عين على العدو

«بقعة الزيت».. تطفو على «الرصاص المنصهر» أخيراً

 


أخط هذه السطور، ورائحة البارود المتساقط من السماء تزكم الأنوف في شوارع غزة وأزقتها، وقد انتشرت أشلاء المقاومين الذين أوفوا بالوعد للجميع، للدماء والدموع وحرقة الأنفاس، بعد أن حفظوا مشاهد الأشلاء المهروسة تحت الدبابات، وحفظوا عهد الأسرى خلف قضبان الاحتلال يصعدون بالدعاء، وعيني تبصر أجسادهم الممزقة الراغبة في الموت طمعاً في الحياة، لأن كل مقاوم منهم يزف إلى السماء ينتصر للباكيات دون دمع على حواف الصبر، يحلمن بثأر يشفي صدروهن.


 


ولا يكتمل رسم المشهد الغزي دون النظر إلى أولئك الغزاة الذين قدموا بعفن أرواحهم إلى فلسطين، وفي أيديهم بطاقات للموت يوزعونها على مزق الأجساد، لعلهم يتنفسون العظمة الكاذبة، وأسطورة الجيش الذي لا يقهر، لكنهم سرعان ما يرتعشون حين تخيفهم غيمة، وحين ترعبهم كتائب الغبار وهي تلف الثوار بعباءتها، وتنهار الصورة التي أرادوا لجنودها أن يصدقوها، وهم يرون أنفسهم عراة من إنسانيتهم، خائفين وجبناء!


 


أيّ رصاص منصهر؟


لم يكن عبثاً اختيار الجيش الإسرائيلي لعبارة «الرصاص المنصهر» لعمليته العسكرية في غزة، معتقداً أنه بإطلاق آلاف الأطنان على رؤوس الغزيين «سيصهر» إرادتهم، وسيستنزفهم خلال أيام وأسابيع، تطول أو تقصر بحسب معطيات الميدان العسكري.


 


فقد تعددت أسماء الحملات العسكرية الإسرائيلية في مواجهة المقاومة، خلال سنوات الانتفاضة، ومنها: حقل الأشواك، الجحيم، جهنم المتدحرجة، السور الواقي، رحلة بالألوان، المسار الحازم، فارس الليل، قوس قزح، السهم الجنوبي، الطريق الحازم، أول الغيث، أيام الندم، انفجارات بلا حدود، الواقي الأمامي، رياح خريفية، الحديد البرتقالي، سيف جلعاد، أمطار الصيف، الشتاء الساخن.


 


ويبدي جنرالات إسرائيل اهتماماً كبيراً باختيار الأسماء التي يطلقونها على حملات القمع والتنكيل ضد الفلسطينيين، على أمل أن تخلق هذه الأسماء قدراً من الردع حتى قبل أن تنتهي مهمتها.


 


لا يمكن الحديث عن دلالة عبارة «الرصاص المنصهر» دون النظر إلى أن القيادة الحالية للجيش الإسرائيلي مثقفة بمفاهيم أقرب ما تكون إلى «الثقافة العسكرية النازية»، ومن بينهم: «غابي أشكنازي» رئيس الأركان، ونائبه «يتسحاق هيرئيل»، وقائد المنطقة الجنوبية «يوآف غلانت» وغيرهم، حيث تبرز لديهم ظاهرة لافتة تتمثل بإعادة الفاعلية والأهلية والمرجعية لقيادات تتصف بالاندفاع وروح المغامرة وشهوة العدوان والقتل، أي ظاهرة العودة إلى خمسينات وستينات القرن الماضي.


 


ورغم تعدد أسماء العمليات ودلالاتها العسكرية، فقد أقرت التجربة بفشلها في القضاء على المقاومة، ومن ذلك ما قاله رئيس جهاز الاستخبارات العسكرية السابق الجنرال «أهارون زئيفي فركش» أن الحديث عن القضاء على المقاومة مجرد وهم، معترفاً بأن العمليات الحربية التي يقوم بها الجيش مفيدة لتقليص عمليات المقاومة، أو الحد من انتشارها، أو تضييق الخناق عليها، ولكن في النهاية تبيّن أن المقاومة «بئر بلا قاع»، لا يمكن القضاء عليه بالوسائل العسكرية وحدها، مهما تعددت أسماؤها.


 


وأضاف: نعمل ليل نهار لتدمير براميل البارود التي تنتجها حركات المقاومة، ولكن علينا الاعتراف بأنه كلما دمرنا برميلاً، يفتح أمامنا برميل آخر، وكلما احتللنا منطقة يطلق منها باتجاهنا صواريخ القسام، ندفع المقاومين لتحسين إنتاج الصواريخ لتصبح ذات مدى أبعد! ترى عن أي رصاص منصهر يتحدث الإسرائيليون؟


 


إخفاق الذراع الطويلة


بات واضحاً أن تكليف سلاح الجو الإسرائيلي بـ«صهر الرصاص»، جاء بعد يقين ضباط هيئة أركان الجيش بأن باقي الأذرع والوحدات عاجزة عن إيجاد حل لمعضلة المقاومة في غزة.


 


ورغم أن عدداً من قيادات الجيش الإسرائيلي يعتقدون أن سلاح الجو أثبت قدرات «هائلة» في الحرب، إلا أن الكثيرين يحذرون من المبالغة في التوقعات المرجوة منه، خاصة أنه منذ اندلاع العملية العسكرية ضد غزة، افترض قادة الجيش والدولة على حدٍّ سواء أن هذه هي اللحظة الكبرى لسلاح الجو، الذي يفترض أن يضع حدّاً لتهديد صواريخ القسام على إسرائيل، بعد أن جمع له جهاز الشاباك معلومات استخبارية باهظة القيمة، جُمعت قطعة قطعة، فضلاً عما سيحققه من أهداف ذات قيمة استراتيجية وتكتيكية للذراع الجوية الطويلة.


 


ولعل التحدي الأكبر الذي سيواجهه سلاح الجو يتمثل في الأهداف التي وضعت له، سواء المتعلقة بوقف الصواريخ، أو إسقاط حكم حماس في غزة، وهي أهداف من الصعوبة بمكان أن ينفرد سلاح واحد بتحقيقها دون مشاركة كافة أسلحة الجيش الأخرى، اللهم إلا إذا كان المقصود الاكتفاء بالضرب بآلة تدميرية هستيرية، وإحداث أكبر قدر ممكن من الأضرار البشرية والاقتصادية وتدمير البنية التحتية، تطبيقاً للمبدأ الساري في إسرائيل حالياً المعروف باسم «عقيدة الضاحية»، ولذلك استخدمت إسرائيل في حربها الحالية ضد حماس «عصا جوية»، وتركز القصف على عشرات المباني.


 


سباق مع الزمن


 


فيما أطلق الجيش الإسرائيلي على عمليته «الرصاص المنصهر»، أطلقت حماس أسماء ذات دلالات هامة على عملياتها، من أهمها: ثقب في القلب، السهم الثاقب، أيام الغضب، زلزلة الحصون، الوهم المتبدد، براكين الغضب، غضب الفرسان، وفاء الأحرار، وأخيراً «بقعة الزيت».


 


ولم يعد سراً أن المقاومة الفلسطينية، وتحديداً كتائب القسام، تخوض مع الجيش الإسرائيلي سباقاً مع الزمن، بحيث إن الطرف الذي سيعلن ألمه ووجعه من «لعبة عض الأصابع» التي يشهد عليها العالم كله، سيخسر بالضربة القاضية، وبالتالي سيكون الأضعف على فرض شروطه لما يقال إنه تهدئة ستأتي حتماً بعد انتهاء العملية العسكرية الحالية.


 


ولم يأت مفاجئاً أن تصل صواريخ القسام مدينة أسدود التي تبعد عن غزة أكثر من ثلاثين كيلومتراً، لتكون الهدف الجديد لها، بعد أن باتت مدينتا سديروت وعسقلان أهدافاً قديمة.


 


أخيراً.. فإن الإشكال الأكبر الذي سيواجه قيادة الجيش والحكومة في تل أبيب بعد انقضاء هذه العملية، هو الاعتقاد السائد بأنه طالما بقيت صواريخ حماس تتساقط، فلن يكون هناك انتصار، ولن «ننتصر» حتى يتوقف إطلاقها، بعد أن اعتقدوا أن سلاح الجو سينهي المسألة خلال ساعات، مما حدا «إيهود أولمرت، وإيهود باراك، وتسيبي ليفني» إلى أن يتحدثوا في مؤتمرهم الصحفي بعد انطلاق العدوان على غزة بعبارات ملؤها «العجرفة والغطرسة» بقولهم: «إن إسرائيل ستنتصر في هذه المعركة، وستحظى بإنجازات غير مسبوقة، وستنجح بصورة مؤكدة في تغيير الوضع في قطاع غزة»، لكن سيتضح بعد أيام وأسابيع أنها عبارة كُتبت على الجليد، بعد أن تنجح «بقعة الزيت» في أن تطفو على «الرصاص المنصهر».


 


الحديث لا يدور عن تحقيق انتصار كاسح لحركة حماس على إسرائيل، فالضربة لا شك قاسية ومؤلمة، لكن عشرين عاماً من الحرب الضروس بين الجانبين كفيلة بإعطاء الإجابة التاريخية، وليس الآنية، عن حقيقة أن فكرة المقاومة باقية، في حين أن الاحتلال والعدوان زائلان لا محالة، حتى لو دعما بأسباب القوة الأميركية، والتنسيق الأمني من ذوي القربى!


بقلم: عدنان أبو عامر  

مقالات ذات صلة