عين على العدو

عام على أنابوليس ـــ أين الدولة الفلسطينية؟!

بينما صادفت أول من أمس ذكرى مرور 20 عاماً على إعلان المجلس الوطني الفلسطيني عن قيام دولة فلسطين، في دورته الخامسة عشرة التي عقدت في الخامس عشر من نوفمبر ــــ 1988 في الجزائر، كذلك تصادف الذكرى الأولى لمؤتمر انابوليس الذي حمل شعار«دولة فلسطينية حتى نهاية العام 2008».


 


ولذلك نتساءل ويتساءل الجميع في فلسطين والخارج: أين نحن اليوم عمليا من الدولة الفلسطينية بعد عشرين عاما على إعلانها رسميا، وبعد أن اعترفت أكثر من مائة دولة في العالم بالدولة الجديدة..؟!.


 


ثم أين الدولة الفلسطينية اليوم بعد عام كامل على انابوليس الذي احتشدت كل الإمكانات الاميركية والأوروبية والإسرائيلية والعربية وراء انعقاده وتعهداته بإقامة الدولة؟


 


كان بسام أبو شريف بدأ مسيرة التفاؤل الفلسطينية ـــ العربية إزاء مؤتمر انابوليس حين أعرب عن تفاؤله الشديد بـ«أن 2008 سيكون عام قيام الدولة المستقلة»، ليأتي الرئيس الفلسطيني محمود عباس ليعلن بدوره:«إن المؤتمر الدولي في انابوليس وضع القطار على السكة لقيام دولة فلسطينية مستقلة»، ثم ليأتي صائب عريقات «كبير المفاوضين» ليذهب ابعد من كل ذلك بإعلانه «أن مرحلة جديدة قد بدأت في التاريخ الفلسطيني بعد مؤتمر أنابوليس، حيث ان مفاوضات التسوية الدائمة ستبدأ بشكل متواصل ومن دون علاقة بأية شروط إسرائيلية مسبقة».


 


فما الذي جرى إذن منذ إعلان الدولة قبل عشرين عاما، وما الذي جرى منذ انابوليس حتى اليوم؟ وهل تقدمت الأوضاع على الأرض الفلسطينية يا ترى سنتمترا واحدا؟ وهل تم تفكيك مستعمرة أو نقطة استيطانية غير قانونية كما يزعمون؟ وأين أصبح حلم الدولة الفلسطينية التي وضع انابوليس قطارها على السكة؟ أم الذي حدث هو العكس تماما…؟ أي أن الاستيطان الصهيوني تضاعف عشرات المرات، والدولة الفلسطينية على ذلك أصبحت ابعد من كل التوقعات…؟


 


الدكتور مصطفى البرغوثي، وصف عام 2008 ب«أنه العام الأكثر استفحالاً في النشاطات الاستيطانية الصهيونية في الأراضي الفلسطينية منذ عشرة أعوام»، وأضاف «أن وتيرة التوسع الاستيطاني زادت منذ أنابوليس بمقدار عشرين ضعفاً مما كان عليه الحال قبل ذلك».


 


ولذلك لا عجب في أن يعلن الأمين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى من جهته أن عملية انابوليس للسلام انتهت ولا توجد لها أي نتيجة ولا توجد عملية سلام وهناك تدمير لكل فرص إقامة الدولة الفلسطينية من خلال عملية الاستيطان، وليس ذلك فحسب.


 


بل يذهب لاحقا إلى ابعد من ذلك بوصف جهود إقامة دولة فلسطينية بأنه مجرد وهم وسراب نظرا لعدم انجاز أي من ملفات القضية الأساسية، مؤكدا أن التغييرات الجغرافية والسكانية التي تجري في الأراضي الفلسطينية تجعل من الصعب إقامة دولة بالمعنى الحقيقي للكلمة، ومضيفاً بأن انتشار المستوطنات بالأرض الفلسطينية لم يبق مساحة لإقامة الدولة.


 


ولكن- وزيرة الخارجية الإسرائيلية تسيبي ليفني تصر على عبثية العملية محاولة تضليل الفلسطينيين بأن المفاوضات يجب أن تتواصل كما حُددت في أنابوليس، مضيفة «أن لا شيء متفق عليه إلى أن يتم الاتفاق حول كل شيء»، فيرد عليها وزير الشؤون الخارجية في السلطة الفلسطينية، رياض المالكي قائلا:«إن إسرائيل تخرق أنابوليس».


 


موضحا بأن إسرائيل لا تحترم تعهداتها التي قطعتها على نفسها في لقاء أنابوليس بإقامة دولة فلسطينية بنهاية عام 2008. ويفضح الكاتب الإسرائيلي المعروف عكيفا الدار الأكذوبة قائلا: «الوعود والتصريحات الإسرائيلية شيء وما يجري على ارض الواقع شيء آخر مختلف تماما».


 


ويعزز المحلل الإسرائيلي اليكس فيشمان بدوره «خلاصة الدار» متحدثا عن القانون الحديدي الخفي الذي يتحكم بالمفاوضات فيقول:« الأميركيون يبدأون في فهم القانون الحديدي الذي تجذر منذ أوسلو والسياسيون في الشرق الأوسط ملزمون بإجراء مفاوضات ولكن من المحظور عليهم الوصول الى الهدف، فالتفاوض يعني البقاء والحكم اما اتخاذ القرارات فيعني الموت السياسي، الوصفة الموثوقة لضمان حياة طويلة للسياسيين هي مفاوضات عقيمة».


 


وحسب معاريف فانه «إذا أردنا انتظار السلام الذي ستصنعه ليفني فإننا سنضطر إلى الانتظار لوقت طويل، وسيستغرق هذا الأمر مع الفلسطينيين قرابة نصف قرن».


 


كان اسحق شامير أعلن في حينه بأن المفاوضات قد تستمر عشر سنوات، وكان اسحق رابين تحدث عن«عدم وجود مواعيد مقدسة»، ونتنياهو قال«إذا أعطوا فانهم٠يأخذون، وإذا لم يعطوا فلن يأخذوا شيئا»، وما أعلنه باراك في عهده كرئيس للوزراء من انه لا يوجد شريك فلسطيني للسلام، وما أعلنه شارون:«من أن السلام مستحيل مع الفلسطينيين»، وما أعلنه اولمرت: من أن المفاوضات مع الفلسطينيين قد تستمر عشرين عاماً، وهكذا.، فهل هناك أوضح وابلغ من هكذا شهادات…؟!.


 


فكما قالت صحيفة هآرتس العبرية «حتى لو تحول الفلسطينيون إلى «فنلنديين» ولفظوا حركة حماس من بين صفوفهم فان أي حكومة إسرائيلية لن توقع للفلسطينيين على اتفاق سلام»، وأضافت«أن السلام مع الفلسطينيين يعني الانسحاب من الأراضي المحتلة بما فيها القدس إضافة إلى عودة اللاجئين الأمر الذي لا يمكن أن تقبل به أية حكومة إسرائيلية قادمة».


 


فالحقيقة الصارخة اليوم اذن وبعد عشرين عاما على الاستقلال «الإعلامي»، أن الفلسطينيين يعيشون واقعا يجعلهم أبعد من أي وقت مضى عن الاستقلال، إذ وصلت عملية المفاوضات السياسية إلى طريق مغلق، بينما يبتلع الاستيطان ما تبقى من الأرض، وتتعرض المدينة المقدسة إلى أخطر هجوم تهويدي.


 


بينما يعيش الفلسطينيون على المستوى الداخلي انقساما سياسيا وجغرافيا يوصف بأنه الأسوأ في تاريخهم، فكفى إذن لأكذوبة انابوليس، وكفى للمفاوضات العبثية التي لا تسفر عمليا إلا عن تكريس وتطبيع إسرائيل، كفى ل15 عاما من المفاوضات العبثية منذ التوقيع على أوسلو، وكفى للتعاطي العربي مع هذه الأكذوبة، ففلسطين على طريق الضياع الكامل، وهي تحتاج في مقدمة ما تحتاجه إلى صياغة جديدة للأجندات والأولويات والمسؤوليات الفلسطينية – العربية …!

مقالات ذات صلة