عين على العدو

الإعلام يتحدى شرعية الجيوش العربية

 



عادت قضايا العلاقات المدنية العسكرية لتشغل حيزًا كبيرًا من اهتمام المحللين السياسيين منذ تسعينيات القرن الحادي والعشرين مع انهيار الاتحاد السوفيتي وبداية موجة التحول الديمقراطي في دول أوروبا الشرقية نظرًا لما لتلك العلاقات من تأثير على الاستقرار السياسي خلال المرحلة الانتقالية لعملية التحول الديمقراطي، والتي قد تعترضها الانقلابات العسكرية في حالة نزوع قيادات المؤسسة العسكرية للتدخل في الصراعات السياسية ودعم أحد الأطراف السياسية في سعيها للاحتفاظ بالسلطة. وعلى الرغم من الزخم الذي حظيت به تلك القضية ببعديها السياسي والمجتمعي في الأدبيات الغربية فإن الباحثين بالمنطقة العربية قد أحجموا على ما يبدو عن تناول العلاقات المدنية العسكرية خاصة على المستوى المجتمعي لفترة طويلة نظرًا لما تتسم به تلك القضية، والتي تتعلق بتقييم الرأي العام بالدول العربية لدور المؤسسة العسكرية ومدى قبوله لمستويات الإنفاق المتزايدة، من تعقيد وتشابك واسع النطاق . وفي هذا الإطار تأتي الدراسة التي أعدها كل من عساف ديفيد Assaf David الباحث بمعهد ليونارد دايفيس Leonard Davis Institute بالجامعة العبرية وأورين باراك Oren Barak المحاضر بقسم العلوم السياسية بالجامعة العبرية University of Jerusalem Hebrew بعنوان “كيف يتحدى الإعلام العربي الجديد المؤسسات العسكرية العربية : دراسة حالة لحرب إسرائيل مع حزب اللهHow the New Arab Media Challenges the Arab Militaries: The Case of the War between Israel and Hizbullah in 2006” والصادرة عن معهد دراسات الشرق الأوسط Middle East Institute في أكتوبر 2008.


المؤسسات العسكرية خارج الاهتمام الأكاديمي العربي


 في البداية يرى الباحثان أن القوات المسلحة العربية أضحت على المستوى الأكاديمي مجالا بحثيًّا مُهملا مع بداية تسعينيات القرن الحادي والعشرين، بحيث اقتصرت الدراسات المطروحة على تلك التي قامت بها مراكز الأبحاث الشرق أوسطية في إسرائيل أو تركيا أو إيران، على الرغم من أهمية العلاقات المدنية العسكرية في عملية التحول الديمقراطي التي تمر بها دول منطقة الشرق الأوسط بالنظر إلى الدور الذي يمكن أن تقوم به المؤسسات العسكرية في تلك الدول في عرقلة أو تيسير تلك العملية. بَيْدَ أن الدراسات الصادرة من الجامعات والمراكز البحثية العربية اتجهت إلى تفضيل دراسات ذات طابع سياسي تتناول مسار عملية التحول الديمقراطي والمجتمع المدني ولم تتطرق بأي حال إلى تناول دور المؤسسات العسكرية العربية إلا من خلال جانبين. أولهما : يتمثل في تناول أسباب انحدار موجة الانقلابات العسكرية بالدول العربية التي سادت إبان فترتي الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين. أم ثانيهما : فتمثل في تحليل الصراعات العسكرية بالمنطقة العربية والتوازن العسكري الاستراتيجي في منطقة الشرق الأوسط. ويُعزي الباحثان ذلك الإحجام عن تناول المؤسسات العسكرية العربية في الدراسات الأكاديمية إلى عدة عوامل، أهمها عدم توافر البيانات التي يمكن الاعتماد عليها في تحليل التفاعلات داخل تلك المؤسسات وبينها وبين المؤسسات السياسية الأخرى في النظم السياسية العربية، ووجود مخاوف لدى الباحثين من تناول تلك الموضوعات المثيرة للجدل بما يؤدي للتعرض لقيود تفرضها الاعتبارات الأمنية والسياسية أثناء إجراء الدراسة.


أسباب تصاعد الانتقادات للجيوش العربية


يؤكد الباحثان على أن الانتقادات للجيوش العربية على المستوى الشعبي غير الرسمي ليست ظاهرة مستحدثة وإنما تعود لفترة الستينيات من القرن العشرين، والتي تواكبت مع توسع إسرائيل إقليميًّا في أراضي عدد من الدول العربية بعد حرب عام 1967، إلا أنه في الآونة الأخيرة قد شهدت تصاعدًا لحدة الانتقادات للمؤسسات العسكرية بالدول العربية. ويريان أن ذلك يرتبط في أحد أبعاده بمساحة حرية التعبير التي يتمتع بها الإعلام العربي الجديد بوسائله المستحدثة من قبيل الفضائيات العربية والمدونات ومنتديات التعارف الإلكترونية والتي باتت تتناول كافة الموضوعات غير المعهودة في الساحة السياسية العربية لاسيما الشائك منها. فضلا عن محاولة استجلاء معالم موقف الرأي العام العربي من قدرة الجيوش العربية على الدفاع عن حدود دولة تجاه التحديات الخارجية مستقبلا. فقد نجحت وسائل الإعلام العربية الجديدة في محاكاة ما يمكن أن يطلق عليه المجال العربي العام المشترك عبر قيامها بالتعبير عن توجهات الرأي العام العربي حيال شتي القضايا الخلافية. أما العامل الثاني الذي أسهم في الانتقادات المتصاعدة للمؤسسات العسكرية العربية فتمثل في ما حققته الميليشيات العسكرية التابعة لحركات المقاومة من نتائج ميدانية ابتداءً من نجاح حزب الله اللبناني في دفع إسرائيل للانسحاب من جنوب لبنان بعد تجاوز عدد قتلى الجيش الإسرائيلي نتيجة قصف صواريخ الكاتيوشا حتى عام 2000 حوالي 256 جندي ومرورًا بإعلان رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق أريئيل شارون عن تطبيق خطة الفصل أحادي الجانب في عام 2005 التي ترتب عليها الانسحاب من غزة فيما أعتبر نجاحًا لحركة حماس في رفع التكلفة المادية والبشرية للجيش الإسرائيلي في قطاع غزة، وانتهاءً بصمود حزب الله أمام جيش الدفاع الإسرائيلي لمدة 33 يومًا خلال الحرب الإسرائيلية على لبنان في يوليو 2006 وقدرته على إطلاق الصواريخ على شمال إسرائيل طوال تلك الفترة. وترافق ذلك مع انتقادات حادة لعدم قيام الدول العربي بإرسال قوات لمساندة حزب الله في جنوب لبنان تطبيقًا لمعاهدة الدفاع العربي المشترك، وشعور بعض فئات الرأي العام العربي بأن أنموذج المقاومة قد أضحى يحقق أهدافًا قد لا تتمكن الجيوش النظامية من تحقيقها في إطار مواجهة عسكرية تقليدية مع إسرائيل.


الإعلام العربي الجديد يتحدى شرعية القوات المسلحة


ويرى الباحثان أن موجة الانتقادات الأولى للقوات المسلحة بالدول العربية بدأت إبان تصاعد حدة الضغوط الأمريكية على النظام العراقي السابق من خلال دعوة “موقع العصر الإلكتروني” في يونيو 2002 للتعليق على المستويات المرتفعة للإنفاق العسكري بالدول العربية في الوقت الذي تقتصر فيه مهمة القوات المسلحة بتلك الدول على حماية النظام الحاكم دون الشعوب. واتجهت المنتديات العربية ذات الطابع السياسي بعد عام 2003 وسقوط النظام العراقي السابق إلى إيراد انتقادات مختلفة للقوات المسلحة بالدول العربية من بينها الادعاء بأن “صفقات التسلح ذات التكلفة المرتفعة عادة ما تكون غطاءً جيدًا للفساد المالي وعادةً ما تكون على حساب الاحتياجات الأساسية للشعوب العربية. وقد أوردت الدراسة عددًا من تلك الانتقادات منها ما تضمنته صحيفة القدس العربي في عددها الصادر في 11 من أكتوبر 2004 من مقالٍ للمسئول السياسي الفلسطيني المتقاعد عبد الله الحوراني الذي وصف فيه الجيوش العربية بالتحول من القومية باتجاه السلبية على أثر توقيع اتفاقيات للسلام مع إسرائيل.


 إضافة إلى اعتمادها على مصادر السلاح الغربية التي تضمن لإسرائيل تفوقًا نوعيًّا في منطقة الشرق الأوسط. ومجددًا الدعوة لتأسيس مجلس أمن عربي مشترك يقوم على تنفيذ معاهدة الدفاع العربي المشترك التي تم التصديق عليها عام 1951. ويمكن اعتبار الحرب الإسرائيلية على لبنان بمثابة بداية موجة جديدة من الانتقادات التي يوجهها الإعلام العربي الجديد للقوات المسلحة بالدول العربية خاصة مع قيام حوالي 200 مدونة عربية بالتركيز على أن “الوحدة العربية لم تعد سوى حلم غير ممكن التحقق”، واتجهت الرسوم الكاريكاتورية بتلك المواقع لتصوير القيادات العسكرية بأنها تلتف حول مقاعد ذهبية لحمايتها أو يديرون ظهورهم لميدان المعركة ويسيرون بإقدام تجاه منازلهم، بل وطالب بعض المدونين بنزع سلاح الجيوش العربية بدلاً من حزب الله.


وفي هذا السياق، أشار الداعية الإسلامي عمرو خالد على موقعه الإلكتروني في 31 من يوليو 2006 “أن الجماهير العربية تتوقع دائمًا أن تقوم القوات المسلحة العربية بالتصدي للاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على الأراضي العربية ، فإذا لم يحدث فتثور تساؤلات حول جدوى وجودهم ومدى إمكانية تحركهم مستقبلاً”. ومن ثم بدأت الهوة تتسع بين المؤسسات العسكرية العربية من جانب والجمهور العربي من جانب آخر وهو الأمر الذي أسهم فيه بقوة ذلك الإعلام العربي الجديد الجامح. وبدأت بعض القنوات الفضائية العربية في بث بعض البرامج التي تخطت الحدود المتعارف عليها بالتوازي مع الحرب الإسرائيلية على لبنان. فعلى سبيل المثال قام الشاعر المصري “محمد بهجت” بإلقاء قصيدة بالعامية المصرية عنوانها “واحد اتنين.الجيش العربي فين ” في برنامج العاشرة مساءً، والتي قام الطلاب المنتمون لجماعة الإخوان المسلمين في جامعة الزقازيق بإلقائها علنًا في الحرم الجامعي في تظاهرة لفك الحصار عن قطاع غزة هذا العام (2008).


 وفي السياق ذاته أكد الدكتور فيصل القاسم المقدم الشهير للبرامج الحوارية بقناة الجزيرة الفضائية في 26من مايو 2007 إلى أن القوات المسلحة بالدول العربية لم تعد تنتمي إلا للنظم الحاكمة ولا تقوم فعليًّا بحماية شعوبها وأن اعتمادها على استيراد الأسلحة قد دفعها لتجميد صناعتها العسكرية بما كان له تأثير سلبي على قدراتها الدفاعية. ومن ثم فإن الإعلام العربي الجديد قد أثار الجدل حول وجود أزمة شرعية تعاني منها المؤسسات العسكرية العربية، بحيث أضحت مطالبة بالتحرك كلما حدثت مواجهة عسكرية بالمنطقة العربية أو على الأقل تبرير مواقفها الدفاعية من آن لآخر لكونها خاضعة للرقابة والانتقاد الدائمين من جانب الإعلام.


العلاقات المدنية العسكرية بالدول العربية.. منظور جديد


دفعت أزمة الشرعية التي عانت منها المؤسسات العسكرية العربية لاتخاذ عدة إجراءات من جانب الدول العربية من بينها إنشاء مجلس السلم والأمن العربي في إطار جامعة الدول العربية ومحاولة تعديل اتفاقية الدفاع العربي المشترك، فضلاً عن إعادة هيكلة العلاقات المدنية العسكرية بوضع الانتقادات الإعلامية في الاعتبار والتفاعل معها. ومن أهم آليات ذلك التفاعل قيام الجيش اللبناني على سبيل المثال بإنشاء موقع إلكتروني لنشر رد رسمي على الانتقادات التي توجه إليه على المواقع الإلكترونية غير الرسمية من آن لآخر، وقيام الجيش الأردني بنشر وثائق رسمية لنفي الاتهامات التي وردت بالمسلسل الدرامي الشهير”الملك فاروق” حول دور الجيش الأردني في حرب عام 1948.


أما الرئيس المصري محمد حسني مبارك فلقد أكد مرارًا على أن مسئوليته كرئيس للجمهورية تحتم عليه الالتزام بالدفاع عن الأمن القومي المصري ومن ثم ضرورة أخذ قرارات الحرب والسلام على محمل الجد دون اللجوء إلى لغة المزايدات السياسية. ومن ثم فإن عدم قابلية المؤسسات العسكرية بالدول العربية للدراسة الأكاديمية من جانب وإحجام الإعلام الرسمي العربي عن انتقادها من جانب آخر قد دفع لإيجاد قنوات غير رسمية من جانب بعض فئات الجمهور العربي للتعبير عن آرائهم حول ما آلت إليه أوضاع تلك المؤسسات وغيابها عن ساحة المواجهات العسكرية في المنطقة العربية في الوقت الذي نجحت فيه الميليشيات المسلحة لحركات المقاومة في لبنان وفلسطين في تحقيق نتائج إيجابية في المواجهة مع جيش الدفاع الإسرائيلي مما أدى لتصاعد الضغوط والتحديات التي تتعرض لها القوات المسلحة بالدول العربية لاسيما تلك التي ترتبط باتفاقيات للسلام مع إسرائيل.


تقرير واشنطن

مقالات ذات صلة