عين على العدو

الفساد في “إسرائيل”

جرت العادة أن تُكتب التقارير وتُنشر المقالات عن الفساد في البلدان العربية والإسلامية، بحيث أصبح الأمر سمة ملازمة لبلداننا ولبلدان العالم الثالث عموماً. من الفساد السياسي إلى الرشوة إلى المحسوبيات إلى قضايا أخرى كثيرة لا يمكن إخفاؤها أو نفي وجودها. حتى ربط البعض بين هذا الفساد وبين خسارة الحروب التي خاضها العرب وبين الهزائم العسكرية التي لحقت بهم في تاريخهم المعاصر. أو بين التخلص من الفساد وتحقق مشروع النهوض العربي.. أما الحديث عن فساد في “إسرائيل” الدولة القوية والمشروع الاستيطاني والقاعدة الاستعمارية في المنطقة التي تعتبر نفسها جزءاً من حضارة أوروبا ومن ثقافتها، فهو من الأمور المستغربة، لأن هذه الدولة لم يعرف عنها أو عن مؤسساتها وشخصياتها تلك التهمة المشينة. فهي دولة محاربة وجيشها متأهب للقتال، ولديها معركة مفتوحة من أجل البقاء والوجود.


 


لكن ما يجري في الداخل الإسرائيلي منذ سنوات يكشف عن أن تهمة الفساد لم تعد خاصة بالدول العربية أو الإسلامية أو العالم الثالث. فقد تسللت هي الأخرى إلى الشخصيات الإسرائيلية وإلى المؤسسات السياسية والعسكرية بحيث بات الخبراء ورجال القانون في “إسرائيل” يتحدثون عن المخاوف والمخاطر على الدولة التي باتت أقرب إلى العالم الثالث منها إلى النموذج الغربي الذي تباهت به الدولة العبرية طويلاً على محيطها العربي والإسلامي.


 


يقول مراقب الدولة في “إسرائيل” ميخائيل لندنشتراوس: «لا يوجد أهم من مكافحة الفساد الذي يهدد بتفكيك المجتمع الإسرائيلي، والذي أصبح بنظر المجتمع الدولي مجتمعاً فاسداً، بل تحولت “إسرائيل” لتكون من الدول الرائدة في احتضان الفساد العالمي.. وإن خطر الفساد السياسي المستشري في “إسرائيل” يفوق خطر الانتفاضة على المجتمع الإسرائيلي».


 


فتحت محاكمة رئيس الوزراء إيهود أولمرت بتهم الفساد والتقصير في الحرب التي خاضها على لبنان في صيف 2006 وفشله فيها الأبواب على ملاحقة مظاهر الفساد الأخرى في المجتمع الإسرائيلي والكتابة عنها في وسائل الإعلام المختلفة. هكذا بات في استطاعتنا أن نقرأ في الكتاب الذي أصدره مركز الزيتونة في بيروت عن الفساد في “إسرائيل” «أن هذا الفساد أصبح منظماً»، ومحيطاً برئيس الوزراء إيهود أولمرت وعدد من أركان حكومته ومساعديه، ومنتشراً بين أعضاء الكنيست والموظفين الكبار.


 


وقد سبق لرئيس الكنيست السابق إبراهام بورغ أن أعلن ذلك صراحة: «أن إسرائيل غدت دولة من المستوطنين الذين تقودهم زمرة من الفاسدين». ويتحدث الكاتب والخبير القانوني الإسرائيلي موشيه هنغبي عن الانزلاق «من دولة قانون إلى جمهورية موز». وهذا بالنسبة إليه فشل ذريع لمنظومة أجهزة سيادة القانون الإسرائيلية في حماية الديمقراطية من الذين يحاولون تدميرها وتقويضها من الداخل. ويقول في مقدمة كتابه «عصابات الإجرام المنظم تزرع العنف في شوارع “إسرائيل”، وأذرعها تتغلغل في سلطات النظام الحاكم وتهدد بالمس بالديمقراطية من الداخل: قتلة، مغتصبون، أزواج عنيفون، وتجار نساء يتجولون بيننا طلقاء بسبب تساهل المحاكم. ومواطنون عاديون يذوقون مر العذاب في غياهب السجون والمعتقلات دونما ذنب اقترفوه، بينما يواصل مسؤولون كبار، استغلوا مناصبهم لتحسين وضعيتهم ووضعية المقربين منهم، لهاثهم نحو القمة من دون حسيب أو رقيب. القضاء العسكري يمنح حصانة للقادة الذين أهدروا بإهمالهم الإجرامي حياة جنودهم أو استغلوا مجنداتهم جنسياً».


 


نظراً لخطورة هذه القضية تناولتها أعمال مؤتمر هرتسيليا السابع عام 2007 من خلال الإشارة إلى «اتساع زعزعة ثقة المواطن الإسرائيلي بالمؤسسة الحاكمة بعد إخفاقات الحكومة في تعاملها مع المشاكل الداخلية، فضلاً عن تعاملها مع الملفين الفلسطيني واللبناني طوال العام 2006». ويشير تقرير المؤتمر إلى أن 87% من الإسرائيليين يرون أن الدولة فاسدة، وأن مستوى الفساد في الحكم عال جداً. وأن الصراخ يتعالى وبألم ظاهر «نحن نتدهور ونقترب في كل شيء من العالم الثالث».


 


لم تسلم المؤسسة العسكرية أيضاً من الفساد فهناك ضباط يرتشون لإعفاء جنود من الخدمة العسكرية عن طريق شهادات طبية مزورة. كما أن سرقة جنود لأسلحة زملائهم، ومن مستودعات الجيش، وبيعها للفلسطينيين أصبحت ظاهرة مألوفة، وبعضهم يبادل بندقيته بالمخدرات التي تفشت في صفوف الجيش.


 


وعلى المستوى السياسي هناك ملفات مفتوحة ضد رئيس الوزراء إيهود أولمرت، كما فتحت ملفات قبله ضد رئيسي الوزراء السابقين إيهود باراك وآرييل شارون الذي فتحت ضده أربع ملفات فساد كبرى تتعلق بخرق قانون التمويل الحزبي في الانتخابات ومنح المقربين منه امتيازات غير عادية تقدر قيمتها بعشرات ملايين الدولارات. كما اضطر وزير المالية السابق إبراهام هيرشنرون إلى الاستقالة بسبب اتهامات بالسرقة. وهناك تحقيقات في الشرطة طالت 13 نائباً في الكنيست، فضلاً عن اتهام رئيس الدولة السابق موشيه كاتساف بالتحرش الجنسي.. وكذلك اتهام حاييم رامون نائب رئيس الوزراء إيهود أولمرت بالتهمة نفسها. إلى ملفات فتحت ضد موظفين كبار في الحكومة وضد رؤساء بلديات وغيرهم.. أما دان حالوتس قائد الأركان في الجيش الإسرائيلي فقد انهمك ببيع أسهمه المالية بعد ساعتين من اختطاف الجنديين الإسرائيليين من لبنان عام 2006 تحسباً لانهيار البورصة بفعل الحرب. الأمر الذي اعتبر «عيباً أخلاقياً»، ولا مبالاة من القائد العسكري الأول، واستخداماً للأسرار الحربية كمصدر للربح المالي الذاتي.


 


لم يعد بوسع “إسرائيل” التباهي على جيرانها. لكن ما هو أهم من ذلك أن هذا التدهور الأخلاقي لا ينفصل على الإطلاق عن التدهور في مكانة “إسرائيل” العسكرية. ومثل هذه الشكاوى من الفساد لا يمكن على الإطلاق أن تحدث في ظل تحقيق الانتصارات. ما يعني أن “إسرائيل” أيضاً تتغير ولم تعد كما كانت في السابق تلك القوة التي يفترض أن يُحتذى بها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى