عين على العدو

الأبعاد الإقليمية والدولية لحرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة

اندهش الكثير من الملاحظين والمحللّين العرب والأجانب من وحشيّة المجازر التي ارتكبتها قوات الدولة الصهيونية ضدّ سكان غزة المدنيين واستهدافها للبنية الأساسية المدنيّة للقطاع، بما في ذلك مدارس الأونروا التابعة للأمم المتحدة والمساجد والجوامع… متخطية بذلك جميع القيم والأعراف الإنسانية والدولية.


 


ويزداد عجب هؤلاء جميعا لنوعية وكمية الأسلحة التي استخدمت لممارسة مجازر الإبادة التي فاق خرابها كل تصور بالنظر لخصوصية قطاع غزة المجالية والسكانية، غير أنه وبالرجوع إلى بعض الوقائع التاريخية ذات العلاقة بتكوين هذا الكيان وسلوكه، يتبدّد هذا الاندهاش، فمن بين الأساليب التي اعتمدتها الحركة الصهيونية منذ انبعاثها لتحقيق أهدافها نذكر أسلوبين اثنين استمر العمل بهما حتى بعد تأسيس الدولة وهما:


 


أولا: الإيقاع بالآخر “أفرادا أو مجموعات أو دول” وتوريطه ثم تحويله إلى أداة لخدمة المصالح العليا للحركة ثم الدولة لاحقا.


 


وثانيا: استخدام العنف والإرهاب “المجازر والمذابح ضد المدنيين تحديدا” للوصول إلى الأهداف المحددة دون اعتبار لأي قيم…


 


واستخدمت الحركة الصهيونية تلك الوسائل عن جدارة في أوروبا ثم في فلسطين الانتدابية وفي الكثير من البلدان العربية حتى ضد اليهود لإجبارهم على الهجرة إلى الكيان، واستمر هذا السلوك بعد قيام الدولة؛ فالمجازر التي ارتكبت ضد الفلسطينيين وبعض قطع الجيش المصري سنة 1956 وسنة 1967 ومجازر قنا “الأولى والثانية” وصبرا وشاتيلا وصولا إلى حرب الإبادة في جنين وفي مناطق الجنوب اللبناني وضاحية بيروت الجنوبية… وبالتالي ليس من المستغرب، في العمق، قيام هذه الدولة بما قامت وتقوم به ضد سكان غزة العزّل بعد فرض حصار بري وبحري طويل وقاس..


 


ويظهر أن ظروفا استثنائية ونوعية إقليمية ودولية ذات تأثيرات مباشرة وعميقة على مستقبل الكيان الإسرائيلي قد دفعت بالآلة العسكرية الإسرائيلية لشنّ حرب الإبادة الجديدة هذه.. إذ أبرزت الكثير من التقارير، التي أصدرتها بعض مراكز البحث الاستراتيجية الصهيونية، وحللت بعض مؤشرات تراجع سلوك الدولة الصهيونية السياسي عن بعض الأسس التي ارتكزت عليها، ومنها خاصة نظرية الأمن المطلقة والشاملة بمكوناتها السياسية والعسكرية والاقتصادية والتكنولوجية وتأثير ذلك على وجود الكيان في حدّ ذاته، من ذلك الانسحاب المخزيّ والاضطراري للجيش من جنوب لبنان وعن قطاع غزة ثم الهزيمة الموجعة بعد عدوانها على المقاومة اللبنانية بقيادة حزب الله سنة 2006، وأخيرا فشل الحصار الشامل على قطاع غزة.


 


وبالتالي عدم القدرة على معالجة مسألة صواريخ “القسّام” وتوابعها والتصدي لها؛ الأمر الذي أظهر النخبة الحاكمة الصهيونية كنخبة متردّدة وفاشلة وغير قادرة على تحقيق الأمن النفسي والسياسي للمجتمع الإسرائيلي، مما دفع بالكثير من سكان الكيان اليهود للمغادرة في الوقت الذي تراجعت فيه وتيرة الهجرة إليه، تلك الهجرة التي تمثل أحد أهم شرايين استمرار الكيان.


 


لذلك أخذ الرأي العام الإسرائيلي يفكر ويبحث بجديّة عن قيادة جديدة تكون أكثر حزما وقوة لردع كل من يحاول إحداث ارتجاجات نفسية وأمنية للمجتمع الإسرائيلي المهزوز أصلا في تركيبته الاجتماعية والقومية والدينية والطائفية.. وهو ما عبّر عنه مؤخرا وزير الحرب الإسرائيلي أيهود باراك الذي أكد على إصرار القيادة العسكرية الإسرائيلية الاعتماد من جديد على أهم الأسس النظرية للعقيدة القتالية لجيش الاحتلال الإسرائيلي القائمة على عنصر المفاجأة واتخاذ زمام المبادرة ونقل المعركة إلى أرض العدو…


 


ويظهر أن الفزع من إمكانية وصول تحالف اليمين وأقصى اليمين المتطرف إلى السلطة في الانتخابات القادمة، حسب استطلاعات الرأي، لم يصب التحالف الإسرائيلي الحاكم بالهلع فقط، بل إنه أربك حسابات بعض القوى الإقليمية والدولية ذات المصالح الواسعة بالمنطقة وخاصة الرئاسة الأمريكية الجديدة.


 


إذ أن وصول تحالف اليمين قد يؤدي إلى تعثّر ما ترغب في تحقيقه الرئاسة الجديدة وخاصة إمكانية سقوط ما تعتقده تلك الأطراف من “إنجازات السلام” قد تؤدي إلى ارتباكات وفوضى غير بنّاءة بالتوازي مع استمرار سلطة حماس على ما هي عليه، مقابل انتهاء فترة رئاسة محمود عباس وتآكل شرعيته الداخلية، وما يمكن أن يشكله استمرار حماس من خطر مفترض على “محور الاعتدال” العربي، وخاصة على مصر باعتبار علاقة حماس بالمحور الإيراني السوري المفترض أولا، وباعتبار علاقاتها بحركة الإخوان المسلمين ثانيا، وكون الحركة نموذجا مفترضا لسلطة ذات مرجعية إسلامية تقبع على تخوم الدولة المصرية غير مسموح باستمرارها في المحيط العربي أصلا…


 


غير أن أهم الأهداف التي ترغب إسرائيل في الوصول إليها وتسعى إلى إيصالها إلى الأطراف التي يهمها الأمر إقليميا ودوليا من خلال عملية الإبادة هذه إنما تتمثّل في:


 


أولا: بعث الطمأنينة في الداخل المهزوز ومحاولة ردّ الاعتبار والثقة إلى الجيش على أساس أنه تمكن من استرجاع حيويته وعنفوانه وهو ما يفسر ترحيب الشارع الإسرائيلي بما حدث.


 


وثانيا: رغبة القيادة العسكرية والسياسية الصهيونية بتقديم نموذج “مصغّر جدا” لما يمكن أن تفعله تجاه أي تهديد يوجه إلى مصالحها العليا.


 


فالسؤال الذي ترغب إسرائيل في أن يردده العالم وبإلحاح هو: إذا فعلت إسرائيل بقطاع غزة هذا الذي فعلته كردّ على إطلاق “الصواريخ العبثية”، فكيف سيكون الحال مع من يملك الصواريخ الباليستية ويهدد كل يوم إسرائيل في وجودها وهو الذي يسعى إلى امتلاك سلاح نووي؟ إنها إيران، الدولة التي تمثل التهديد الاستراتيجي الأكبر لإسرائيل طوال سنة 2009 حسب ما ذكره التقرير الاستراتيجي السنوي الذي يصدره الجيش الإسرائيلي.


 


ويشير نفس التقرير إلى أن إسرائيل تخشى بالفعل تقاربا محتملا بين إيران والإدارة الأمريكية الجديدة التي تحدثت عن مقاربة جديدة تدعو إلى حوار غير مشروط مع الإيرانيين من جهة، وهذه الأخيرة والعالم العربي من جهة أخرى، وهو ما قد يؤدي إلى اختلال في موازين القوى لغير صالح إسرائيل.


 


لذلك نصحت دوائر التخطيط العسكري والاستراتيجي في إسرائيل الحكومة على العمل من أجل بلورة شكل جديد من أشكال التعاون الإقليمي مع “نظم حكم عربية سنيّة معتدلة”، وعلى رأسها النظام المصري، تزعجها حركة حماس التي تعتبرها إسرائيل وأنظمة حكم الاعتدال العربي تلك بأنها امتداد للنظام الإيراني في المنطقة، الأمر الذي دفع إسرائيل إلى بلورة عدة بدائل عسكرية ومنها تلك التي تنفذها لوحدها ضد إيران دون الاعتماد على أطراف أخرى…


 


وبموازاة كل ذلك أخذت إسرائيل، حسب بعض الملاحظين، تقتنع أكثر من السابق بعدم جديّة دول الاتحاد الأوروبي في استخدام العقوبات الاقتصادية التي تراهن عليها لدفع إيران نحو اتخاذ قرار بتجميد جهودها النووية، خاصة مع تطور العلاقات الاقتصادية بين إيران وأغلب الدول الأوروبية الفاعلة التي ظلت تمثل الشريك التجاري الأكبر لإيران، كألمانيا وإيطاليا والنمسا التي وقعت مؤخرا مع إيران اتفاقية طويلة المدى لتطوير وإنتاج الغاز الطبيعي..


 


ويبدو أن هذا التعاون سيستمر ويزداد مع تداعيات نتائج الأزمة المالية والاقتصادية على أوروبا وحتى الولايات المتحدة الأمريكية.. وهو ما مثل ارتباكا لمخططات إسرائيل في هذا المجال…


 


وتدخل حرب الإبادة التي تمارسها إسرائيل على شعب غزة منذ سنوات والتي بلغت ذروتها خلال الأسبوعين الأخيرين بما أطلق عليه الفيلسوف الفرنسي ميشال فوكو بـ”المشهد العقابي” أو بما توجه به العشاق العرب الخجولون قديما “إياك أعني فاسمعي يا جارة”.


 


وبالنتيجة فإن حرب الإبادة الإسرائيلية هذه لا تستهدف في واقع الأمر سكان غزة فقط وإنما الآخرين أيضا، كل الآخرين حتى الحلفاء منهم، أي كل الذين يعاكسون أو يفكرون في معاكسة رغبة إسرائيل في الوجود بالطريقة التي ترتئيها، حتى وإن كان الأمر على حساب أدنى الحقوق التي يطالب بها شعب أعزل أفقدته السياسة الصهيونية الجزء الأكبر من أرضه.


 


لذلك فإن أهم الأهداف الآنية لعملية الإبادة هذه وأهم مضمون الرسائل التي ترغب حكومة إسرائيل في إيصالها إلى من يهمه الأمر هي: أنها لن تساوم، ولن تكترث بردود الفعل الدولية تجاهها إذا تعلق الأمر بأمنها ووجودها، وأنها مستعدة لحرق العالم، كل العالم، وذلك من أجل أن تستمرّ هي في الوجود وبالشروط التي تراها ضرورية ودون اعتبار للآخر، سواء أكان فلسطينيا أو عربيا أو حليفا… وبذلك تكون الحكومة وفيّة للأيديولوجية الصهيونية العنصرية الدموية التي تسير على هداها..


د. عبد اللّطيف الحنّاشي

مقالات ذات صلة