في العمق

محتوى المبادرة الفرنسية–البريطانية المقترحة لوقف القتال في قطاع غزة

 بعد مرور خمسة أيام على اندلاع مواجهة حماس – إسرائيل في قطاع غزة، بدأ يظهر بعض الحراك الدولي والإقليمي لجهة التوصل إلى وقف لإطلاق النار لمدة 48 ساعة، تحت دواعٍ إنسانية.


* ماذا تقول سردية الـ”48 ساعة”؟


أعدت فرنسا بمشاركة بريطانيّة، اقتراحاً إلى تل أبيب يطالبها بوقف عملياتها العسكرية لمدة 48 ساعة للأغراض الإنسانية، وتقول التسريبات أن الاقتراح الفرنسي تم تقديمه إلى مجلس وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي الذين عقدوا اجتماعاً طارئاً في العاصمة الفرنسية باريس. وأضافت التسريبات بأن لندن تمارس حالياً ضغوطاً مكثفة على إسرائيل لكي تقبل بالاقتراح الفرنسي. وذلك لأن قيام وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي بالموافقة على هذا الاقتراح سيجعل إسرائيل تقف في مواجهة إعلان صادر بواسطة 27 دولة أوروبية وبالتالي فمن الأفضل لإسرائيل أن توافق على الاقتراح الفرنسي طالما أنه سيوفر لإسرائيل مخاطر عناء المواجهة الدبلوماسية في المسرح الأوروبي.


تضمنت الجهود الفرنسية – البريطانية الآتي:


• فرنسياً: تحدث الرئيس ساركوزي مع محمود عباس رئيس السلطة الفلسطينية يومي الأحد والاثنين ومع الرئيس المصري حسني مبارك ومع رئيس الوزراء الإسرائيلي أولمرت طالباً منهم السعي من أجل وقف إطلاق النار.


• بريطانياً: تحدث رئيس الوزراء غوردون بروان مع الأطراف ذاتها مطالباً بنفس ما طالب به ساركوزي.


تقول التسريبات الدبلوماسية الإسرائيلية بأن فرنسا وبريطانيا تميلان إلى خيار الرهان على دبلوماسية القاهرة أو الجامعة العربية في القيام بإجراء الاتصالات والمشاورات مع حركة حماس وتقول التسريبات الدبلوماسية بأن وزير الخارجية الفرنسي ووزير الخارجية البريطاني تحدثا حول الموضوع مع وزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس والتي كما تقول التسريبات الإسرائيلية أخبرت الوزيرين الفرنسي والبريطاني بتأييدها للاقتراح.


توجد محاولات ساعية لجهة تحويل الاقتراح الفرنسي – البريطاني ضمن صيغة أكثر تكاملاً تأخذ شكل “المبادرة الفرنسية – البريطانية” التي تتضمن العديد من البنود والفقرات الأكثر تفصيلاً وتقول التسريبات الدبلوماسية الإسرائيلية بأن محتوى هذه المبادرة يمكن أن يتضمن الآتي:


• وقف إطلاق النار لمدة 48 ساعة لدواعي الظروف الإنسانية.


• العمل بعد بدء سريان يوقف إطلاق النار من أجل تمديده لفترة أطول.


• إرسال المساعدات الإنسانية الفورية إلى قطاع غزة.


• السعي من أجل إعادة فتح معبر رفح بين قطاع غزة ومصر.


• محاولة تجديد اتفاقية عام 2005م الخاصة بمعابر القطاع والدفع باتجاه أن يتم وضع الإشراف على الاتفاقية ضمن مسؤولية الاتحاد الأوروبي.


تصريحات وزير الخارجية الفرنسي برنار كوشنير ووزير الخارجية البريطاني ميلباند تضمنت الآتي:


• الوقف الفوري للقتال وكافة أشكال العنف.


• تحميل حركة حماس المسؤولية عن البدء بإطلاق الصواريخ.


وفي تطور دبلوماسي أوروبي انضم وزير الخارجية الإيطالي فراتيني الذي أكد في تصريحاته على النقطتين ذاتهما الواردتين في تصريحات نظيريه الفرنسي والبريطاني عندما قال بأن حماس هي المسؤولة عن التصعيد العسكري وبأن من حق إسرائيل أن تمارس حق الدفاع عن النفس.


* تل أبيب: بناء النموذج الدبلوماسي المضاد:


تشير المعلومات والتسريبات الواردة من تل أبيب بأن الأمين العام لوزارة الخارجية الإسرائيلية أهارون إبراموفيتش يقوم حالياً بعقد سلسلة من المشاورات لجهة تنسيق والجهود من أجل أن تتمكن وزارة الخارجية الإسرائيلية من العمل بفعالية من أجل إحباط الجهود الدبلوماسية دولية الهادفة لوقف العملية العسكرية  الإسرائيلية ضد القطاع، هذا، وتقول تسريبات أخرى أن أهارون وضع خطة مبدئية لعرقلة الجهود الدولية بما يتضمن الآتي:


• عرقلة الجهود حتى 5 كانون الثاني القادم.


• التحرك خلال الفترة القادمة إعلامياً ودبلوماسياً لجهة إجهاض الانتقادات التي ظهرت ضد إسرائيل وعدم السماح باتساع نطاقها.


• السيطرة على تدفقات المعلومات الصادرة من إسرائيل.


• توظيف الدبلوماسية الأمريكية ودبلوماسية بقية حلفاء إسرائيل في توفير الغطاء الدبلوماسي والإقليمي والدولي للعملية العسكرية الجارية حالياً.


تقدير الموقف في وزارة الخارجية الإسرائيلية يؤكد على ضرورة عدم الاستجابة للضغوط إلى يوم 5 كانون الثاني القادم وهو التاريخ الذي حددته وزيرة الخارجية الإسرائيلية باعتباره النقطة التي سيبدأ فيها الرأي العام الدولي بالتحول ضد إسرائيل لأن احتفالات العالم بأعياد الميلاد وبداية العام الجديد ستكون قد انتهت وعاد الناس إلى مزاولة حياتهم العادية وأعمالهم اليومية بما يجعلهم ينتبهون إلى التطورات الجارية في القطاع، وتقول التسريبات بأن ليفني قد تفاهمت مع حليفها وزير الدفاع إيهود باراك على ضرورة أن يعمل الجيش على تحقيق أهدافه العملية حتى يوم 5 كانون الثاني كحد أقصى تفادياً لمواجهة الضغوط الدولية، وأضافت التسريبات أن الجنرال باراك تفاهم مع رئيس الأركان الجنرال غابي أشكينازي وقائد القيادة الجنوبية الإسرائيلية الجنرال يواف غالانت.


إضافة لذلك، تقول المعلومات بأن وزارتي الخارجية والدفاع الإسرائيليتين إضافة إلى جهازي الموساد والشين بيت (الأمن الداخلي) والمخابرات العسكرية (أمان) يقومان بشكل مستمر بتنسيق عملية نفسية كبرى تهدف إلى استخدام وسائط الحرب النفسية لجهة إسناد العملية العسكرية الإسرائيلية ضد قطاع غزة.


* إعادة احتلال القطاع: الورقة الإسرائيلية الجديدة:


تشير بعض المعلومات إلى أن المرحلة الأخيرة من الخطة تتضمن إعادة القطاع إلى دائرة الاحتلال العسكري الإسرائيلي ولكن إصدار الأوامر النهائية باقتحام كامل أراضي القطاع لم يتم بعد ويتوقف على تقديرات الموقف المتعلقة بمدى قدرة حماس على الاستمرار بالمقاومة وما يمكن أن يترتب عليه ذلك من خسائر وعلى مدى قدرة الجيش الإسرائيلي على تفادي هذه الخسائر. هذا، وتشير التوقعات إلى أن مخطط إعادة وضع القطاع تحت الاحتلال قد تم إخبار القاهرة ورام الله وعمان به، كخيار إسرائيلي يهدف إلى أن تسيطر إسرائيل على القطاع لفترة محددة وبعد إكمال عملية تصفية حركة حماس عسكرياً وسياسياً، يتم بعد ذلك تحويله إلى سلطة رام الله، ولكن ضمن اتفاق “فك ارتباط” إسرائيلي – فلسطيني جديد لم تظهر تفاصيله بعد ولكن على الأغلب أن تحاول إسرائيل –إن نجحت في احتلال القطاع- إلى ابتزاز السلطة الفلسطينية واستخدام انسحابها من القطاع كورقة للمساومة في المفاوضات الجارية بينها وبين محمود عباس، وبكلمات أخرى سوف لن تتنازل إسرائيل عن القطاع إذا لم يقدم محمود عباس التنازلات “المؤلمة” في مفاوضات السلام مع إسرائيل في كافة البنود الخلافية المتعلقة بـ: حق العودة – مستقبل القدس – المستوطنات الإسرائيلية.


* دبلوماسية “قصر الإليزيه” الفرنسي في مواجهة دبلوماسية “المطبخ الإسرائيلي المصغر”:


بعد وصول المعلومات والتسريبات المتعلقة بالاقتراح الفرنسي – البريطاني إلى تل أبيب عقد مجلس الوزراء الأمني المصغر (أو المطبخ السياسي المصغر على حد تعبير صحيفة هاآرتس الإسرائيلية) اجتماعاً سريعاً ضم أعضاء “المطبخ” المكون من:


• رئيس الوزراء -المكلف- إيهود أولمرت.


• وزيرة الخارجية تسيبي ليفني.


• وزير الدفاع الجنرال إيهود باراك.


وتقول التسريبات أن أعضاء المطبخ ناقشوا الاقتراح الفرنسي وعلى وجه الخصوص النقطة المتعلقة بوقف إطلاق النار الإنساني لفترة 48 ساعة، وقد توصل الاجتماع إلى الآتي:


• وصف الاقتراح الفرنسي بأنه غير واقعي لأنه لم يتضمن تقديم ضمان بعدم إطلاق حماس للصواريخ ضد إسرائيل.


• بالتأكيد على استمرار العملية العسكرية ومحاولة توفير الغطاء السياسي والدبلوماسي لاستمرارها.


• وضع الترتيبات والاستعدادات لاحتمالات توسع نطاق العملية.


هذا، وعلى خلفية اجتماع المطبخ المصغر، تقدم رئيس الوزراء بطلب إلى الجهات الإسرائيلية المختصة طالباً العمل على زيادة عدد الجنود المشاركين في العملية بحوالي 2500 جندي إضافي مع العمل على توفير المزيد من الإمدادات والدعم الإضافي لاحتمالات تزايد التكاليف.


* أزمة غزة: الدبلوماسية الوقائية إلى أين؟


جرت العادة أن تقوم “الأطراف الثالثة” بتنفيذ أجندة الدبلوماسية الوقائية قبل اندلاع المواجهة، وذلك بما يؤدي إلى نزع فتيل التوتر وتفادي الصراع ثم تصعيد الجهود لجهة الدفع من أجل بناء السلام وتوفير الاستقرار. ولكن الأداء السلوكي الدبلوماسي – الأمني الإسرائيلي عودنا أو بالأحرى عود الأطراف الثالثة على أن تخلط أوضاع ما قبل المواجهة مع أوضاع المواجهة مع أوضاع ما بعد المواجهة، ويبدو ما يحدث الآن أو بالأحرى ما يتم بين باريس وأصدقائها الأوروبيين وبعض العرب المتواطئين معها يشكل المثال النموذجي على عملية الخلط.


• كان يجب أن تسعى الأطراف الأوروبية إلى التفاهم مع حماس قبل اندلاع المواجهات ولكنهم بدلاًَ عن ذلك كانوا أكثر اهتماماً بدعم الجهود الإسرائيلية الهادفة لعزل حماس ووصفها بالإرهاب، والآن وبعد اندلاع المواجهة بدأت الأطراف ذاتها تسعى للتفاهم مع حماس ومن سخرية القدر أن حليفتهم إسرائيل هي التي بادرت برفض اقتراحاتهم!!


• كان واضحاً أن الحصار الإسرائيلي الأخير يهدف إلى إيقاع العقاب الجماعي المحرم دولياً بالسكان الفلسطينيين بما يؤدي إلى تمهيد المسرح لتنفيذ العملية العسكرية وبدلاً من أن تتحرك الدبلوماسية الوقائية الأوروبية لنزع الفتيل فد غضت الأطراف الأوروبية النظر عن الموضوع وبدأوا يطلقون التصريحات والتحركات بعد اندلاع المواجهة ومن سخرية القدر أن حلفاء إسرائيل العرب الذين كانوا يشددون الضغط على الفلسطينيين ويغلقون المعابر ويقدمون المعلومات الاستخبارية لإسرائيل وواشنطن أصبحوا الآن يتحركون للتوسل عند إسرائيل لوقف عملياتها العسكرية العدوانية.


المفارقات ومنعطفات “سخرية القدر” كثيرة وما هو واضح الآن أن “صناديق الشر” الإسرائيلية ستنفتح صندوقاً تلو آخر وعلى الأغلب أن يحمل الصندوق هذه الليلة هدايا بابا نويل التلمودي للفلسطينيين الغزاويين ولسنا بحاجة لإجراء التصويت في موقع الجمل حول توقعات زوارنا لهذه الهدايا المعروفة سلفاً، التي ستحملها طائرات إف 16 الأمريكية بينما أصدقاء إسرائيل في بقية العالم يتناولون كؤوسهم فرحاً بالعام الجديد الذي بدأ ملوناً بالدماء الغزاوية الحمراء!

مقالات ذات صلة