوضع من درجة الانفجار.


 


حماس في المقابل لا تملك غير الصبر والمصابرة ما دام البديل هو إعادتها إلى واقع ما قبل الانتخابات معطوفاً على ممارسات ثأر تراكمت مشاعره طوال عامين أو أكثر، إلى جانب إلقاء القضية برمتها في متاهة المفاوضات من جديد.

مقالات ذات صلة