عين على العدو

أوباما في ميزان المقاومة

أمطرتنا وسائل الإعلام بالتصريحات والتحليلات التي تبشر بعهد الرئيس الأمريكي الجديد باراك أوباما والتغيير الذي سيأتي به أوباما، فيما أعلن فريق “أوسلو” عن فرحته بهذا الانتصار وأمله بأن يقدم لنا أوباما الدولة الفلسطينية الموعودة.


 


وقد يحمل أوباما بعض التغيير فيما يتعلق بالسياسة الداخلية، أو فيما يتعلق بالعلاقة مع إيران، لكن السؤال الذي نبحث عن إجابته هو مدى تأثير وجود أوباما في قمة الهرم السياسي الأمريكي على القضية الفلسطينية، وكيف يمكن أن تستفيد حركات المقاومة من التغيير الحاصل في واشنطن.


 


بداية يجب أن ندرك أنّ صناعة القرار في الولايات المتحدة ليست حكراً بيد الرئيس كما هو الحال في العديد من دول العالم الثالث، فهنالك مؤسسات عديدة تساهم في صنع القرار، والرئيس الأمريكي هو أحد هذه المؤسسات، قد يكون الأقوى تأثيراً بحكم منصبه لكنه لا يقرر وحده.


 


وإذا كان البعض يعتبر أن السياسة الأمريكية ثابتة وتقدم الدعم غير المحدود للكيان الصهيوني، فهذا طرح غير دقيق، حيث أنه يمكن التأثير على هذه السياسة بالرغم من الصعوبات الناجمة عن عمق ومتانة العلاقة بين الكيان والولايات المتحدة، ونلخص أسباب هذه العلاقة المميزة بالآتي:


 


1-  الخلفية الدينية والثقافية: فلا شك أن كل من: نشأة الولايات المتحدة التي تماثل نشأة الكيان الصهيوني، والعقيدة الإنجيلية البروتستانتية تلعبان دوراً في حشد الدعم الكبير للكيان الصهيوني، وتهيأة المناخ الشعبي والسياسي في أمريكا المتفهم لهذا الدعم.


 


2- المصالح الإستراتيجية في الشرق الأوسط: نكتشف عند دراستنا للتاريخ أنه عند نشوء الكيان لم تكن علاقته بهذه القوة والمتانة مع أمريكا، حيث حرصت أمريكا على إبداء نوع من التوازن في علاقاتها مع كل من العرب والصهاينة، فقد كان هنالك شكوك لدى بعض القادة الأمريكان بشأن قدرة الكيان الصهيوني على الاستمرار فأرادوا أن يحفظوا لأنفسهم خط الرجعة ؛ فعلى سبيل المثال عارض وزير الخارجية جورج مارشال بشدة الاعتراف بما تسمى دولة إسرائيل عند قيامها عام 1948م لأنه لم يرد توتير علاقات بلاده مع العرب بسبب الاعتراف بدولة يشك بقدرتها على الحياة.


 


وجاء التحول الهام في العلاقة بين الكيان وأمريكا إثر حرب حزيران عام 1967م عندما أثبت الكيان أنه قادر على لعب دور الذراع الضاربة للولايات المتحدة في المنطقة، وأنه قادر على ردع أعداء أمريكا وحلفاء الاتحاد السوفياتي، ومنذ ذلك الوقت والكيان الصهيوني يلعب أدواراً أمنية مختلفة لصالح الولايات المتحدة وخدمة لمصالحها.


 


3- سوء الأداء العربي: كما ذكرنا في النقطة السابقة أن الولايات المتحدة حرصت في البداية على إظهار نوع من التوازن في علاقتها بين كل من العرب والصهاينة، إلا أنها سرعان ما اكتشفت أن الأنظمة العربية التي تدور في فلكها لا تمارس عليها ضغوطاً حقيقية فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية.


 


وبدلاً من أن يكون انهيار الاتحاد السوفياتي سبباً لضعف مكانة الكيان الصهيوني لدى أمريكا أصبحت الدول العربية تتهافت لتوطيد علاقتها بالكيان الصهيوني باعتباره البوابة إلى الرضا الأمريكي. ومع أن الكيان الصهيوني كان عبئاً على أمريكا في أكثر من مناسبة (وخاصة خلال انتفاضة الأقصى وحرب العراق و”الحرب على الإرهاب”) إلا أن وجود قادة عرب مستعدين للاعتراف بالكيان الصهيوني ، بل ويعملون جاهدين لإقناع أمريكا أن الذين يريدون “تدمير إسرائيل” هم قلة وأن “الغالبية تريد السلام”، يدفع بالولايات المتحدة إلى التشبث بسياستها الداعمة للكيان. فما دامت الأنظمة العربية لا تعاديها بسبب هذه السياسة بل تقابلها بمزيد من الولاء والتبعية، فلماذا تتوقف عن الانحياز غير المشروط إلى جانب الصهاينة؟


 


4-  اللوبي الصهيوني: يلعب اللوبي الصهيوني دوراً في توطيد الصلة بين الكيان والولايات المتحدة، وتحويلها من مجرد زواج مصلحة إلى عقيدة راسخة في السياسة الأمريكية، لكن المهم لنا أن نفهم أن اللوبي الصهيوني لم يكن ليصل إلى هذه القوة لولا الدعائم الثلاث التي تكلمنا عنها: التاريخ والعقيدة الدينية، والمصالح المشتركة، والضعف العربي.


 


ما هو الفرق بين بوش وأوباما:


 


ما تكلمنا عنه حتى الآن هو الثوابت في السياسة الأمريكية التي لا تخضع لبرنامج الأشخاص الذين يتتابعون على الحكم في البيت الأبيض، لكن هنالك هامشا لكل رئيس وسياسات خاصة به وحرية عمل (ما دام لا يخرق الثوابت طبعاً).


 


ويعتبر بوش الرئيس الأكثر تأييداً للكيان الصهيوني، وفي عهده حصل تصعيد ضد حركة حماس وقوى المقاومة بشكل عام، وتمتع بدعم التيار الإنجيلي كما كان أغلب أركان إدارته من المحافظين الجدد، وإذا علمنا أن المحافظين الجدد والتيار الإنجيلي يعتبران دعم الكيان الصهيوني بشكل غير محدود عقيدة غير قابلة للنقاش، فيمكننا عندها فهم سبب الدعم السخي الذي قدمه بوش للكيان الصهيوني خلال فترة حكمه، والذي وصل عند لحظة معينة إلى أن يكون مستعداً لقصف إيران كي يمنعها من امتلاك قنبلة نووية تهدد وجود الكيان.


 


في المقابل ينتمي أوباما ومستشاروه إلى تيارات سياسية أكثر واقعية وأقل عقائدية، لكن هذا لا يعني أنهم سيخففون من انحيازهم تجاه إسرائيل، فما دام هنالك من القادة العرب والفلسطينيين من يتنافس في تقديم التنازلات الانبطاحية، وما دام هنالك أشخاص مثل محمود عباس الذي يقول أنه يتفهم تخوف الكيان من عودة اللاجئين، ومثل سلام فياض الذي قال لمراسل هآرتس أنه يؤيد الإبقاء على حواجز الاحتلال التي تخدم أمن الاحتلال (فقط يريد إزالة الحواجز التي لا تخدم أمن الاحتلال)، وما دام هنالك قادة عرب يعتبرون أن الطريق إلى رضا البيت الأبيض يمر عبر إسرائيل وعبر اللوبي الصهيوني فلن نشاهد تغيراً جوهرياً في السياسة الأمريكية.


 


ولنقارن على سبيل المثال الموقف تجاه حركة حماس بين إدارتي كلينتون وبوش: في عهد كلينتون وبالرغم من اعتبار حركة حماس تنظيماً إرهابياً إلا أنه كان هنالك نواب في الكونغرس يدعون إلى التعامل مع حماس بحكم أن ليست كل نشاطاتها “إرهاباً” وأن لها عملاً إيجابياً يتمثل في جمعياتها الخيرية ونشاطها الاجتماعي، أما في عهد بوش فقد انقلبت الصورة تماماً إذ أصبح المستهدف هو جمعيات حماس ونشاطها الاجتماعي وأصبحت الحركة كلها مستهدفة (بعد أن كان المستهدف فقط جناحها العسكري)، ووضعت ادارة بوش القيود المالية بشكل غير مسبوق لخنق الحكومة في غزة، ومنع أي بنك من إدخال أي مبلغ مهما كان بسيطاً إلى قطاع غزة أو الضفة الغربية بدون إشراف وتدقيق شديدين.


 


يمكن أن تستفيد حركات المقاومة من وجود إدارة أكثر واقعية وأقل عقائدية في سبيل الاعتراف بوجودها كأمر واقع، وذلك في حال أنها صمدت وأثبتت أنها خصم قوي وعنيد، وأشدد هنا على أهمية القوة، فما دام هنالك من يزين للإدارة الأمريكية بأنه يمكن القضاء على حماس، وأنها لا تمثل إلا أقلية وأن فوزها بالانتخابات لم يكن إلا صدفة وغير ذلك من الكلام، فستواصل الإدارة الأمريكية سياسة محاربة الحركة والمقاومة بشكل عام.


 


كما ستختلف طريقة محاربة الإدارة الأمريكية في عهد أوباما لحركة حماس ولقوى الممانعة بشكل عام في أنها ستتبع نهجاً أقل فظاظة مفضلة ترك حلفائها في المنطقة يتولون المواجهة، كما يتوقع بأن تحرضهم من وراء الكواليس على تصعيد وإثارة النعرات القومية والمذهبية ضد إيران لإضعاف تماسك محور الممانعة، فإن نجحوا بمهمتهم هذه تكون أمريكا استراحت من حماس وغيرها من قوى الممانعة، وإن فشلت تكون أمريكا حفظت لنفسها خط الرجعة لأنها ظاهرياً لم تكن تدعم هذا الطرف أو ذاك.


 


كيف يمكن الاستفادة من العهد الجديد:


 


كان من الصعب تصور حدوث أي تغير في ظل سياسة بوش الذي كان يعتبر حماس عدوه الأول، وكان يضغط سراً وعلناً على حلفائه العرب لمحاربة الحركة وكل قوى الممانعة، أما في عهد أوباما فيمكن القيام بالخطوات الآتية للاستفادة من التغيير الحاصل:


 


1-  الصمود والثبات وتحقيق الإنجازات على أرض الواقع ، لأن ضعف حماس وفصائل المقاومة يعني وضعها أمام خيارين إما الاستسلام والانخراط في المشروع الأمريكي، أو استمرار الهجمة ضدها بتوجيه أمريكي، وعلينا أن ندرك أنه كلما بدت علامات ضعف على حركة حماس كلما تشجع حلفاء أمريكا وصعدوا من عدوانهم، وكلما ظهرت علامات قوة كلما اقتربنا من اللحظة التي تنهار فيها سياسة الحصار والإقصاء.


 


2-   تصعيد الحملات الشعبية والإعلامية على المستوى الفلسطيني والعربي التي تؤكد على الثوابت الوطنية وتحديداً حق العودة والقدس ووقف العدوان الصهيوني، وذلك من أجل خلق مناخ عام عربي قوي يثبت لأمريكا كذب ما يروجه لها حلفاؤها بأن شعوب المنطقة ليسوا ضد “إسرائيل”، وأنه يمكن تمرير اتفاقيات التسوية بسهولة على الشعب الفلسطيني والأمة الإسلامية وغير ذلك من الأضاليل.


 


3- يجب العمل على المدى الطويل من أجل تغيير ثوابت السياسة الأمريكية ، وهذا ممكن من خلال العمل على عدة محاور: تحويل الكيان الصهيوني إلى عبء حقيقي على أمريكا، وهذا لا يتحقق إلا بتصعيد العمل المقاوم وتوالي الانتصارات على هذا الكيان. المحور الثاني الضغط على الأنظمة العربية (خاصة ما تسمى أنظمة الاعتدال) لكي تتبنى مواقف أكثر حزماً فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، وهذا لا يحصل إلا من خلال عمل شعبي وضغط سياسي متواصل وطويل النفس. والمحور الثالث هو العمل الإعلامي المتواصل في الغرب الذي يشرح عدالة القضية الفلسطينية وينفي صفة الإرهاب عن عمل المقاومة.


 


نستطيع القول إن إدارة أوباما ستكون أقل عدوانية وأكثر واقعية ومرونة من إدارة بوش، لكن ما سيحسم الموقف هو الوضع على الأرض وفي الميدان هنا في فلسطين وفي المحيط العربي والإسلامي، فالرهان يجب أن يكون على موقف مقاوم صلب ومتين يجبر الإدارة الأمريكية على قبول الأمر الواقع، وبدون ذلك فلن يتغير شيء.

مقالات ذات صلة