عين على العدو

تجوع غزة ولا تأكل بثدييها!

زارت إحدى الصحفيات غزة قبل أيام وشاهدتها على إحدى الشاشات العربية تقول بأنها فوجئت بأن الناس يمشون في الشوارع ويجلسون في المقاهي، ويأكلون ويشربون، ووصفت الصبايا والشباب بنظاراتهم الشمسية الواسعة وهم يمرحون..


 


فانتهت إلى أغرب تقرير يمكن اختصاره بعبارة واحدة هي أن الناس في غزة سعداء..


 


ويبدو أن السعادة كما الشقاء أصبحا بحاجة إلى إعادة تعريف، خصوصاً إذا رأينا الناس يضحكون من فرط البكاء أو يبكون من شدة الضحك على طريقة شر البلية..


 


وقد تذكرت على الفور ما كتبه سارتر في أربعينيات القرن الماضي عن جمهورية الصّمت، وهو الاسم الذي أطلقه على فرنسا في زمن الاحتلال، قال.. إن الأمريكيين عندما وصلوا إلى باريس أصيبوا بصدمة، لأنهم توقعوا أن يروا الفرنسيين عراة وحفاة على مداخل الملاجئ، وثيابهم رثة وأسمال، ويتسولون من أي غريب يطأ أرصفة بلادهم.. لكن الأمريكيين رأوا بائع الكتب الفرنسي على ضفة نهر السّين ينادي بعناوين الكتب التي صنعت ثورة فرنسا وحريتها.. جان جاك روسو، فولتير، مونتسكيو، أراغون وبقية السّلالة الخالدة، ويضيف سارتر إن الأمريكيين الذين وصلوا إلى باريس لنصرتها ضد الاحتلال النازي أصيبوا بخيبة أمل، وكأنهم أرادوا لهذا الشعب أن يتحول بعد أربع سنوات من الاحتلال إلى ركام آدمي.


 


شاهد الأمريكيون المثقفين الفرنسيين يجلسون في المقاهي ويرتدون سترات جلدية أنيقة ويدخنون السجائر والغليون والسيجار فلم يطيقوا المشهد، لأنهم رسموا لمن جاؤوا يغيثونه صورة متسول فاقد الحول والقوة.


 


ولكي تصبح غزة نموذجية في نظر زائرتها يجب أن ترى آلاف الأطفال يقفون في طابور طويل بانتظار طبشورة أو دفتر مدرسي أو علبة زيت أو رغيف، ويجب أن ترى نساء غزة يقعين على الأرصفة وعلى أبواب البيوت وقد مددن أيديهن للمارة، سواء كانوا من أهل البلاد الموسرين رغم ندرة اليسر في زمن العسر أو من الصحفية الزائرة، ودرءاً لأي التباس «أقول بأن هذه المقالة ليست مديحاً للحصار أو الجوع أو القتل والتشريد، إنها مديح للصمود رغم كل هذه المحاصيل من الشقاء التي يفرزها الاحتلال.


 


تجوع غزة ولا تأكل بثدييها، ومن قبل هذا الحصار جاع الفلسطينيون ولم يئدوا أطفالهم خشية من إملاق، بل علموهم في أهم أكاديميات هذا العالم وكان منهم إدوارد سعيد وإبراهيم أبولغد وغسان كنفاني وهشام شرابي وآلاف يصعب حصرهم.


 


لقد قالها الشاعر الباقي محمود درويش عندما شاهد المدن الكبيرة تعبس وتتجهم إذا ابتسم المخيم.


 


فالمخيم محظور عليه الابتسام، وقد خلق بكل ما فيه ومن فيه ليتحول إلى صورة فوتوغرافية في حقيبة سائح أو إلى صرّة من الأسمال على ظهر امرأة عجوز.


 


طوبى لشعب يدفن موتاه وينهض كي يزرع ويربي فالضارة أحياناً نافعة والعقبة الكأداء رافعة.

مقالات ذات صلة