عين على العدو

حماس وإعلان إنهاء التهدئة

 


رغم أنه قد يجر وراءه حملة عسكرية كبيرة على القطاع تستهدفها بالأساس، فإن إعلان حركة حماس عن انتهاء العمل بالتهدئة قرار صائب وفي مكانه.


 


 فقد سمح هذا القرار للحركة باستعادة زمام المبادرة في مواجهة أعدائها في الخارج وخصومها في الداخل، وفيما يخص إسرائيل، فإن حركة حماس باتت تمسك بخيوط التهدئة والتصعيد، وهذا ما يُكَرِّسُ بناء نوع من التوازن بين الحركة وتل أبيب، رغم أن التوصل إلى هذا النوع من التوازن قد يتطلب تقديم تضحيات جمة.


 


وفي نفس الوقت فإن قرار حماس يُمَثِّلُ ضربة قوية للمخطط الإسرائيلي بفصل الضفة الغربية عن قطاع غزة،  فَشَنُّ حملة عسكرية واسعة في قطاع غزة سيورط إسرائيل في القطاع، ويجعل إسرائيل تتحمل المسئولية الكاملة عن القطاع، مع كل ما يعنيه هذا التطور من تداعيات بعيدة الأمد.


 


 في نفس الوقت فإنه سيؤدي إلى تأجيج نار المقاومة، ليس في غزة، بل في الضفة الغربية، وسيفضح الدور الوظيفي لأجهزة أمن عباس في الدفاع عن أمن المستوطنين.


 


وفي نفس الوقت، فإن الجرائم المتوقع أن ترتكبها إسرائيل في عملياتها في غزة ستُشْعِلُ الشارع العربي، وستعمل على تبديد كل محاولات التطبيع التي عَكَفَتْ عليها بعض الأنظمة العربية مؤخرًا.


 


 إعلان حماس عن انتهاء العمل بالتهدئة قد أصاب أبو مازن وسلطته في مقتل، فأبو مازن يعي أنه ليس بوسعه إلا أن يخسر في حال قامت إسرائيل بمهاجمة حركة حماس في قطاع غزة؛ لأن هذا سيرفع رصيد الحركة لدى الجماهير الفلسطينية، فأبو مازن كان يأمل أن تساهم الظروف الاقتصادية الخانقة في دفع الفلسطينيين للانقضاض على حركة حماس؛ لنزع الشرعية عن حُكْمِها، وهو يعلم أن العمل العسكري الإسرائيلي ضد حماس سيُحْرِجُه، في حين سيُضْفِي المزيد من الشرعية على الحركة وقيادتها، وسيُظْهِر التمايز بين خَطَّيِ المقاومة والتسوية بأي ثمن أمام الرأي العام الفلسطيني.


 


وفيما يتعلق بمصر، فإن الجانب المصري فوجئ من إعلان حماس عن انتهاء التهدئة؛ حيث كانت تعتقد القاهرة أنّ حركة حماس مَعْنِيَّةٌ باستمرارها بأي ثمن، وكانت ترغب أن يصطف قادة حماس أمام معبر رفح، مطالبين بالتدخل المصري من أجل وقف العمل العسكري الإسرائيلي المرتقب، الأمر الذي يسمح للقاهرة بممارسة الضغط على قيادة حماس لقبول الورقة المصرية للحوار كما هي، والتي صاغتها مصر وسلطة أبو مازن؛ لضمان إنهاء حكم حركة حماس في غزة.


 


 لقد فوجئ المسئولون المصريون عندما لم يحاول قادة حماس طلب التدخل من القاهرة لدى إسرائيل، وسقوط العشرات أو حتى المئات من القتلى في شوارع غزة في العدوان المرتقب سيشكل مصدر إحراج كبير لِكُلٍّ من السلطة ودُوَلِ ما يُعْرَفُ بـ “محور الاعتدال العربي”، وعلى رأسها مصر، سيما وأن كل الدلائل تُؤَكِّدُ أن الحكم في إسرائيل سيئول في المستقبل لليمين واليمين المتطرف برئاسة زعيم الليكود بنيامين نتنياهو، وهذا يعني أن وجود حُكْمٍ كحكم حركة حماس هو الحكم الوحيد ذو الصلة لمواجهة حكم اليمين في إسرائيل.


 


 من هنا يمكن القول: إن تدخل الرئيس المصري حسني مبارك شخصيًّا في مَسْعًى لِثَنْيِ إسرائيل عن شن الحملة العسكرية على القطاع جاء لتلافي الحرج الناجم عن توجيه الضربة لقطاع غزة.


 


ومثل إعلان حماس وقف التهدئة أيضًا ضربةً لعدد من الفصائل في قطاع غزة، التي أخذت في الآونة الأخيرة تُزَايِدُ على الحركة، وتحاول ابتزازها بسبب التزامها بالتهدئة، وفي نفس الوقت، فإن إسرائيل تتوجه لشن حملتها العسكرية على قطاع غزة وهي يخشى أن تعود الحملة بنتائج عكسية. فالقادة الإسرائيليون لا يزالون يعيشون صدمة حرب لبنان الثانية، ويخشون التورط في عمليات قد لا تمكن إسرائيل من الخروج من قطاع غزة في نهاية المطاف.


 


 وهناك تَخَوُّفٌ من أن تتحول أي عملية في القطاع، عبر الفعل ورد الفعل، إلى كرة ثلج تنتهي بإعادة احتلال القطاع، مع عدم وجود جهة ثالثة مستعدة لِتَسَلُّمِه من إسرائيل بعد أن تنهي عملياتها.


 


 ويتخوف القادة الصهاينة من أن تواصل المقاومة إطلاق الصواريخ، حتى بعد أن يشرع الجيش الإسرائيلي في عملياته ويكثفها، بحيث تمتد لفترة طويلة، مع العلم بأن الحكومة الإسرائيلية مَعْنِيَّةٌ بإنهاء عمليات الجيش قبل الانتخابات التشريعية التي ستنظم في العاشر من شباط القادم.


 


فضلًا عن أن القادة الإسرائيليين يخشون سقوط أعدادٍ كبيرة من الجنود؛ حيث إن المعلومات الاستخبارية التي تملكها إسرائيل تؤكد أن حركة حماس جاهزةٌ لمواجهة الجيش الإسرائيلي.


 


من ناحية ثانية، فإنه رغم قيام إسرائيل بحملة دولية لحشد التأييد لعمل عسكري ضد حماس في غزة، إلا أن  العالم سينفجر عندما يرى مُجَدَّدًا صور الأطفال القتلى في شوارع غزة. إلى جانب ذلك فإن إسرائيل تحسب حسابًا للثمن الاقتصادي الناجم عن العملية المرتقبة في غزة، فالعملية العسكرية قد تنتهي بإعادة احتلال القطاع، وهذا تطور بالغ السوء بالنسبة لإسرائيل من ناحية اقتصادية في ظل الأزمة الاقتصادية العالمية، سيما أنه حسب المعطيات الإسرائيلية الرسمية فإن تكلفة إعادة احتلال غزة تبلغ نصف مليار شيكل ( 110 مليون دولار ) في الشهر، وهذا المبلغ سينفق على الخدمات التي يتوجب على إسرائيل تقديمها للناس في غزة، دون احتساب النفقات الأمنية.


 


لكن في المقابل هناك أسباب تدفع إسرائيل لشن الحملة على القطاع رغم الاعتبارات السابقة، منها:  مواصلة المقاومة الفلسطينية إطلاق الصواريخ، والضغوط الجماهيرية على الحكومة والجيش لوقف إطلاق الصواريخ، إلى جانب عدم استعداد إسرائيل لتمديد التهدئة حسب شروط التي تتحدث عنها حماس، فضلًا عن رغبة تل أبيب في حسم المواجهة مع حماس قبل أن تتولى إدارة أوباما الحكم. 


 


صالح النعامي


كاتب من غزة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى