عين على العدو

الحرب التي لم تكن

الخطر الاكبر يكمن في تصديق الجيش الاسرائيلي انه قد انتصر في هذه الحرب، بينما لم تحدث حرب بالمرة. اصوات الرضى والثناء من نتائج الحرب، التي تتردد وتتعالى من القيادة العليا في الجيش الاسرائيلي، قد تقود الجيش الى استنتاجات خاطئة. خلافا لما يظهر في وسائل الاعلام الاسرائيلية، التي تقول ان الجيش الاسرائيلي تصرف بصورة شبه مثالية في هذه الحرب واستخلص العبر من حرب لبنان – لم تجر في الواقع معركة واحدة حتى خلال ايام الحرب الـ 22.


 مقاتلو حماس لم يحاولوا بالمرة منع الجنود الاسرائيليين من التقدم خلال زحفهم الى داخل قطاع غزة، وفضلوا الانسحاب من دون معركة. التحدي الذي واجهه الجنود خلال تقدمهم نحو مدينة غزة لم يكن قائما، كما حذرت القيادة العليا قبل الخروج للعملية، والمعارك المباشرة وجها لوجه مع مقاتلين مسلحين حتى رؤوسهم وجاهزين للانتحار لم تحدث، بل كانت هناك حاجة لاكتشاف اماكن الكمائن والعبوات الناسفة، وبين الحين والاخر القضاء على قناصة منفردين هنا وهناك. هذه ليست حربا وهذه حتى ليست بالمعركة الحقيقية.


 ليس هناك اي تشابه بين القتال الذي خاضه الجيش الاسرائيلي في اطار “الرصاص المصهور” وبين ما حدث ابان حرب لبنان الثانية. من هنا ليس هناك اساس للادعاء بان القتال في غزة يبرهن على ان الجيش الاسرائيلي قد استخلص العبر من تلك الحرب. صحيح ان الجنود كانوا مسلحين بصورة افضل وان القادة كانوا في الميدان وليس في المكاتب المغلقة، واستخبارات الميدان كانت اكثر نجاحا مما كانت عليه في 2006. الا ان كل هذه الامور لا تغير حقيقة ان ما حدث في غزة كان في الواقع حملة عسكرية خلاصتها تقدم القوات في ارض معادية مأهولة بسكان كثيرين من دون مقاومة عسكرية.


 قرار القيادة العليا كان مع بداية العملية البرية، تجنب المخاطرة بحياة الجنود حتى وان تسبب ذلك بالحاق اذى فادح في السكان المدنيين. هذا سبب استخدام الجيش الاسرائيلي لقوة نارية مكثفة خلال عملية التقدم في عمق غزة. وكما قال قائد كتيبة جفعاتي ان كان هناك خوف من وجود بيت مفخخ، حتى وان اتضح لشدة الاسف ان به مدنيين – يتوجب اطلاق النار وتدميره من اجل التاكد من كونه مفخخا، وبعد ذلك يصبح من الممكن التقدم نحوه. من دون التطرق الان لاخلاقية مثل هذا القتال، لم تحدث بسبب هذا النهج المتبع حوادث تستوجب الانقضاض على منازل يكمن فيها مقاتلو حماس.


 النتيجة الاخرى لهذ الاسلوب كانت عملية تدمير واسعة وقتل لمدنيين كثيرين – ثلثي القتلى الفلسطينيين كانوا من المدنيين وفقا لمعطيات الجيش الاسرائيلي. كما انه وبرغم القرار المسبق، لم يقع مقاتلو حماس في الاسر تقريبا، والمعتقل الذي اقيم من اجل استيعابهم بقي فارغا تقريبا.


 سلاح الجو هو الاخر حظي بثناء كبير، وسائل الاعلام توجته باكاليل الغار باعتبار انه قد برهن على انه سلاح الجو الافضل في عملية “الرصاص المصهور”. ليس هناك خلاف حول جودة سلاح الجو، ولكن سيكون من الخطأ الجسيم تصديق مثل هذا الادعاء وفقا لمقاييس عملياته في غزة. الطائرات تحركت في اجواء من دون دفاعات جوية، وتمتعت بتفوق جوي مطلق. التحليق نحو غزة والقاء القذائف التي كان الجزء الاكبر منها “دقيقا” والتي يمكن القاءها من مسافة بعيدة نسبيا، ليس بالمهمة المعقدة. التحليق في سماء غزة يشبه التحليق في اماكن التدريب والتي هي مسألة يقوم بها كل طيار عشرات المرات في كل عام.


 من الاجدر بالجيش الاسرائيلي ان ينظر لاداء الجيش في عملية “الرصاص المصهور” بصورة متناسبة وتواضع مطلوبين. الحرب لم تحدث هنا.


هآرتس

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى