عين على العدو

المعركة على جبهة المصطلحات في الصراع العربي الصهيوني

 


لعل واحداً من أهم الأسلحة التي تمتلكها القوى المهيمنة في العلاقات الدولية، أو داخل المجتمعات، هو أدواتها الثقافية والإعلامية التي تمكنها من صناعة المصطلحات وصياغة التعاريف.  فالمصطلحات و التعاريف ليست “مجرد كلام” كما قد يظن البعض، بل نقاط مرجعية تسهم بتحديد قوانين اللعبة السياسية، وقوالب يُصَبُ داخلها الرأي العام، وهي على المدى البعيد، إذا تركت تعمل دون خطابٍ بديل، ذات تأثير تراكمي يخترق الوعي الجماعي العربي ويفجره من الداخل، وينشئ قطاعات شعبية وثقافية عربية تفقد الهوية والانتماء وتتحول إلى موالاة الصهيونية من خلال منظومة من القيم والمفاهيم التي تشكل ما يعرف باسم الوعي الزائف، أي الوعي الذي يؤسس لطريقة في النظر إلى الواقع تتماشى مع الاحتلال والقهر الذي فرض على أمتنا وتبرره وتصبح عقبه في طريق التخلص منه.


 


المصطلحات والتعاريف إذن مفاتيح لنمط محدد من الوعي في وسائل الإعلام والثقافة السائدة يهدف إلى تبرير الأمر الواقع وخلق حالة من التكيف معه، من قبل المتضررين منه أساساً.


 


خذ مصطلح ” الشرق الأوسط” مثلاً…ففي القرن التاسع عشر، عندما كانت بريطانيا و فرنسا مشغولتين بالصراع على تقسيم العالم إلى دوائر نفوذ بينهما، أطلق في البداية تعبير “الشرق الأوسط” على المناطق التي توجد فيها الآن دول مثل إيران وباكستان و أفغانستان في أواسط قارة آسيا.


 


أما الجزء الجنوبي الغربي من قارة آسيا، الذي يضم بلدان الهلال الخصيب مثل سوريا والعراق ولبنان والأردن وفلسطين، فقد أطلق عليه لقب ” الشرق الأدنى”. أما تعبير الشرق الأقصى فقد ترك لتلك البلدان في القارة الآسيوية التي تبعد أكثر عن أوروبا .


 


أوسط…أدنى…أقصى كلها تعبيرات عن علاقة اذن، بالنسبة لنقطة مرجعية، هي في هذه الحالة المركز الأوروبي الغربي.


 


وهذه العلاقة بين مركز وأطراف تتكرس في اللاوعي أولا، عندما نتعاطى مع تعبيراتها اللغوية كمفردات أو كمصطلحات طبيعية أو كجغرافيا، فيتحول المصطلح إلى مفهوم ويتحول المفهوم إلى أداة بيد المستعمر لتكريس الأمر الواقع والعلاقة غير المتكافئة مع الأطراف.


المهم، مع توسع نفوذ الإمبراطورية البريطانية من مصر في شمال أفريقيا، ومن الهند وما كان يسمى سابقا ” الشرق الأوسط”، باتجاه فلسطين والعراق بعد الحرب العالمية الأولى، اتسع مفهوم  “الشرق الأوسط” ليضم بالإضافة إلى معناه السابق، مناطق النفوذ البريطاني أولاً، ثم الفرنسي، في المناطق المجاورة.


 


وبذلك اختفى مصطلح” الشرق الأدنى” من اللغة الإنكليزية في أواسط القرن العشرين، وحل محله “الشرق الأوسط” الموسع. ولكن المفهوم خلف المصطلح بقي كتعبير عن منظور يرى ويطالب من خلاله الإستعمار الأوروبي، خاصة البريطاني، بالسيطرة على أراضٍ وشعوب تقع في مكانٍ محددٍ بالنسبة للمركز الإستعماري.


 


ومازال مصطلح ” الشرق الأوسط” اليوم، مفهوما استعمارياً أي بلادنا كأسواق ٍ وموارد ومواقع استراتيجية، كما تراها عيون الغزاة الأجانب.


        


اذن المصطلحات والتعاريف ليست “مجرد كلام”. فالكلمات لها معاني، ولذلك يجب أن نستخدمها بدقة.  وعندما نستعمل كلمات معينة دون تدقيق، فإننا قد ننتهي إلى تكريس مفاهيم معينة تهدف إلى تكبيل عقولنا.


 


الصهاينة يجيدون لعب هذه اللعبة.  فقد نجحوا بجعل مصطلح  “إرهابي” مرافقا لصورة الفلسطيني والعربي والمسلم في الإعلام الغربي.  وكانت البعثة الفلسطينية في الجامعة العربية قد تقدمت بورقة في صيف عام 1997 تطلب فيها من وسائل الإعلام العربية أن تتبنى مصطلحات معينة تؤكد الحقوق العربية وتقاوم الهيمنة الصهيونية في الإعلام العالمي، عوضا عن تبني مصطلحاتها، ومن الإقتراحات المقدمة في تلك الورقة ما يلي، أقدمها مع بعض الإضافات والتعديلات، الجذرية أحياناً:


 


     ضرورة استخدام تعبيري “مستعمرات” و”مستعمرين”، عوضاً عن  “مستوطنات” و”مستوطنين”، لأن الإستيطان يوحي بسكن أراضٍ خالية من السكان، بينما الإستعمار يقوم على فكرة الإحتلال بالقوة وطرد السكان الأصليين، هذا مع العلم أن مصطلح “استعمار” نفسه يحمل لفظياً شحنة إيجابية لأنه مشتقٌ من فكرة التعمير والبناء، ولكن استخدام مصطلح “مستعمرة” يظل أفضل بالتأكيد من مصطلح”مستوطنة”، لأن كلمة استعمار عادت واكتسبت معناها الحقيقي بفضل نضالات شعوب العالم الثالث .


 


 


     ضرورة استخدام مصطلح ” فلسطينيو ال 48″ أو “عرب فلسطين في مناطق ال 48” عوضا عن التعبير المستخدم عادة وهو “عرب إسرائيل” الذي يتنكر لمبدأ وحدة الشعب الفلسطيني في كافة أماكن تواجده حسب الميثاق الوطني الفلسطيني، والذي يكرس انتماء العرب كأقلية لدولة الكيان الصهيوني.


 


     ضرورة استخدام مصطلح ” قوات الاحتلال الصهيونية” أو “رئيس حكومة الإحتلال” عوضاً عن استخدام” الجيش الإسرائيلي” أو ” القوات الإسرائيلية”.


 


     ضرورة استخدام ” أعمال المقاومة ضد الإحتلال” عوضاً عن  “أعمال العنف” الرائجة في وسائل الإعلام العربية لأن ” أعمال العنف” لا مشروعية لها.


 


     ضرورة إضافة تعبير “العربية المحتلة ” كلما ذكرت القدس، أو أي جزء من فلسطين وضرورة استخدام الأسماء العربية الأصلية، مثلاً ” جبل ابوغنيم” وليس “هارهوما” كما يسميها اليهود، أو الضفة الغربية وليس يهودا والسامرة، الخ…


 


     ضرورة استعمال كلمة فلسطين بمعناها الحقيقي وليس الضفة وغزة فقط. وقد يبدو معظم هذه الإقتراحات بديهياً، ولكن مجموعة من المصطلحات المشبوهة وجدت طريقها إلى الخطاب السياسي العربي خلال مرحلة التسعينات الرمادية . أدوارد سعيد مثلاً كان يقول “النزاع الفلسطيني -الإسرائيلي” عوضاً عن “الصراع العربي -الصهيوني”، والفرق بين كلمة نزاع وكلمة صراع كبير، وكذلك الفرق بين عربي- صهيوني من جهة وفلسطيني- “إسرائيلي” من جهة أخرى.  فالتعبير عن المسألة على شكل نزاع يجعلها اكثر قابلية للحل، وجعل هذا النزاع المزعوم فلسطينياً فقط، يضعف الطرف الفلسطيني ويعزله عن عمقه العربي، أما الاستخدام المتكرر لتعبير ” إسرائيل” و”إسرائيلي”، فيعود العقل الجمعي العربي على التعايش مع “إسرائيل”. لذلك يجب دائماً ان تحاصر في مزدوجين، لإبقاء مسافة كافية بيننا وبين ما نرفض وجوده، أو فهي الكيان الصهيوني. أما تعبير ” الشرق الأوسط”، فيجب تجنبه ومحاولة استخدام الوطن العربي والعالم الإسلامي عوضا عنه.


د. إبراهيم ناجي علوش

مقالات ذات صلة