الأمن المجتمعي

أولويـات التـربيــة والضرورة الأمنية

 


    قد يظن البعض انه لا يمكن اقتران  العملية التربوية بالأمن لكن الحقيقية  تفيد أن الأمن المجتمعي يبدأ بالأمن التربوي وهي التربية الصحيحة والتنشئة السليمة داخل الأسرة المحافظة لذا  يبذل كثير من الآباء جهوداً كبيرة من أجل أولادهم طامعين في الحصول على أبناء صالحين يرفعون رأسه  في المجتمع ، ولكنها أي الجهود تجدها  مبعثرة وغير مدروسـة ، حتى أن بعض هذه الجهود تكون سبباً في ضياع الأولاد وشقائهم في الدنيا والآخرة ، وتصبح الأسرة مصدر خطر يتهدد المجتمع كالأب الذي يشتري لأسـرته ( الدش ) الهوائي اللاقط للفضائيات ، دون أن يقيد هذا اللاقط ، ويبرمجه بحيث يدخل المحطات النافعـة الإخبارية والتعليمية ، ولا يسمح للمحطات الهابطة التي تبث الرذيلة ، فيحذفها عند برمجة الهوائي ، هذه المحطات التي تبث خصيصاً للعالم الإسلامي  ، كي تفسـد أجيالـه الصاعدة ، مثل هذا الأب يشقى ليجمع ثمن (الدش) والتلفاز ، ثم يشتريه لأسـرته ظناً منه أنه ينفعهم  في حين أدخل السـم الزعاف إلى بيتـه .


وبعض الآباء يدفع الرسوم الباهظة ليدخل ابنه أو ابنته في مدارس المنصرين ، منخدعاً بضرورة تفوق الولد أو البنت في الرياضيات واللغات الأجنبية أو الفيزياء ، فيستطيع عندئذ إلحاقه بكلية الطب أو الهندسـة وما شابهها ، فهذا ألأب دفع للمنصرين أجوراً مرتفعـة جداً لتنصير ولده ، أو تشـويه مفهومـه عن الإسـلام مدى حياته وصبغه بالعلمانية ، ووقوفه في صف أعـداء المسلمين .


لذا كان من الضروري للأب المسلم أن يعي الأهم والمهم في التربية ليعيش حياة آمنة بعيداً عن التشوه والانحراف الفكري ، فيبدأ بالأهم ثم المهم من منظور إسلامي ، وهذا عرض سريع لأنواع ومراحل التربية :


 


1ـ التربيـة الروحيـة :


الإنسان روح ثم جسد ، والروح أهم من الجسد ، وهي محل العقيدة والقيم وكل ما يميز الإنسان عن غيره من الكائنات . وقد ميزه الله بها ليجعله خليفة في الأرض ، وقد خصـه عزوجل بها دون غيره فقال : ] فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين [ ـ الحجر 29 ـ ولهذا أمر الملائكة بالسجود له وفضله على سائر العالمين . ( والطاقة الروحية في الإنسان أكبر طاقاته ، وأشدها اتصالاً بحقائق الوجود ، فطاقة الجسد محدودة بالحواس ، وطاقة العقل محدودة أيضاً بالزمان والمكان ، أما طاقة الروح فلا تعرف الحدود والقيود ، وهي وحدها تملك الاتصال بالله ) .


وطريقة الإسلام في تربية الروح هي أن يعقد صلة دائمة بينها وبين الله عزوجل في كل لحظة ، وكل عمل ، والعبادة هي الوسيلة الفعالة لتربية الروح ، لأنها تعقد الصلة الدائمة بالله سبحانه وتعالى ، وكلما توجهت الروح إلى ربها وخالقها نمـت وترعرعت وسكنتا وهدأت وأصبحت مصدر أمن  ، وإذا انحرفت عنه ذبلت وضعفت واصبحت خطر ليس للمجتمع حاجة فيه لآثاره التدميرية .


وتبدأ التربية الروحية قبل الولادة ، وفي المهد ، وتزداد أهميتها في الطفولة المبكرة ، ومن وسائلها : الدعـاء للمولود قبل الولادة ، وإتباع السنة عند الولادة ، ثم القدوة الحسنة من الوالدين خلال الطفولة المبكرة ؛ حيث يراهما يصليان ، ويسمعهما يتلوان القرآن الكريم كل يوم ، ويسمع أذكارهما ، ويحس بصلاتهما في الليل ، ثم أمره بالصلاة والصوم في السابعة ، ومتابعته حتى يعتادهما.


 


2 ـ التربيـة الخلقيـة :   


تستند الأخلاق الحسنة إلى الإيمان بالله واليوم الآخر ، والجنة والنار ، وبدون ذلك تضيع الفوارق بين الخير ولشـر ، لذا لا يمكن الفصل بيت التربية الروحية والتربية الخلقية ، وأي وسيلة في أحدهما تخدم الطرف الآخر .


 ومن وسائل التربية الخلقية :


§    حنان الوالدين وخاصة ألأم على الطفل في مرحلة المهـد ، ينمـي لـديه عاطفة الحـب وهي أسا س الأخلاق الحسـنة . وعدم تركـه للخادمة والمربية إن كان والداه موظفين التي قد يشعر الطفل أنها لا تحبـه وإنما تقوم بواجبها مكرهة ؛ عندئذ تنشأ لديه عاطفة الكراهية بدلاً من عاطفة الحـب ، وعاطفة الكراهية أساس الأخلاق الشريرة . وتنميـة ( الضبط ) عند الرضيع مقدمـة لتنمية الصبر عنده ، والصبر أسا س الأخلاق الفاضلة والصبر صفة ايجابية تحقق الأمن المجتمعي لدى الكثيرين من ابناء المجتمع .


§    وفي الطفولة المبكرة القدوة الحسنة من الوالدين تربي في الطفل الصدق والأمانة والصبر والتفاؤل …إلخ من الصفات الحميدة . وكي ينمو الضمير عنده لابد من تقييم أفعاله ومجازاته عنها ، فيكافأ عندما يحسن ولو بابتسامة ، ويعاقب عندما يسيء ولو بالصمت الجاف ( تقطيب الوجه ) ، وفي مرحلة الطفولة المتأخرة يتسارع نمو القيم عند الأطفال ، لذلك يوجـه الطفل إلى قراءة السيرة النبويـة ، وقصص النبيين ، وحياة الصحابة رضوان الله عليهم ، ومشاهدة قصص أو روايات تدور حول الفضائل كالصدق والأمانـة والوفـاء بالعهـد والحلـم والتضحيـة .وبالتالي الصفات الايجابية التي يجب ان يتحلى بها الفرد كلها مصدر أمن  فلنعمل جميعاً لتنمية هذه الصفات.


3 ـ التربيـة العقليـة :


معظم الآباء يضعون التربية العقلية في المرتبة الأولى ، وهذا خطأ برأينا ، لأن العامل التقي الورع خير من المهندس الفاسق في الدنيا والآخرة ، والبقال الصادق الأمين خير من المقاول السرّاق الكذوب في الدنيا والآخرة ، لذا فالأب العاقل التقي الورع يهتم بدين أولاده أولاً ، وأخلاقهم ثانياً ، وفصل الأخلاق عن الدين أمر نظري فقط ، فالتقي صادق ، ومن يخاف الله لا يظلم الناس ولا يسرقهم ، ثم يهتم بتربيتهم تربية عقلية تمكنهم من العيش شرفاء كرماء صالحين في مجتمعهم . فكثيراً ممن هم أذكياء  ممن يجلبون الخطر لمجتمعهم عندما لا يتحلون  بالصفات والأخلاق الإسلامية التي نص عليها الدين الإسلامي.


فالتربية العقلية تقوم على أساس إسلامي ، منطلق من كتاب الله وسنة رسوله r ، فكل ما خالف الكتاب والسنة باطل ضار لا خير فيه . لذا أول ما يعلم الأب أولاده كتاب الله عزوجل ، ثم سيرة رسوله r وسنته ، ولابد أن يكونا ركنين أساسيين في أي تعليم إسلامي ، ومن ثم فعلى المسلم أن يجمع ما يستطيع من علوم الماضي والحاضر ، ويجمع الأصالة مع التجديد ، وقد فتح الإسلام المجال للعقل بالنظر في السماوات والأرض ، والتفكير فيهما ، وبما يحويان من كائنات حيـة وغير حيـة ، ليكشف العقل السـنن الربانية في هذا الكون ( قوانين الفيزياء والكيمياء وغيرهما ) فيستثمرها وتتحقق خلافة الإنسان لله في الأرض فلا يصبح الفرد بمعزل عن العالم الذي يسعى لتأمينه من حوله لتمكين شرع الله الذي هو رأس الأمن والأمان .


 


4 ـ التربيـة الجسـديـة :


وكثير من الآباء لا يعرفون النمو إلا بما يشاهدونه من زيادة في طول أولادهم وزيادة أوزانهم ، وتورد خدودهم ، فإذا مر ض الولد سـهر الأبوان وهرب النوم منهما ، وسـارعا إلى الطبيب ، والـدواء والمستشفى … حتى يتماثل للشفاء ، وهذا طيب وضروري ، لكن السهر على دين الولد وأخلاقه ، وثقـافتـه يجب أن لا تقـل عن السهر على جسده .


واعتنى الإسلام بتربيـة الأجسام ، كما اعتنى بتربية الأرواح والعقول ، بل إن التربية الإسلامية هي الوحيدة التي تعتني بالإنسان ككل : روحـه وخلقـه وعقلـه وجسـده ، ومن أهم وسائل التربية الجسدية:


الاعتدال في الطعام والشراب ، وعدم الإسراف أو التقتير فيهما ، وإتباع السنة النبوية في ذلك ، وكذلك الاعتدال في النوم ، وأن يكون النوم بعد صلاة العشاء ، وحتى الفجر ، مع نوم قليل في القيلولة ، والإسراف في النوم داء ، كالإسراف في الطعام ، ومن المفيد أن يعتاد الأولاد على ممارسة الرياضة البدنية مع رفاق صالحين ، فالرياضة والتربية الجسدية تهذيب للنفوس وتعود على المثابرة والصبر والتفاني وكلها صفات حسنة ومحبوبة ولو استحضرنا عكوس معانيها للمسنا الخطر !!    

مقالات ذات صلة