عين على العدو

لماذا الآن؟

يطرح توقيت تصعيد العدوان “الإسرائيلي” في قطاع غزة مجموعة من التساؤلات حول الغاية والأهداف، لا سيما أنه يأتي متزامناً مع تأجيل أو إلغاء الحوار الفلسطيني، والذي يفتح المشهد في قطاع غزة والضفة الغربية على مجموعة من الاحتمالات التصعيدية، التي تنبئ بأن أياماً عصيبة في طريقها إلى الساحة الفلسطينية.


 


التصعيد في قطاع غزة قد يكون أحد تجليات الأيام العصيبة. فرغم الإعلانات “الإسرائيلية” المتكررة عن الالتزام بالتهدئة، التي تنتهي أساساً الشهر المقبل، فإن اعتداءات قوات الاحتلال لم تتوقف بذرائع مختلفة، ما يؤشّر إلى أن التهدئة في طريقها إلى الانتهاء، إن لم تكن انتهت فعلياً. والسؤال حول الأسباب التصعيدية يقود إلى معطيين أساسيين ضمن مجموعة مسببات تنذر بخطر مقبل على الأراضي الفلسطينية عموماً، وعلى قطاع غزة خصوصاً.


 


أولاً، لا يمكن فصل التصعيد “الإسرائيلي” عن تحضيرات الأحزاب “الإسرائيلية” للانتخابات العامة المقررة في فبراير/شباط المقبل. وفي ظل التراجع غير المسبوق لحزب “العمل” بزعامة وزير الحرب، إيهود باراك، إذ كان لا بد للأخير من استعراض قوة لإعادة تعزيز وضعه بصفته “السيد أمن”. وهي صفة افتقدها “الإسرائيليون” خلال عدوان يوليو/تموز على لبنان في العام 2006، حين فشل إيهود أولمرت وشريكه عامير بيرتس، والاثنان من خلفية غير عسكرية، في تحقيق أي من أهداف عدوانهما، الذي تحوّل إخفاقاً “إسرائيليّاً” غير مسبوق، وأسقط معه كبار قيادات الكيان العسكرية والسياسيّة.


 


باراك كان بمنأى عن تداعيات عدوان يوليو/تموز، الذي ربما شكل باب عودة لباراك العسكري إلى الساحة السياسية. واليوم مع اقتراب الانتخابات، وفي ضوء تدهور وضع “العمل” في استطلاعات الرأي، لا بد من رافعة للحزب وزعيمه في ظل تنامي قوة اليمين في الكيان. رافعة باراك عسكرية، ولا بأس من أن تكون في الجبهة الأضعف في قطاع غزة. جبهة لا تكلف كثيراً ولا تهدّد بحرب واسعة في ظل حرص الطرفين (“إسرائيل” وحماس) على استمرار التهدئة، ما يعني أنه من الممكن وقف الغارات “الإسرائيلية” وإطلاق الصواريخ الفلسطينية في أي لحظة.


 


ثانياً، التصعيد “الإسرائيلي” لا يمكن أن يكون معزولاً عن تعمّق الانقسام الفلسطيني وتداعياته الأساسية على قطاع غزة. فالأخطر من التصعيد العسكري في القطاع قد يكون إغلاق المعابر ومنع الوقود والمواد الغذائية عن الغزاويين، في ما يمكن اعتباره إحياء لمشروع بدأ بعد الحسم العسكري في غزة في يوليو/حزيران 2007، حين كان التعويل على الضغط على “حماس” شعبيّاً عبر سياسة تجويع وتعتيم.


 


مشروع يرفده اليوم الإغلاق المستمر، والذي يبدو طويل الأمد، لمعبر رفح من جانب مصر. إغلاق يأتي في ظل أسوأ مرحلة من العلاقات تمر بها العلاقات بين “حماس” والقاهرة بعد مقاطعة الحركة لمؤتمر الحوار الفلسطيني، والذي تضعه مصر في خانة إفشال جهودها واستعادتها للملف الفلسطيني “خدمة لأهداف إقليمية”، كما قال الرئيس محمود عباس خلال مهرجان ذكرى الزعيم الراحل ياسر عرفات في رام الله.


 


بناء عليه، فالتصعيد قد يكون مرحليّاً، لكنه طويل الأمد، على الأقل إلى موعد الانتخابات “الإسرائيلية”. غير أن تداعياته قد لا تقف عند حدود قطاع غزة في ظل اعتقالات الأجهزة الأمنية لعناصر “حماس” في الضفة الغربية، التي قد تكون قريباً ساحة لاحتراب داخلي ومواجهة مع الاحتلال.

مقالات ذات صلة