الأمن المجتمعي

ملف خاص من داخل أروقة وحدة مكافحة المخدرات بغزة

ملف خاص من داخل أروقة وحدة مكافحة المخدرات بغزة


الوحدة تنجح في كشف ومعالجة أحد التجار والمتعاطين للمخدرات منذ 27 عاماً


خاص المجد


في زيارة خاصة لمراسل المجد لمقر وحدة مكافحة المخدرات بغزة لاجراء مقابلة مع أحد وأخطر تاجر للمخدرات بقطاع غزة والذي نجحت الشرطة الفلسطينة وحدة مكافحة المخدرات في كشفه ومعالجته بطريقة علمية  ليعود ويحتضن أسرته ويصبح مواطناً ايجابياً .


فكان للمجد لقاء خاص مع  أبي جميل الذي روى قصة مفصلة عمرها 27 عاماً  أغرب مراحلها  كانت زمن حكم السلطة تمتد من  العام 1995- 1999 مرورا بافتتاح ما يسمى بالممر الآمن  الذي أسس لمرحلة جديدة من تهريب المخدرات .


ثم  تجد أبا جميل يروي قصته في المحكمة في العام 2000 التي تثبت تورط قادة وضباط من السلطة في الإتجار بالمخدرات التي يتم ضبطها مع التجار والمروجين او توزيعها على بعضهم بعد احضارها لمراكز الامن ليؤجل القاضي المحكمة  لاختلاف المضبوطات مع التقارير الموجودة بين يديه.


لاحقاً، ستجد اخي القاريء ان متعاطي المخدرات يشعرون بما ألم بهم من مصيبة يحاولون الخروج منها بمساعدة أي شخص لانهم عرفوا خطورتها وسمومها القاتلة لانهم جربوها  وحتى لا تصل لاجساد أبنائهم وأزواجهم وباقي عوائلهم.


حيث يصل بكم المجد .. نحو وعي امني  لنتيجة بشأن الخطر الذي يداهم أبناء مجتمعنا الفلسطيني الذي يسعى الأعداء والخصوم على إغراقه بالسموم والمخدرات ليحيدوا عن مشروع البناء والحفاظ عليه صلباً ليبقى صامداً مقاوماً.


نترككم مع تقرير مراسلنا لاخذ العبرة والعظة من هذه القصة الحقيقية:


 


27 عام في المخدرات


ابو جميل 46 عاماً متزوج وله 6 أبناء يقطن شرق غزة بحالة مادية سيئة جداً، كانت بدايته عام 1982م بدأ مع رفقة السوء التعاطي للمخدرات “البانجو” ليجد نفسه بعد عدة شهور مضطراً للمتاجرة بالمخدرات وبيعها ليستطيع دفع ثمن ما يتعطاه منها!!


تربه خصبة


مجتمع مغيب فيه الدين والقيم والعادات بفعل الاحتلال الصهيوني ، رفقة سوء تتعاطى وتروج المخدرات حالة،  مادية سيئة أضحى ذلك تربة خصبة ومناخاً ملائماً  دفع بأبي جميل للاستمرار في تعاطيه المخدارات والمتاجرة بها بشكل كبيراً.


في عام 1995 مع بدء وصول السلطة الفلسطينية لقطاع غزة حسب اتفاقية اسلو وسط ترحيب شعبي كبير بالقادمين إلى أرض الوطن، ابو جميل تحفظ على الترحيب بهم خوفاً من أن يكون نهايته على أيدهم، فهو الآن من تجار المخدرات المشهورين.


مضت الشهور الأولى من قدوم السلطة ولم يتغير شيئ بل العكس زاد الطلب على بضاعته؟؟ ومضت السنة الآولى والثانية وأصبح الأمر أكثر يسراً وسهولة وأكثر زبائنا ايضاً؟؟؟ الأمر الذي دفع به إلى توسيع تجارته لتلبية حاجة “السوق والطلب المتزايد”، فوجد من زبائنه ضباط وجنود في الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة في تلك الفترة ووجد عندهم الملاذ والغطاء الآمن لانشغالهم في محاربة حركات المقاومة!!


في العام 1999م تم افتتاح ما سمي بالخط الآمن بين الضفة الغربية وقطاع غزة ليجد فيه ابو جميل خطاً آمناً لتجارته، وبدأ بجلب “الكوك” (أكثر أنواع المخدرات ضرار على الجسد وأغلاها ثمناً واحسنها ربحاً)، وشرع في إدخال كميات كبيرة من هذا الصنف وبدأ في تعاطيه هو شخصياً والإتجار به وتوزيعه جملة ومفرق … “وعلى عينك يا سلطة”.


حسرة… الواقع


ويمضي أبو جميل يقص حكايته مع عالم المخدرات وقلبه يمتلىء حسرة وندم وهو يجلس داخل مقر وحدة مكافحة المخدرات التابعة لوزارة الداخلية في غزة.


كان فساد السلطة السابقة مناخاً مميزاً لتجار المخدرات وأنا منهم، ففي إحدى المرات تم استدعائي إلى وحدة مكافحة المخدرات ذلك الحين، فصدمت حين وجدت أن الضابط المحقق هو أحد زبائني !!، فقبل أن أجلس على الكرسي أمام مكتبه بادرني بالخطاب (هوانت … الله يسود وجوههم اللي جابوك عندي… خلص روح قضيتك محلوله) !! وفعلاً خرجت ولم أمكث أكثر من 40 دقيقة.


كنت أخلص جميع مشاكلي مع السلطة السابقة فقط بإجراء اتصالات هاتفية مع بعض الشخصيات المتنفذه داخل الأجهزة الأمنية لينهي مشكلتي أو مشكلة زبائني واصدقائي لحظتها… طبعاً بمقابل.


الدف والرقص


وينتقل أبو جميل في إلى واقعة أخرى بقوله على لسان الشاعر (إذا كان رب البيت بالدف ضارب فشيمة أهل البيت الرقص)… كنت حينها في “اسرائيل” أجهز “بضاعة” لجلبها إلى غزة فاتصلت بي عائلتي واخبروني أن وحدة المكافحة قد “كبست” على المنزل وفتشته ووجدت 5كيلو من البانجو. على الفور قمت بعمل اتصالات مع بعض الشخصيات فكان جميعهم قد أقروا بأن هناك قرار صادر من شخصية كبيرة ومتنفذه تقضي (غ. ج) بإلقاء القبض علي… تعجبت حقيقةً فهو أحد زبائني أيضاً.


قمت بالاتصال بأحد المقربين من (غ. ج.) فأخبرني: (الأمر بسيط إدفع مبلغ 1000 دولار على كل كيلو وسيتم اغلاق ملفك يعني القصة كلها 5000 دولار ولا اشي). قطعت الاتصال وقلت في نفسي (ليش أدفع مبلغ 5000 دولار لواحد زي هادا … لو صارت محكمه كل ديتها 500 دينار واخرج).


وبالفعل عدت إلى غزة وقد أمنت بضاعتي هناك، وتم إلقاء القبض علي من قبل الشرطة ذلك الحين، وتم توقيفي في “نظارة أمن الشرطة” !! وبدأ يتوافد علي مجموعة من الضباط التابعين لـ (غ. ج.) ليساوموني على دفع مبلغ 5000 دولار… وكل مرة ازداد اصرار على عدم الدفع وطلب المحكمة.


وفعلاً تم عمل محكمة لي وذهبت … حين وقفت أمام القاضي وجدت أن بحوزته فقط (نصف كيلو بانجو) وقد تم الحصول من منزلي على 5 كيلو وهو الرقم المثبت في أوراق القضية!!! فسألت القاضي أين باقي الكمية؟؟؟ فتعجب القاضي وهز برأسه وطلب مني الإنصراف والخروج من باب المحكمة لاختلاف المضبوطات مع التقارير؟؟؟


نهايته تقترب


هذا هو الحال الذي كنت عليه … لم يبق شريان في يدي أو رجلي إلا وغرست فيه السموم بيدي، كنت آسف لحال بعض الفتيه الذين يأتون إلي للحصول على جرعة من “الكوك” بل كان أسفي يزداد عندما أجد أن هناك بنات يتعاطين المخدرات.


لم أجد في طريقي من يقف أمامي أو يعينني على الإقلاع، زوجتي وعائلتي لم يستطيعوا صدي أو الوقوف أمامي ، أذكر أني قد رفعت السكين على زوجتي مهداداً بقتلها اذا لم تفتح لي الباب للخروج لتعاطي جرعة من المخدرات قد حان موعدها. كنت كلما يتعكر “مزاجي” أزيد الجرعة حتى اكون مغيباً عن الحقيقة والواقع.


وفي إحدى الأيام وعند بدء تشكل ما سمي حينه بــ (القوة التنفيذيه التابعة لوزارة الداخلية) تم محاصرة منزلي من قبل “القوة” وبدأوا في المناداه علي للخروج وتسليم نفسي لهم, لكني قمت بالقفز من الشرفه على ارتفاع 5 أمتار على منزل أحد الجيران … لكن في النهاية تم القبض علي ، اقتدت إلى أحد المقرات التي كانت تستخدمها القوة التفيذيه وجلست في غرفة ليس فيها سوى الباب، بعد ساعة وعندما حان وقت المخدر لم استطع التحمل فقمت بالقرع على الباب دون مجيب، حينها وتحت تأثر الإدمان قمت بتكسير أحد جدران الغرفة المحتجز بها بيدي  ورأسي وهربت من السجن لأذهب مباشرة إلى أحد أوكار التعاطي.


حان الموعد


عام 2007 وحين سيطرة حماس على المقرات الأمنية واستلامها زمام الأمور فيها…. كانت نهايتي.


فقبل عدة اشهر في الـعام 2008م تم استدعائي لوحدة مكافحة المخدرات في غزة فرفضت وهربت حتى تم عمل كمين بمساعدة عائلتي وتم القبض علي.


في مقر الوحدة جلس معي مجموعة من الضباط وقالوا لي (نحن لا نريد ضربك أو حبسك … نحن نريد أن نعالجك نريدك أن تتخلص من هذه السموم…)، فعجبت من هذا الحديث ووجدت ضالتي التي أبحث عنها منذ زمن طويل، ورأيت حسن المعامله ووجوه غير التي كنت أراها في نفس المكان وبنفس الزي؟ فبدأت معهم وكنا معاً للتخلص من هذه السموم وسط اجراءات وأساليب لم نعهدها في زمن السلطة السابقة أدت بي للعودة لحياتي الأولى قبل أن أبدأ في تعاطي المخدرات.


 


سعدت كثيراً بعد مرور 3 أشهر وكنت قد شفيت من هذا (الموت)، كان وزني 40 كيلو فقط أما الآن فأنظر إلي قد جاوزت 80 كيلو.


شكراً لكم جميعاً شكراً للشرطة شكراً لكل الموجدين هنا … شكراً لابو العبد هنية … والله لو كنتم قبل 10 سنوات لما كان هذا حالي وهذا حال البلد … ادعو الله أن يغفر لي ويتوب علي وادعو اهلي وعائلتي ان يسامحونني … وادعو كل المدمنين والتجار بأن يتركوا هذا  الطريق وان يأتوا إلى هنا… هنا عند أصحاب هذه الصدور الحانية والقلوب الرحيمة الصادقة المتوضأه.


بهذه العبارات ختم أبو جميل حديثه معنا وعيناه قد ترقرقتا بالدموع… فيترى أهي دموع الفرح أم دموع الندم!!

مقالات ذات صلة