في العمق

لقاء مشعل – كارتر.. الواقع وضرورة الحوار

 


بلال الشوبكي


جيمي كارتر، الرئيس الأمريكي الأسبق، أو مهندس كامب ديفيد، ترك مقعد الرئاسة لريجان عام 1981، لكنه بقي علمًا أمريكيًّا مثيرًا للجدل حتى يومنا هذا، حقق لإسرائيل أكبر إنجاز حين جنبها عداءً أكيدًا مع مصر، وضربها في الصميم حين خطت يده سطور كتاب “فلسطين سلام لا نظام عنصري”، في عهده حدثت أزمة الرهائن الأمريكيين مع إيران، والآن هو من مطالبي الحوار مع الجمهورية الإسلامية.


مسلسل كارتر لم ينته عند هذه المحطات، فأسبوعنا الأخير شهد تغطية إعلامية واسعة لمشهد جديد قديم في نشاطات كارتر، بلده أمريكا بإدارتها في واشنطن تعلن أن حماسًا حركة إرهابية، فيعلن هو -الرئيس الأسبق لذات الإدارة – لقاء رأس الهرم الحمساوي خالد مشعل.


لا غرابة فيما حدث، فكما قال الناطق باسم الخارجية الأمريكية “هذا أسلوب كارتر”.


إذا كانت تلك هي شخصية كارتر، وهذا هو سلوكه السياسي الطبيعي، فلماذا نجعل من الحدث أمرًا يستوجب النقاش والجدل؟ واقع الأمر يشير إلى أن لقاء كارتر – مشعل قد تم تصويره على أنه لقاء مفاجئ غريب، تطلب انتقادا واستهجانا أمريكيا من قبل مسئولين كبار في الإدرارة الأمريكية، وحصره في إطار مخالفة شخصية رمزية أمريكية لتوجهات بلاده –الرسمية- هو ما يستحق النقاش والتوضيح.


 


المكاسب الحقيقية


رايس تقول: “أجد صعوبة في فهم المكاسب التي يمكن تحقيقها بإجراء مباحثات مع حماس بشأن السلام عندما تكون حماس في الواقع عقبة في طريق السلام”. فلنساعد رايس على فهم تلك المكاسب، وإن كنت أعتقد جازما أنها تدرك يقينا ما هي خلفيات اللقاء وجدواه ومبرراته، فالقول بأن لقاء القمة غير الرسمي يأتي في إطار نشاط شخصي لكارتر أمر تنفيه تجارب كارتر على مر عقود من الزمن، فله من اللقاءات مع شخصيات كثيرة في العالم وفي بؤر الصراع منه خاصة، ما تبين لاحقا أنها ممهد لقناة سياسية رسمية.


إذا ما تتبعنا منهجا تاريخيا في تحليلنا للزيارة المرتقبة بين كارتر ومشعل، سنخرج باستنتاج مفاده أن كارتر كان دوما حلقة الوصل بين من لم تجد أمريكا إليهم سبيلا رسميا؛ بسبب حرجها من لقائهم تارة للحفاظ على علاقات حميمة مع حلفائها، وتارة لتحفظ ماء وجهها بعد أن صنفتهم في قائمتها السوداء.


ولمن لا يتذكر لكارتر الكثير فليرجع إلى تجربته في أزمة هايتي عام 1994، كما أن الإعلان عن أن كارتر قد أطلع ديفيد وولش (مبعوث أمريكا للسلام) على تفاصيل اللقاء، يعني أن تنسيقا قد تم فعلا.


هذا بالنسبة للطرف الأول في معادلة اللقاء، أما الطرف الثاني وهو حماس برئيس مكتبها السياسي خالد مشعل، فإنها ليست بحاجة لوسيط غير رسمي ينوب عنها في حوار قد تجريه مع أمريكا، فالحركة أعلنت مرارا أنها مستعدة للتحاور مع أي جهة على هذه البسيطة ما لم تكن إسرائيلية، محددة تجاوبها للقاء أي طرف آخر بأن لا يكون للقاء تبعاته على مصلحة القضية الفلسطينية.


حماس في الحكم منذ أكثر من سنتين، فلماذا تقرر أمريكا -وإن كان بشكل غير رسمي- لقاءً كهذا؟! أليست هي ذات الحركة المصنفة أمريكيا وأوروبيا بأنها حركة إرهابية؟


قراءة عامة لصورة المشهد الفلسطيني والدولي تكفي لأن نخرج بخلفيات ذلك اللقاء ودوافع عقده، والبحث هنا ليس بالضرورة في خلفيات لقاء كارتر مشعل، وإنما في اضطرار أمريكا للتواصل مع حماس، حتى وإن لم يعقد ذلك اللقاء، فهذا لا يعني أن قنوات اتصال لن تُفتح أو قد فتحت بين الطرفين، والأسباب تتضح في الآتي:


 


فلما اكتملت حلقاتها فرجت


أولا: بعد مضي عامين على دخول حماس للمؤسسة الرسمية الفلسطينية، وبرغم تعرضها لمختلف صنوف التضييق، من اعتقال واغتيال وتدمير إسرائيلي، إلى حصار اقتصادي وسياسي دولي، لا يبدو أنها مستعدة للخروج من تلك المؤسسة رافعة رايتها البيضاء، وأصبح جليا لكل من ساهم في الحصار أن مزيدًا منه لا يعني انفجارًا على حماس، وإنما انفجار على من حولها –المقصود إقليميا- والتجربة أثبتت أنه مع كل موجة تصعيد في الحصار والتضييق على حماس -بل على الشعب الفلسطيني- كانت حماس تدير أزمتها تلك بشكل يضمن لها أفضل النتائج، على صعيد ثقة الجماهير بها.


 


مكره كارتر لا بطل


ثانيا: منذ أن سيطرت حماس على قطاع غزة، وجهود بعض القوى الدولية منصبة على خلق نموذجين في الأراضي الفلسطينية: نموذج حماس في غزة، ونموذج فتح في الضفة.


كان العمل جاريا على مبدأ الكوريتين: شمالي محصار -ضمن محور الشر- وجنوبي نال من خيرات الغرب ما يرضيه.


الهدف بالتأكيد أن يتحول المواطن الفلسطيني إلى قاضٍ يحكم على أي من التجربتين بالفشل، والمال والجهد والدعم الفني واللوجستي الأمريكي والأوروبي كان متجها الى أن المواطن الفلسطيني سيحكم على حماس بالفشل.


كان المراقبون قد أشاروا إلى ذلك مسبقا؛ أن الضفة الغربية ستتحول إلى جنة الله على الأرض: أموال وفيرة، ورفاهية اقتصادية، ومدن صناعية وأخرى سكنية، وحواجز عسكرية لا يمكن رؤيتها إلا باجترار الذاكرة، ليس هذا فحسب بل كان المنتظر أن وضعا أمنيا مستقرا ونقاء مؤسساتيا لم يسبق له مثيل في تاريخ الفلسطينيين سيكون سيد المشهد في الضفة الغربية، باختصار حَلَم البعض أنها الرقم الرابع في الدول الإسكندنافية. هذا هو المشهد المفترض في الضفة.


أمن مفقود، قتلى وجرحى وأسرى كل يوم، طائرات تلوث سماء القطاع، وأصوات مدافع تخترق براءة الطفولة، وضع اقتصادي مترد، لا رواتب، ولا عمل، لا غذاء ولا دواء، والمقاومة ستفقد غطاءها الجماهيري، حماس ومن معها من فصائل المقاومة ستتحول إلى لعنة على فلسطينيي القطاع، مرحلة ما قبل الموت ستدفع نحو إفشال حماس. هذا هو المشهد المفترض في قطاع غزة.


مشاهد مفترضة كسابقة الذكر، بدا واضحًا أنها لم تحظ بمن أحسن إخراجها. فلننطلق الآن من مرحلة تصوير المشاهد المفترضة إلى مرحلة نقل الواقع المعاش:


في الضفة الغربية لا رواتب منتظمة، ولا مستحقات صرفت، وغلاء متسارع في الأسعار، وحواجز تنتشر كما النار في الهشيم، مدن جديدة أقيمت لكنها ليست فلسطينية، هي جزء من مشروع الاستيطان الإسرائيلي، فساد بدأ يطل برأسه علانيةً طال كبار الرءوس، أمنٌ لم يشهد منه المواطن سوى الاسم، إسرائيل تجوب المدن الفلسطينية ليل نهار، وتقتل من تشاء وتأسر من تشاء، بينما أجهزة الأمن الفلسطينية تتآكل مصداقيتها أمام الجماهير؛ لأن الاحتلال صورها كأداة له لا أكثر، والقيادة السياسية يبدو أن موقفها سيكون الأصعب، فاللقاءات المتكررة في القدس في ظل “اللاشيء” المقدم من إسرائيل يعني أنها بدأت تزرع بذور فنائها.


مدينة نابلس، التي أعلنها دايتون كنواة للدولة الفلسطينية المنتظرة، برغم الإجراءات الأمنية المشددة فيها، ورغم كل الجهود التي تبذل للبرهنة على أنها ستكون نواة حقيقية للدولة، إلا أنها اليوم وبعد عام تقريبًا على دخول أجهزة الأمن إليها، محافظها لا يستطيع التجول بأمان في شوارعها، فليلة (13-4-2008) تعرض لاعتداء مباشر في أحد مخيمات المدينة وحرقت سيارته وأصيب مرافقوه.


في قطاع غزة اقتصاد مشلول، وأمن عسكري وصحي وغذائي مفقود، وهذا ما خطط له المخرج بالفعل؛ كي تتم مقارنتها بالجنة في الضفة! فأين كان الإخفاق؟ الإخفاق في أن السبب الحقيقي للاقتصاد المشلول والأمن المفقود أدركه المواطن في غزة، فلم يثر في وجه حماس وإنما خرج منتفضًا لكسر الحصار، وفي وجه كل من ساهم ولو بصمته في إكمال دائرة الحصار على الشعب الفلسطيني.


خلاصة القول: فشلت أمريكا في خلق النموذجين المفترضين وبذلك ذهبت احتمالية الثورة على حماس من قبل الفلسطينيين أدراج الرياح، وأصبح إيجاد قناة للحوار معها أمرٌ تمليه الحقائق.


ضرورة الحوار مع حماس تأتي كنتيجة تلقائية لكون الثورة -كمفهوم مجرد- بقيت قائمة واحتماليتها كبيرة، حتى إن حماس ذاتها التي كانت تخشى ثورة الشارع سابقا بدأت تروج لتلك الثورة بل تدعو لها؛ إذ إنها أيقنت أن بوصلة الشارع تشير الى الطرف الحقيقي وراء الحصار وليس نحوها.


وما تلويح حماس بانفجار غزة بين ليلة وضحاها إلا برهان قطعي الدلالة على أن حصارا فرض على حماس لإسقاطها أصبح ورقة ضغط بيدها.


 


للشارع كلمته أيضا


ثالثا: برغم تحفظنا على استطلاعات الرأي التي تُجرى في الأراضي الفلسطينية من حيث مدى دقتها، خاصة بعد الضربة التي تلقاها القائمون على هذه الاستطلاعات بعد نتائج الانتخابات التشريعية الأخيرة، إلا أنها ما زالت تعتبر مؤشرًا تقريبيا على نبض الشارع، وآخر الاستطلاعات كانت تشير -وعلى عكس ما يرى الكثير من المراقبين- إلى ارتفاع شعبية حماس، وعلى مستوى القيادات تفوقت شخصيات حماس على فتح، مثل حصول “إسماعيل هنية” على نسبة أعلى من “أبو مازن” في استطلاعات أجراها مركز الدراسات والبحوث المسحية وجامعة النجاح الوطنية. أرقام كالتي ظهرت في تلك الاستطلاعات تؤكد ما أشرنا إليه من أن الرهان على إضعاف حماس بدأت أركانه تتهاوى، وبذلك لا بد من صياغة ملامح جديدة لصورة العلاقة بين أمريكا وحماس.


 


رابعا: حين تتحول حماس إلى مُدخل في الحملات الانتخابية الأمريكية علينا أن نتوقف.


لم تعد حدود الدائرة التي تؤثر فيها حماس قطرية بحكم هويتها الفلسطينية، ولا إقليمية بحكم قوميتها العربية وانتمائها الإسلامي، تعدت ذلك وأصبحت رقما مؤثرا في السياسة الدولية بحكم كونها ثقلًا سياسيًا لا يمكن تجاوزه في معرض الحديث عن الصراع مع الجانب الإسرائيلي، وبما أن الصراع مع إسرائيل عامل محدد لأي مرشح انتخابي أمريكي، فإن الموقف من حماس سيكون جزءًا من تلك الانتخابات، أمريكا جربت بإدارتها الحالية أسلوبا حُكم عليه بالفشل، لذلك ومن باب المنطق فإنها لن تدّخر جهدا في إيجاد أساليب جديدة لتحكم علاقتها بحماس، التي أصبحت جزءًا من اللعبة السياسية الداخلية في أمريكا، وما اضطرار أوباما وهيلاري للتعقيب على زيارة كارتر ولقائه بمشعل إلا مؤشرًا واضحًا على ذلك.


 


خامسا: برغم أن الكثير من دول العالم تسير في الفلك الأمريكي، إلا أن هذا لا يعني أن سياسة أخرى متمايزة عن السياسية الأمريكية قد بدأت تتبلور فيما يخص الموقف الدولي من حماس، فأوروبا -دول واتحادً- تقيم علاقات اتصال مع حماس مباشرة وغير مباشرة، وإن كانت متواضعة حتى اللحظة وسرية في جزء واسع منها، إلا أنها تحمل رسائل تنبيه إلى أمريكا من أن قوىً أخرى على الساحة الدولية كأوروبا وروسيا، وقوىً على الساحة الإقليمية العربية والإسلامية لا تجد مخرجًا إلا بالحديث إلى حماس؛ وهذا ما قد يدفع أمريكا لخلق قنوات اتصال تضمن بقاءها صاحبة النفوذ الأولى في المنطقة، وفي نفس الوقت لا تظهر كمن تراجعت عن تصريحاتها وسياساتها تجاه حماس.


 

مقالات ذات صلة