تقارير أمنية

تأملات في المعضلة السكانية للكيان الصهيوني

محمد خالد الأزعر 


طبقاً للمعطيات الإحصائية فإن قوام يهود العالم، داخل دولة الكيان وخارجها يتراوح منذ بضعة عقود حول الثلاثة عشر مليون نسمة. وإذا افترضنا جدلاً عدم دقة هذا الرقم وقابليته للزيادة، فإنه يظل من الصحيح واللافت ضعف أو عجاف النمو السكاني لهذا القطاع البشري قياساً بأحوال الشعوب والطوائف والأمم الأخرى.


على أن ما يستدعي مزيداً من التفكر ويعنينا أكثر في هذا السياق هو أن نشوء الكيان، بكل معانيها وفوائدها المزعومة والمفترضة صهيونياً، لم يؤد إلى تحولات فارقة في الخط البياني لنمو هذا القطاع. وتسري هذه الملاحظة على من آثروا الهجرة إلى هذه الدولة والاستيطان فيها سريانها على الممتنعين عن الاستجابة لدعوة الهجرة.


لا يقدح في صحة هذه النتيجة زيادة عدد اليهود في الكيان، الدولة من 600 ألف عام 1948 إلى 5.5 ملايين بعد ستين عاماً.


فالنمو في هذه الحالة يعود إلى انعكاسات الهجرة والانتقال أكثر بكثير جداً مما يعزي إلى زيادة طبيعية في معدلي الخصوبة والمواليد الطبيعيين. والفحوى هنا أنه إذا خصمنا ما راكمته موجات الهجرة، لا سيما الكبرى منها غداة حربي 1948 و1967 وانهيار الاتحاد السوفييتي، إلى يهود الكيان عند إعلانها من المجموع الكلي لسكانها راهناً، تأكدنا من ضمور الزيادة الطبيعية إلى أبعد الحدود.


هذا دون الحديث عن الحوافز التي قدمتها الحكومات الصهيونية تباعاً للأسر اليهودية كثيرة العدد، والتي لا يبدو أنها آتت أكلها بشكل مرض.


المراد أن وجود الدولة، الذي انطوى على وعود بالاستقرار والأمن والرعاية الاجتماعية والاقتصادية واقترن يقيناً بالدعم الخارجي اللامحدود، لم ينعكس إيجابياً ولا وجد له ترجمة بالنسبة لنمو القطاع اليهودي طبيعياً داخل هذه الدولة.


ولولا المدد السكاني الخارجي، غير الطبيعي والمعرض للتذبذب أصلاً وربما للانقطاع كلياً، لبقي اليهود أقلية داخل فلسطين التاريخية بين نهر الأردن وشاطئ المتوسط وربما داخل دولة الكيان ذاتها.


فشل المشروع الصهيوني وكيانه السياسي في تحسين خصوبة الأسر اليهودية وزيادة قدرتها على المنافسة عددياً، يتجلى أكثر فأكثر عند مقارنة كفاءة هذه الأسر بنظيراتها لدى الجانب العربي الفلسطيني. فبعد ستين عاماً على نكبتهم الوطنية تضاعف عدد الفلسطينيين لسبع مرات ونصف.. من 1.4 إلى 10.5 ملايين نسمة.


حدثت هذه الطفرة رغماً عن الحياة تحت التهديد والخطر وغياب الأمن والاستقرار والتذرية السياسية والاجتماعية والعوز الاقتصادي، ناهيك عن سياسات وقف النمو التي اتبعتها نخب الحكم الصهيوني المتوالية بحق فلسطينيي الداخل. ويذكر أن هذه الشريحة الأخيرة زادت بنفس معدل النمو الفلسطيني العام في الضفة وغزة والقدس والملاجئ (من 160 ألفا عام 1948 إلى 1.2 مليون في منتصف 2008)!


علاوة على هذه التعميمات المثيرة للدهشة، ثمة في التفاصيل ما يجرح التوقعات الصهيونية بشأن المشهد السكاني. فبالنظر إلى الهجرة اليهودية المعاكسة من الكيان إلى الخارج وضمور خصوبة الأسر اليهودية ولا جدوى إقناع الفلسطينيين أو إلزامهم بشتي الوسائل بفكرة الأسر القليلة العدد، فإن تساوي تعداد القطاعين اليهودي الفلسطيني بين النهر والبحر بات وشيكاً، لا يتعدى العام 2016 وليس 2040 كما كان الزعم السائد إلى وقت قريب.


تتابع النخب الصهيونية القحة هذه الحقائق بمشاعر مختلطة من الأسى والقلق والإحباط والغضب وعدم الارتياح والخوف.. الأمر الذي يتردد صداه في البدائل المتداولة فكرياً وسياسياً بشأن كيفية التعامل مع هذا المتغير السكاني بالغ التأثير على مسار دولة الكيان ومصيرها.


فالموصوفون بالحمائمية يرون الحل في الدولتين حتى يصبح اليهود هنا والفلسطينيون هناك، ويتلمس المتصقرون السبل إلى إمكانية طرد الفلسطينيين كلياً واختطاف ما تبقى من فلسطين التاريخية لاستكمال ما يعرف لديهم بأرض إسرائيل!


نحن والحال كذلك بصدد جماعتين تنحو كلتيهما إلى حل انفصالي عنصري، يتطلع إلى دولة يهودية خالية من الأغيار الفلسطينيين؛ الفارق بينهما يتعلق بمساحة هذه الدولة وحدودها.


وفي غمرة التلهف لمغالبة الفلسطينيين سكانياً، لم تنتظر واحدة من هاتين الجماعتين الوصول إلى الحل الذي تبتغيه. ومن آيات هذا الاستعجال التساهل الإسرائيلي في شرط يهودية المهاجرين خلال العقدين الأخيرين، مما أدى لاستقبال عناصر لا صلة لها بالبعد الديني للهجرة والاستيطان.


وبهذا السلوك غير المنضبط إيديولوجياً؛ المخالف لمفهوم النقاء اليهودي للدولة، ربما تكون النخبة الحاكمة قد استعاضت عن هذا المفهوم أو ردفته بفكرة الولاء الصهيوني لهذه الدولة بغض النظر عن ديانة الموالين. هذا على اعتبار أن الصهيونية والصهينة أكثر اتساعاً من اليهودية واليهود وأقدر على استيعاب المدد السكاني لإغراق الفلسطينيين واستكمال المشروع الاستعماري الاستيطاني وتقويته.


لكن تصوراً كهذا لا يمكنه المرور والانتعاش دون إيلام أحد أعمدة المشروع الصهيوني الأساسية، ذلك المتعلق بالسعي إلى خلاص اليهود وإيجاد الحل النهائي لمشكلتهم التاريخية. وبالتداعي، يصح الاعتقاد بأن جوهر هذا المشروع سيتعرض للتآكل والاهتراء من مدخل تصدع بعده الإيديولوجي العقيدي وأيلولته إلى مشروع استيطاني مصلحي مادي صرف. ونحسب أن الفرق كبير بين الولاء الممهور بالقناعات الدينية الثابتة الصلبة والولاء القائم على أسس مصلحية عرضة للتغير والسيولة.


والحق أن معالم هذا الفارق آخذة في التجلي والإطلال أكثر في أوساط المهاجرين حديثاً.. من ذلك بلا حصر، سيطرة العقلية الاستهلاكية والتهرب من الخدمة العسكرية الإلزامية وتفشي الفساد الأخلاقي والمادي والبحث عن الاستيطان اللوكس بدافع التكسب والرفاه ومغادرة الدولة كلياً بلا عودة لدى بروز فرص واعدة اقتصاديا خارجها..


والحال عموماً، صعوبة وربما استحالة كسب القطاع اليهودي لما يسمى بمعركة الأرحام مع الفلسطينيين بالاعتماد على التكاثر الطبيعي، وخطورة استدعاء الغوث السكاني من خارج هذا القطاع على جوهر المشروع الصهيوني.


وهذه وضعية يجب أن تغرينا والمعنيين بالتساؤل عن الكيفية التي سيعالج بها حراس المشروع الصهيوني إشكالية كيانهم السياسي السكانية.


البيان، الإمارات 22/11/2008

مقالات ذات صلة