في العمق

حسابات الأرباح والخسائر في مواجهات غزة

 


المجد


 على خلفية الخلافات المتعلقة بملف تمديد هدنة حماس – إسرائيل والتوترات على خط القاهرة – قطاع غزة كان واضحاً من جهة أن حركة حماس قد راجعت حساباتها ولجأت إلى إطلاق الصواريخ ضد الإسرائيليين وأن تل أبيب قد راجعت حساباتها ولجأت إلى الخيار الصعب.


* العملية العسكرية ضد القطاع: نقلة نوعية جديدة:


دخلت مواجهة حماس – تل أبيب بدءاً من صباح أمس مرحلة نوعية جديدة في حلقة صراع الإرادات الدائر بالأساس بينهما بما يترتب عليه من الانتقال من دائرة “الصراع العسكري المنخفض الشدة” إلى “الصراع العسكري مرتفع الشدة”:


• أطلقت حركة حماس الصواريخ بكثافة ضد الإسرائيليين.


• استخدمت تل أبيب الطائرات بكثافة في قصف الفلسطينيين.


تفاقمت تداعيات الصراع العسكري المرتفع الشدة على وجه السرعة وتغير المشهد الشرق أوسطي بشكل تضمن المعطيات الآتية:


• سياسياً، بدأت المزيد من حركات التعبئة الجماهيرية في أوساط الشارع العربي بسبب المواكب والحملات الاحتجاجية المصحوبة بتحرك النخب السياسية العربية الساعية إلى وقف العدوان والعودة للتهدئة.


• عسكرياً، ضاعفت القوات الإسرائيلية عملياتها إضافة إلى قيام الجيش الإسرائيلي بحشد قواته البرية والبحرية حول حدود وشواطئ القطاع مع ظهور المعلومات القائلة أن الجيش الإسرائيلي قام باستدعاء آلاف العناصر من الاحتياط.


القراءة في المعطيات الميدانية الجارية تثير وتطرح المزيد من التساؤلات فقد فشلت دبلوماسية القاهرة في إرغام حركة حماس على الرضوخ للضغوط والمطالب الإسرائيلية وبالمقابل ردت الحكومة الإسرائيلية بتشديد حصارها الذي كان بالأساس مفروضاً ضد القطاع. وعلى خلفية كل هذه التطورات فإن فشل استمرار الهدنة يبرز التساؤلات الآتية:


• حملت صواريخ حركة حماس الشحنات المتفجرة ولكن إضافة لذلك ما هي الرسائل السياسية التي حاولت صواريخ حماس إصابتها؟


• ألقت الطائرات الحربية الإسرائيلية القنابل بكثافة على قطاع غزة ولكن إضافة لذلك ما هي الأهداف السياسية التي سعت الطائرات الإسرائيلية لإصابتها؟


الإجابة على هذين السؤالين تتضمن القيام بعملية فك شفرة كل من الأداء السلوكي الإسرائيلي والأداء السلوكي الخاص بحركة حماس ولجهة القيام بذلك نشير إلى الآتي:


• الذي يقوم بتنفيذ عملية عسكرية يتوجب عليه أن يخطط جيداً من أجل تنفيذها.


• الذي ينفذ عملية عسكرية يتوجب عليه أن يخطط جيداً للسيطرة على تداعياتها وعواقبها.


الجدوى الحقيقية تقوم على أساس اعتبارات معادلة حسابات الربح والخسارة: الحصول على أكبر ما يمكن من المكاسب مقابل أقل ما يمكن من الخسائر، وحالياً يتحدث الإسرائيليون عن “الحرب ضد الإرهاب” وتتحدث حركة حماس عن “الوحدة والصمود والتصدي” وعلى ما يبدو فإن شعارات الطرفين ستظل لفترة طويلة قادمة تمثل نوعاً من الطموح الذي قد يتجاوز قدراتهما الحقيقية، فإسرائيل لن تستطيع الرهان على ملف الحرب على الإرهاب كغطاء لإرهابها وأطماعها العدوانية، وحركة حماس لن تستطيع الرهان على ملف الوحدة والصمود والتصدي لأنها، ببساطة، ليست وحدها الموجودة على الساحة الفلسطينية والعربية إضافة إلى أن شروطها في الوحدة والصمود والتصدي قد لا تتوافق في منظور الكثيرين بما في ذلك الحركات الفلسطينية التي تقف معها في الخط نفسه من مواجهة إسرائيل.


* خيار المواجهة في غزة ولعبة “السيطرة على الخصم”:


تؤكد كل أدبيات النزاع السياسي والاجتماعي وكل أدبيات العلم العسكري والعلم الأمني، أن مفتاح النجاح في إدارة الصراع –أي صراع- يتمثل في القيام بالسيطرة على الخصم بما يؤدي إلى التحكم في أفعاله وردود أفعاله وتأسيساً على ذلك، يبدو ثمة تداخل في الإجابة على السؤال القائل: من سيطر على من في مواجهة غزة؟


• على الجانب الإسرائيلي: نلاحظ أن تل أبيب تشددت في فرض مشروطياتها على حركة حماس، من خلال التشدد في ملف تمديد التهدئة، والتشدد في الحصار، فهل كانت تل أبيب تسعى إلى دفع حماس إلى القيام بإطلاق الصواريخ؟ بكلمات أخرى، كان السيناريو الإسرائيلي يسعى لجهة السيطرة على رد فعل حماس بحيث يتمثل في إطلاق الصواريخ بما يتيح لتل أبيب تنفيذ العملية العسكرية التي سبق التخطيط لها، وأصدر وزير الدفاع الإسرائيلي أمر تنفيذها قبل ستة أشهر كما تقول التسريبات الإسرائيلية.


• على الجانب الفلسطيني نلاحظ أن حركة حماس كانت على إلمام تام بالنوايا الإسرائيلية وكان زعماؤها يطلقون التصريحات التي تتوعد الإسرائيليين بالهزيمة النكراء والخسائر الفادحة وهذا معناه وبكل وضوح أن حماس كانت تعرف تماماً أن صواريخها ستدفع الإسرائيليين إلى خيار المواجهة.


معايرة إدراك الجانبين تدفعنا إلى التساؤل وطرح الإشكالية بشكل مباشر: هل يا ترى نجحت تل أبيب في استفزاز حماس واستدراجها إلى المواجهة أم أن حماس هي التي نجحت في استفزاز تل أبيب واستدراجها إلى المواجهة، وهو تساؤل يترتب عليه تساؤلان إضافيان أكثر أهمية:


• إذا استدرجت تل أبيب حماس إلى المواجهة فهل تملك تل أبيب الجاهزية والاستعداد للسيطرة على تداعيات هذه المواجهة؟


• إذا استدرجت حماس تل أبيب إلى المواجهة فهل تملك حماس الجاهزية والاستعداد للسيطرة على تداعيات هذه المواجهة؟


إن تصاعد مواجهة تل أبيب – حماس في غزة سيترتب عليها اتساع نطاق التداعيات بما يمكن أن يؤدي إلى انفلات أكثر خطورة في المنطقة، وعلى سبيل المثال: كلما تزايدت حدة مواجهة تل أبيب مع حماس كلما تزايدت بالمقابل حركية الأصوليات الإسلامية في عمان الأردنية والقاهرة المصرية وبغداد العراقية، فهل تستطيع إسرائيل الحد من ذلك خاصة وأنه سيطرح المزيد من التهديد والمخاطر الجديدة ليس ضد إسرائيل وحسب وإنما ضد مصالح واشنطن التي ما تزال تعول على حلفائها في هذه العواصم. وما يثير الانتباه أن الصعود الأصولي في عمان والقاهرة وبغداد يقوض كامل جدول أعمال نظرية الأمن القومي الإسرائيلي وملحقاتها السياسية المتمثلة في اتفاقيات سلام وادي عربة مع الأردن وكامب ديفيد مع مصر. وعموماً، مهما تكن حسابات حركة حماس الكبيرة إزاء المواجهة فإن حسابات تل أبيب تتميز بالكبر والضخامة ويمكن أن يتضمن أقلها:


أولاً: على الصعيد الإسرائيلي الداخلي:


• زيادة شعبية تحالف كاديما – العمل الحاكم، وتقول استطلاعات الرأي الأولية بأن وزير الدفاع الإسرائيلي وزعيم حزب العمل الجنرال إيهود باراك صعد نجمه في الساحة السياسية الإسرائيلية وهو صعود حملت مؤشراته الأولوية إمكانية حصول الحزب على المزيد من المقاعد في انتخابات الكنيست القادمة.


• رفع معنوية المؤسسة العسكرية الإسرائيلية التي انهارت بقدر كبير بسبب هزيمة جنوب لبنان أمام حزب الله في العام 2006م.


• تعزيز الإدراك السياسي – العسكري – الأمني الإسرائيلي بأن بالدولة الإسرائيلية نجحت في استعادة قوة الردع التي فقدتها بسبب تداعيات حرب لبنان.


• تعزيز الدور السياسي للمؤسسة العسكرية – الأمنية الإسرائيلية.


ثانياً: على الصعيد الخارجي:


• محاولة استخدام نتائج مواجهة غزة في ابتزاز السلطة الفلسطينية وعلى وجه الخصوص في مفاوضات رام الله – تل أبيب.


• محاولة استخدام نتائج مواجهات غزة في ممارسة الضغوط على أجندة المحادثات السورية – الإسرائيلية.


• محاولة استخدام نتائج المواجهة في ممارسة الضغوط على أطراف مبادرة السلام العربية.


• محاولة استخدام نتائج بالمواجهة لجهة إمكانية تطبيق نموذجها ضد حزب الله الذي في حالة نجاح الضربات الإسرائيلية المحتملة ضده فإن تل أبيب ستعزز ثقتها بأن قوة الردع الإسرائيلية قد تمت استعادتها بالكامل.


• محاولة استخدام نتائج المواجهة لجهة المزيد من ابتزاز القاهرة التي لن تجد المكافأة والثواب من محور تل أبيب – واشنطن وإنما ستجد العقاب طالما أن المزاعم الإسرائيلية المتوقعة ستحاول التأكيد على أن إسرائيل اضطرت للقيام بتنفيذ العملية العسكرية حصراً لأن القاهرة لم تقم بتنفيذ ما ظلت تلتزم به أمام واشنطن مقابل المساعدات والمعونات، ومن ثم فإن جدول أعمال علاقات خط واشنطن – القاهرة القادم سيحمل المزيد من المشروطيات والمطالب المتشددة الجديدة التي سيكون على القاهرة الإيفاء بها وإلا يتم تعطيل برامج المعونات والمساعدات الأمريكية لمصر.


تقول المعلومات والتسريبات بأن عملية غزة تتم حالياً ضمن حدود قيام الطائرات الإسرائيلية بعمليات القصف المكثف مع قيام القوات البرية والبحرية الإسرائيلية بعمليات التعبئة والحشد في المناطق المواجهة لقطاع غزة. وعلى خلفية ذلك، تجدر الإشارة إلى أن هناك احتمالات لقيام القوات الإسرائيلية بعمليات اجتياح محدودة ضد قطاع غزة بما يؤدي إلى عمليات تقسيم واسعة للقطاع  إلى ثلاثة مناطق هي الشمالية والوسطى والجنوبية.


نلاحظ أيضاً أن الضغوط الإسرائيلية العسكرية أكثر تركيزاً خلال اليومين الماضيين على المنطقة الشمالية وهذا معناه أن النوايا الإسرائيلية تهدف إلى إفراغ هذه المنطقة من عناصر حماس بحيث يتم دفعها إلى المنطقة الوسطى والجنوبية، هذا وإذا قامت القوات الإسرائيلية باقتحام المنطقة الوسطى فذلك سيعني دفع عناصر حماس إلى المنطقة الجنوبية ولما كانت المنطقة الجنوبية مفتوحة مع مصر فإن قيام الإسرائيليين باقتحام المنطقة الجنوبية معناه مواجهة عناصر حماس لخيار خوض المعركة مع الإسرائيليين أو الانسحاب إلى الأراضي المصرية والوقوع بطريقة أو أخرى في يد سلطات الأمن المصرية التي يشرف قائدها اللواء عمر سليمان على التفاهمات الأمنية الجارية على خط القاهرة – تل أبيب، والسؤال الأكثر تعقيداً هو: ما الذي ستفعله القاهرة بعناصر حماس؟ وهل ستلجأ إلى ترتيب الأمر مع رام الله أم مع واشنطن؟


الجمل


28/12/2008م

مقالات ذات صلة