في العمق

ما هي مخاطر استمرار الهجوم العسكري الصهيوني على غزة

 بدأت تداعيات العملية العسكرية الإسرائيلية تطرح المزيد من التساؤلات الحرجة في الساحة السياسية الإسرائيلية المضطربة. هذا، وعلى خلفية الوضع الميداني الذي بدا أكثر تعقيداً يمكن الإشارة إلى التساؤلات التي برزت في إسرائيل التي تحمل الكثير من الدلالات والتداعيات إزاء التطورات السياسية الإسرائيلية الحالية والمتوقعة:


* ما الذي دفع حكومة ائتلاف كاديما – العمل إلى شن العملية العسكرية ضد قطاع غزة في هذا الوقت وتحديداً في يوم السبت؟


وحول ذلك تتفاوت إجابات الإسرائيليين فمن جهة يقول البعض أن الهدنة بين إسرائيل وحماس قد انتهت وعلى خلفية التوتر الناشئ ردت إسرائيل بتشديد الحصار ضد القطاع بما أدى إلى رد حماس بالصواريخ الأمر الذي دفع تل أبيب إلى الرد عن طريق العملية العسكرية الجارية حالياً. من جهة أخرى يقول البعض الآخر أن حومة ائتلاف كاديما – العمل كانت قد أعدت منذ فترة طويلة مخطط عملية غزة العسكرية ولكنها طوال تلك الفترة لم تلجأ إلى تنفيذها برغم صواريخ حماس وعملياتها العسكرية التي لم تتوقف، والآن عندما اقتربت الانتخابات الإسرائيلية فإن الائتلاف الحاكم وتحديداً الثنائي باراك – ليفني قد وجدا فرصة مناسبة لتنفيذ العملية بما يتيح استخدامها في الانتخابات والتسويق السياسي الانتخابي.


* ما الذي تسعى إسرائيل لتحقيقه والحصول عليه من وراء تنفيذ العملية العسكرية؟


من جهة يقول بعض الإسرائيليين بأن الهدف التكتيكي يتضمن معاقبة حماس بما يؤدي إلى إرغامها لجهة القبول بتحديد وقف لإطلاق النار والهدنة وفقاً للشروط الإسرائيلية ومن الجهة الأخرى يقول بعض آخر بأن حكومة الائتلاف الحاكم الإسرائيلية تسعى لتعزيز موقفها إضافة إلى نوايا الجنرال باراك في استخدام العملية لجهة تخليص المؤسسة العسكرية من عوامل الضعف والثغرات التي ترتبت على هزيمة الجيش الإسرائيلي أمام حزب الله في صيف العام 2006م.


* إذا أصرت حماس على مواجهة الدمار والموت حتى النهاية، ورفضت إطلاق النار وفقاً للشروط الإسرائيلية ماذا سيكون موقف حكومة الائتلاف في إسرائيل؟


ما هو واضح الآن أن الجنرال باراك يتمسك بالافتراض القائل أن استمرار الضغط وتهديد حماس بعملية عسكرية مفتوحة وغير محددة واستدعاء الاحتياطي ستؤدي في نهاية الأمر إلى وضع أفضل للاستمرار أكثر فأكثر في العملية العسكرية على المدى الطويل وقادرة على مقابلة كافة التصعيدات والاحتمالات الممكنة الحدوث، وبالتالي فإن حماس هي نفسها التي ستسعى إلى القبول بوقف العملية العسكرية عن طريق تجديد وقف إطلاق النار وفقاً للشروط الإسرائيلية.


* ما هي المخاطر التي يمكن أن تترتب على استمرار تصعيد العملية العسكرية لفترة أطول؟


تشير التوقعات إلى المخاطر الآتية:


– مخاطر التصعيد العسكري عن طريق جنوب لبنان.


– مخاطر التصعيد العسكري عن طريق الضفة الغربية.


– مخاطر التصعيد العسكري عن طريق عرب إسرائيل.


– مخاطر التصعيد عن طريق الرأي العام الدولي.


– مخاطر تصعيدات المعارضة السياسية لحلفاء إسرائيل وأمريكا في المنطقة وعلى وجه الخصوص القاهرة التي وقعت اتفاقية كامب ديفيد مع إسرائيل وعمان التي وقعت اتفاقية وادي عربة.


* هل ستكون العملية العسكرية الجارية حالياً ضد قطاع غزة على غرار العملية العسكرية التي جرت في جنوب لبنان؟


تسيطر على الإسرائيليين المخاوف من احتمالات أن يحصد الجيش الإسرائيلي الفشل على غرار فشله السابق في جنوب لبنان، وحالياً تقول المعلومات والتسريبات بأن وزير الدفاع الإسرائيلي إيهود باراك ورئيس الأركان الجنرال غابي أشكينازي قد قاما بمراجعة وتقويم وضبط مدخلات ومخرجات العملية العسكرية ضد القطاع، بما يؤدي إلى القضاء على احتمالات تكرار سيناريو نموذج حرب صيف العام 2006م مع حزب الله. ويقول بعض الإسرائيليين المتفائلين بنجاح العملية أن تكرار السيناريو اللبناني غير ممكن لأن القوات الإسرائيلية قد حصلت على المزيد من العتاد العسكري المتطور والمزيد من التدريب والدعم والإمدادات الأفضل. إضافة لذلك، توجد المزيد من المزايا الإضافية:


– أصبح المدنيون الإسرائيليون في وضع أفضل لجهة استعدادات وتجهيزات الأمن والدفاع المدني والوقاية من خطر عمليات الانتقام المحتملة.


– التزمت الحكومة الإسرائيلية بالتوصيات التي أشار إليها تقرير فينوغراد بما أدى إلى جعل عملية صنع قرار العملية العسكرية وإصداره بشكل نهائي قد تم وفقاً للاعتبارات المنصوص عليها في التقرير.


* إلى أي مدى استخدمت إسرائيل القوة المفرطة غير المتناسبة؟


من جهة يقول معظم الإسرائيليون أنه إذا لم يكن هناك من سبيل أمام إسرائيل لاستخدام القوة المتناسبة غير المفرطة في القضاء على الخطر، فإن من الممكن اللجوء إلى استخدام القوة غير المفرطة المتناسبة في التعامل مع مصادر الخطر والتهديد، طالما أن حق الدفاع عن النفس وفقاً للقانون الدولي لا يلقي أي مسؤولية تقصيرية على عاتق إسرائيل، ومن الجهة الأخرى يتساءل بعض الإسرائيليين عن مدى حق إسرائيل في إلقاء القنابل على المدنيين وقصفهم بالصواريخ واللجوء إلى أساليب العقاب الجماعي المحرمة دولياً ومدى تأثير التمادي في اللجوء إلى هذه الأساليب على مكانة إسرائيل في النظام الإقليمي والدولي.


* ما هو تأثير “الانتخابات الإسرائيلية” على العملية العسكرية ضد غزة؟


من المعروف أن وزير الدفاع إيهود باراك لعب دوراً أساسياً في تأخير تنفيذ العملية العسكرية مما أدى إلى قيام المعارضة الإسرائيلية بتوجيه المزيد من الانتقادات له، مما قلل من شعبيته في الشارع الإسرائيلي، ولكن ما هو مثير للانتباه أن الجنرال باراك عندما قام بتنفيذ العملية مع اقتراب الانتخابات لم تتوجه المعارضة لاتهامه بمحاولة استغلال فرصة العملية العسكرية لدعم موقفه السياسي الانتخابي، وبدلاً عن ذلك قرر خصومه (الليكود – حزب هالبيت هاليهودي – حزب شاس – حزب إسرائيل بيتنا.. وغيرها من الأحزاب والقوى اليمينية) الوقوف صفاً واحداً خلف حكومة ائتلاف كاديما – العمل، إضافة إلى إيقاف كل الحملات الدعائية الانتخابية والامتناع عن توجيه الانتقادات ضد ليفني وباراك. إضافة لذلك فإن تأثيرات العملية العسكرية على توازنات القوى السياسية الإسرائيلية في الانتخابات ستكون على النحو الآتي: سترتفع شعبية حزب العمل الإسرائيلي وزعيمه الجنرال باراك وحزب كاديما وزعيمته ليفني إذا أدت العملية إلى إرغام حماس على الإذعان للشروط الإسرائيلية لوقف إطلاق النار وإذا لم تذعن حماس للشروط الإسرائيلية ولكن تم إلحاق المزيد من الأضرار بها. كذلك، فإن شعبية باراك وليفني وحزبيهما ستنخفض إذا ما توقفت العمليات العسكرية دون إرغام حماس على قبول الشروط الإسرائيلية أو إذا استمرت الحرب بشكل يورط تل أبيب ليس في غزة وحسب وإنما في الضفة الغربية مما قد يؤدي إلى القضاء على حركة فتح وتحويل الضفة إلى مصدر خطر ومنطلق للعمليات الانتحارية ضد إسرائيل.


* كيف ستتعامل إسرائيل مع الاتهامات القائلة بأنها تقترف المذابح والقتل الجماعي بحق المدنيين الأبرياء وغير ذلك من التجاوزات والانتهاكات المحرمة دولياً؟


يقول العديد من الإسرائيليين بأنه توجد ثلاثة عوامل يمكن أخذها في الاعتبار هي:


– عامل الزمن: كلما كانت العملية العسكرية ضد القطاع أطول كلما كان من الصعب على إسرائيل تفادي الانتقادات الإقليمية والدولية.


– عامل تأثير “عقدة كفر قانا”: في العام 1996م والعام 2006م قتلت القوات الإسرائيلية عدداً كبيراً من المدنيين اللبنانيين عن طريق القصف الجوي والمدفعي وإذا حدث مثل هذا الأمر فمن الممكن أن يؤدي إلى إنهاء العملية العسكرية وسيترتب على ذلك من جهة تزايد الانتقادات الإقليمية والدولية ضد إسرائيل ومن الجهة الأخرى استخدام حماس لملف الضحايا كورقة في التسويق السياسي لعمليات البطولة والاستشهاد.


– عامل الدعم الأمريكي: طوال ما كانت الولايات المتحدة مسيطرة على مجلس الأمن والحكومات الموجودة في القاهرة وبيروت وعمان والرباط وتونس وبغداد والكويت وأبو ظبي ومسقط والرياض فإن إسرائيل تستطيع الحد من تصاعد الانتقادات الإقليمية والدولية.


وعلى خلفية هذه العوامل الثلاثة فإن المطلوب إسرائيلياً الآن هو قيام الجيش بإنجاز العملية العسكرية الحالية وتحقيق الأهداف الميدانية في أقل وقت ممكن وطوال ما كان الزمن أقل كلما كانت قدرة إسرائيل على تفادي الانتقادات أكبر مهما كبر حجم الخسائر.


* ما هي تداعيات العملية العسكرية ضد القطاع على الموقف العربي؟


الإدراك العربي إزاء العملية العسكرية الإسرائيلية يتميز هذه المرة بالعناصر الآتية:


• إن كل العرب بمختلف توجهاتهم يدينون العملية العسكرية بعكس ما حدث في عملية جنوب لبنان عام 2006م.


• إن معظم العرب بمختلف توجهاتهم يحملون حماس مسؤولية إثارة إسرائيل بعكس ما حدث في جنوب لبنان عام 2006 حين حمل بعضهم حزب الله المسؤولية بينما وقف الآخرون مع حزب الله.


• هل يمكن أن يمثل خيار قيام القوات الإسرائيلية بإعادة احتلال قطاع غزة والقضاء على حماس خياراً نهائياً نطلق عليه عبارة “إنجاز المهمة”؟


تشير الجوانب المعلنة بأن العملية العسكرية ضد القطاع تهدف نظرياً وعملياً لإرغام حماس على القبول بالشروط الإسرائيلية لوقف إطلاق النار، ولكن طالما أن هناك عدد قليل من الإسرائيليين المطالبين بإعادة احتلال القطاع فإن العملية العسكرية يمكن أن تكون قد هدفت إلى إعادة احتلال القطاع مرة أخرى باستدراج الإسرائيليين الرافضين لإعادة الاحتلال عن طريق إقناعهم بأن حماس لم تذعن للعملية العسكرية.


* إذا نجحت العملية العسكرية الحالية في إرغام حماس على قبول شروط وقف إطلاق النار الإسرائيلية هل سيؤدي ذلك إلى حل مشاكل حركة حماس مع إسرائيل؟


إذا وافقت حماس على تلك الشروط فإن ذلك سيؤدي إلى توفير فرصة قصيرة من الهدوء ستقوم خلالها حماس بترتيب أوراقها لخوض المزيد من الجولات الجديدة من المواجهات العسكرية والسياسية، إضافة إلى أن إسرائيل وحلفاؤها لا يملكون في الوقت الحالي استراتيجية للتعامل الطويل الأمد مع حركة حماس.


عموماً، هذه كانت أبرز ردود الأفعال الإدراكية المسيطرة على أذهان العديد من الإسرائيليين وبين المتفائلين والمتشائمين توجد نقطة التقاء تتمثل في التسريب الإسرائيلي الخافت الذي مفاده أن إسرائيل يمكن أن تعلن من جانبها الآتي:


• الإعلان عن وقف إطلاق النار من طرف واحد لمدة 24 ساعة تمتنع خلالها القوات الإسرائيلية عن تنفيذ عمليات ضد القطاع.


• الإعلان من طرف واحد بأن إسرائيل ستعيد النظر في قرارها بفرض الحصار ضد القطاع إذا وافقت حماس على الشروط الإسرائيلية.


وخلال هذه الفترة تقوم واشنطن بتحريك ماكينتها الدبلوماسية لجهة دفع الحكومة المصرية أو القطرية أو الاثنتين معاً للقيام بعملية دبلوماسية وقائية مكوكية بما يؤدي لإقناع حماس والقبول بشروط وقف إطلاق النار مع ملاحظة أن يتم إخراج السيناريو باعتبار أن هذه الشروط هي شروط عربية حتى تتم إتاحة بعض “الكرامة” لحركة حماس لكي توافق وتقبل بالمشروطيات دون أي حرج.


موقع الجمل


30-12-08

مقالات ذات صلة