عين على العدو

مصطلحات إعلامية إسرائيلية ساحرة !

 


      مما أحفظه من تعبيرات الأساطير القديمة كلمة (باراك) التي هي اسم لكل من باراك أوباما رئيس أمريكا الجديد ، وإيهود باراك وزير الدفاع الإسرائيلي، وكلمة باراك كانت تشير إلى ثلاثة آلهة هم : كلوتو- لاشيزي- أتربس ، كانوا مسؤولين عن ثلاثة أمور :


الولادة والحياة والموت، أي أنهم مسؤولون عن مصير البشرية كلها.


وكلمة (زغموك) أيضا تشير في الأساطير القديمة إلى احتفال كبير، تقيمه الآلهة في مدينة أوبشكينا في بابل كل عام في قاعة كبيرة، حيث يتم في هذا الاحتفال تقرير مصير البشر كلهم .


بالأمس اجتمعت الرباعية الدولية المكونة من أمريكا وروسيا ودول السوق الأوروبية المشتركة والمنظمة الدولية في شرم الشيخ (لبحث) مشكلة الشرق الأوسط ، ولن أقول لتقرير مصير الشرق الأوسط ، فهذه الرباعية الزغموكية أو الباراكية ما تزال تحتفظ بالحل والربط والسلم والحرب والغنى والفقر،وأنا لا أُنكرُ عليها ذلك مادامتْ بقية دول العالم الأخرى ستبقى ديكورات على صورة البشر، لا يملكون إلا خيارا وحيدا وهو حريتهم في مضغ الطعام المسموح به أيضا من قبل الرباعية الدولية .


أيضا لن أتوقف كثيرا عند حكام العالم المنظورين وغير المنظورين ، ولكنني استمعتُ إلى كلمة الوزيرة الإسرائيلية تسفي ليفني التي قالت في هذا الاجتماع الزغموكي تعبيرا له وقعٌ جميل على مسامعنا نحن الفلسطينيين ، وله أيضا وقعٌ موسيقي على الآذان العربية ، كما أنه لحنٌ مشهور جدا في الأوساط الدولية اعتاد رؤساء الوزارات في إسرائيل والناطقون الرسميون المدنيون والعسكريون ووزراء الخارجية الإسرائيليون أن يُردِّدوه في كل محفلٍ من المحافل ، وقد استعمله كلٌّ من المرحوم رابين وشمعون بيرز ، ونتنياهو وحتى إيهود أولمرت وربيبته تسفي ليفني ، وهذا التعبير هو :


” إن إسرائيل تتفهَّم حاجة الفلسطينيين لإقامة دولتهم المستقلة ذات السيادة !”


ما أروع هذا التعبير الجميل حين يخرج من فمٌٍ إسرائيلي !


ذات يوم منذ أكثر من إحدى عشرة سنة قال لي أحد المفاوضين الفلسطينيين حول اتفاقية أوسلو البائدة، ممن كانوا يشاركون الإسرائيليين المفاوضات في لجانِ عملٍ عديدة :


كنا نعرض مطالبنا حتى آخرها ، وكان المفاوضون الإسرائيليون لا يقاطعوننا ، بل كانوا يكتبونها في قصاصات أوراقهم ، وعندما نعرض كل ما عندنا ، كانوا يبتسمون ويقولون لنا:


نحن نتفهّم مطالبكم !


فكنا نبتسم على وقع هذه الجملة الموسيقية الحلوة ، ونعتقد بأنهم وافقوا فورا على مطالبنا التي عرضناها ، وعندما نخرج في استراحة كان بعض أعضاء وفدنا يُحس بالنشوة على وقع الجملة المُغرِّرَة “نتفهَّم مطالبكم” .


وعندما تُعقد الجلسةُ الثانية ، يعرضون آراءهم ومطالبهم ، تُصبح الجملة الموسيقية السابقة نشازا غير مألوف ، ونصحو على وقع الحقيقة ، فنجد أنهم لم يوافقوا على أي طلبٍ من طلباتنا ، فنتشاءم لأننا لم نتمكن من أن نعود وفي جيبنا مفتاحُ حلٍّ واحد لباب واحد من مئات الأبواب المغلقة في وجوهنا ، يومها أدركنا أثر استخدام المصطلحات الإعلامية الساحرة في المفاوضات، وكيف يمكن إذابةُ الحقوق باستخدام حامض” نتفهم مطالبكم” سريع المفعول وطويل الأجل .


منذ تأسيس دولة إسرائيل ، وهي تُجيد نحت المصطلحات والألفاظ ذات المدلولات المطاطية ، فنقبسها منهم بدون تمحيص ونستخدمها، ونكتشف بعد فترة طويلة مدلولاتها غير البريئة ، فننشغل بإصلاحها واستبدالها ونقضى زمنا طويلا كأفرادٍ في نحت مصطلحات جديدة ، ولا نتفق في النهاية على أي مصطلح بديل، فنعود مرة أخرى مُرغمين إلى المصطلحات الإسرائيلية ، وهذا ما حدث بالضبط لكلمة ” المستوطنات” التي ظللنا نستخدمها نصف قرن ، ولما اكتشفنا بأنها تعني عودتهم من جديد إلى أوطانهم ، حتى أضأنا اللون الأحمر فوق مصطلح المستوطنات ، واجتمع فقهاء السياسة واللغة ، وقرروا أن يُغيِّروا اسم المستوطنات إلى( المستعمرات) وبدأت وسائل إعلامنا ترقص طربا على التسمية الجديدة ، على الرغم من أن التسمية الجديدة أكثر تغريرا من سابقتها ، لأن كلمة الاستعمار تشير إلى أن الاحتلال لدول العرب إنما جاء لتعميرها ولتحضيرها ، ولم يكن لاحتلالها ، فالفعل العربي يقول ذلك : عمَّر يُعمِّرُ أي أصلح الخراب!


وبعد جهدٍ جهيد هجرتْ وسائل الإعلام الفلسطينية هذه التسمية الجديدة ، وأصبحت تبحث عن تسمية أخرى ، فطفقَ الباحثون ينحتون الألفاظ فمنهم من أسمى المستوطنات : المُحرَّرات بعد أن تركتْ إسرائيل مستوطناتها في غزة، واكتشفوا بأن تسمية المحررات لا تصلح إلا لمستوطنات غزة فقط ، ومنهم من أسماها البؤر الاستيطانية ، ومنهم من أسماها المعازل العرقية ، ومنهم من أسماها ثكنات عسكرية ، ولم يتمكن الفلسطينيون بعد من الاتفاق على مصطلح واحد حتى الآن .


ومن الأمثلة الأخرى لاستخدام المصطلح كلمة عرب ثمانية وأربعين، وهي تُطلق على كل فلسطيني بقي صامدا في أرضه منذ عام 1948 ، وظلَّ معظم فلسطينيي الضفة وغزة يطلقون على أهلهم وذويهم الصامدين في أرضهم عرب 48، على الرغم من أن التسمية الإسرائيلية كانت تعني أن الموجودين فيها من غير اليهود هم أقلية عربية، ولم يتَّفق الفلسطينيون حتى اليوم على غير هذا المصطلح .


وما أزال أحفظ مصطلحا آخر يستخدمه جيش الاحتلال ، وهو ( تمشيط) المكان من المقاومين ، وهذا المصطلح ما تزال تردده وسائلُ إعلام فلسطينية كثيرة حين تداهم قوات الاحتلال منطقة فلسطينية فتقول : قامت قوات جيش الاحتلال بتمشيط المكان !


ولا يخفى على أحد ما لهذا المصطلح من مدلول جميل، فالأم شعر ابنتها أو ابنها ، أي أنها تقوم بتنظيفه مما علق به من أدرانٍ وأوساخ، وكذلك يفعل الجنود حين يغزون البلدات والمدن الفلسطينية !!


وما تزال بعضُ وسائل الإعلام العربية والأجنبية تُردِّدٌ تعبيرَ سياج الفصل حول الضفة الغربية ، وهو التعبير المعتمد في وسائل الإعلام الإسرائيلية ، فالسياج والسور السلكي يُخصَّص لكي تتكيء عليه الشجيرات الخضراء ذات الورود الجميلة في مداخل البيوت، وهو ما يبعث في النفوس الاستبشار والفرح والسعادة.


وكيف أن هذا السياج ( الجميل) ! تحوَّلَ إلى أمرٍ مزعجٍ عند الفلسطينيين المعقَّدين كارهي الخضرة والجمال ، هكذا يُفهمُ المصطلح وفق مشيئة من نحتوه !


للحقيقة ليس العيبُ في لغتنا العربية ، ولكن العيب فينا نحن أهل اللغة ، عندما نفشل في الاتفاق على جهةٍ واحدة تتولى هي متابعة الألفاظ والمصطلحات أولا ، ثم تتولى نحت ما يلائمها من ألفاظ ومصلحات ثانيا ، ومن ثَمَّ ترجمتها إلى كل لغات العالم ، فلا مجال فيها للاجتهادات الشخصية .


وأنا لا أقصد بالضرورة مجامع اللغة العربية الكلاسيكية ، لأن أكثرها تحوَّل إلى مؤسسات حكومية تتبع الدول ، وكان مفروضا أن يكون للعرب كلهم مجمعُ لُغويُّ واحدٌ فقط ، غير أن ذلك سيظل أملا وحلما .


ولا أعرف عدد العرب وأنصار العرب الذين صفَّقوا لقول تسفي ليفني:


إن إسرائيل تتفهم مطالب الفلسطينيين بدولة مستقلة ” يا سلااااااااام!


 


بقلم الكاتب توقيق ابو شومر

مقالات ذات صلة