عين على العدو

أولمرت و”خطة الإنطواء”

 


في لقائه المتلفز بمناسبة عيد الفصح، أعاد أولمرت التذكير بأنه لم يفارق خيار فرض الرؤية الإسرائيلية من طرف واحد، وأعلن أنه سيسعى حتى نهاية العام، إلى إحراز تفاهم مع الفلسطينيين. وأضاف: أما إذا تبين أن الأمر غير ممكن، فإننا سنعود إلى تطبيق الحل من طرف واحد، (وكأنه أوقفه من الناحية العملية). وهذا يعني العودة لاستكمال ما كان شارون قد بدأه في غزة، أي العودة إلى تنفيذ “خطة الانطواء” من طرف واحد في الضفة، الخطة التي أرجأها أولمرت بعد فشل عدوان تموز 2006، وقال آنذاك: “إنها لم تعد أولوية”.


كأنَّ أولمرت يقول: إما أن يقبل الفلسطينيون بخطتي، أي “خطة الانطواء” في الضفة، وإما أن يجري تطبيقها من طرف واحد، وفي هذا تفسير لإصرار حكومة أولمرت على الفصل بين قبول التفاوض مع الفلسطينيين، وبين ما يجري من عمليات مصادرة واستيطان وتهويد مسعورة للأرض، أي الفصل بين عملية التفاوض وبين قضايا اللاجئين والقدس والحدود والمياه.


وهذا أمر لم يخْفِهِ شارون، وأولمرت مجرد تلميذ ضعيف له. ففي صحيفة “هآرتس”، بتاريخ 6-10-2004، قال دوف فايسغلاس، الناطق باسم شارون:


“تكمن أهمية خطة الانفصال (عن غزة) في أنها تجمد عملية السلام. وأنت عندما تجمد هذه العملية تحول دون قيام دولة فلسطينية، وتحول دون مناقشة قضية كل من اللاجئين والحدود والقدس. وعملياً، فإن كل هذه الرزمة المسماة دولة فلسطينية، بكل ما تتضمنه، أُزيحت كلها إلى أجل غير مسمى من جدول أعمالنا. وكل ذلك بمباركة رئاسة الولايات المتحدة وإقرار من الكونغرس بمجلسيه”.


كل ما تقدم، يحيل بوضوح تام، وبصورة لا تقبل التأويل أو الجدل، إلى الخيار الليكودي، و”كديما” أحد طبعاته، في التعامل مع القضية الفلسطينية عموماً، ومع المستقبل السياسي للأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 تحديداً.


وحول الخيار الليكودي والخيارات الأخرى، في التعامل مع القضية الفلسطينية، يقول رابين في خلاصة مذكراته:


“إن القضية الفلسطينية المعقدة غير قابلة للحل حلاً مثالياً، فهذه المأساة الإنسانية قد خلقتها الدول العربية قبل 32 عاماً عندما رفضت مشروع التقسيم الصادر عن منظمة الأمم المتحدة وواصلت النضال ضد وجود دولة إسرائيل، ولكن مهما كانت الجهة المسؤولة عن هذه القضية، فإنه يتوجب على إسرائيل أن تشارك بصورة فعالة في البحث عن حل للمشكلة التي إن لم يتم التوصل إلى حل لها فإن من المستحيل التوصل إلى سلام شامل في منطقة الشرق الأوسط”.


بعد تأكيد أن إسرائيل غير مسؤولة عن القضية الفلسطينية، وأن تعاملها معها ناجم عن كونها مشكلة تعيق التوصل إلى السلام الشامل، يقول رابين:


“هنالك ثلاثة خيارات لحل القضية الفلسطينية، الأول الذي يدعو إليه المتطرفون الفلسطينيون، وخاصة منظمة التحرير الفلسطينية، وهو إقامة دولة فلسطينية ذات سيادة في الضفة الغربية وقطاع غزة، والثاني الذي تدعو إليه حكومة بيغن، وهو يقضي بمنح العرب المقيمين في الضفة والقطاع الحق في إدارة شؤون حياتهم في ظل سلطة للحكم الذاتي على أن يمنح هؤلاء السكان الاختيار بين الجنسية “الإسرائيلية” أو الاحتفاظ بالجنسية الأردنية…..وبموجب هذه الخطة ستكون الضفة والقطاع جزءاً لا يتجزأ من دولة “إسرائيل” ذات السيادة، وكان مناحيم بيغن وافق في كامب ديفيد على أن يطبق مشروع الحكم الذاتي لمدة انتقالية تجري خلالها مفاوضات حول التسوية النهائية، ولكن موقف حكومته كان ينص على أن الحكم الذاتي يجب أن يكون الحل الدائم للقضية الفلسطينية، أما الخيار الثالث الذي أؤيده ويتمسك به حزب العمل فهو أن الحدود الأصلية “لأرض إسرائيل” الانتدابية (التي تضم “إسرائيل” والضفة الغربية وقطاع غزة والمملكة الأردنية) يجب أن لا تضم أكثر من دولتين هما “إسرائيل” ودولة أردنية- فلسطينية تضم أجزاء كبيرة من الضفة الغربية وقطاع غزة، وخاصة المناطق المزدحمة بالسكان، وأن الدولة الأردنية- الفلسطينية يجب أن تمنح الفلسطينيين حقوقاً خاصة بالشكل الذي يختارونه ليعبروا عن حقهم في تقرير المصير”.


أما حول المشترك في خياري “العمل” و”الليكود” ودوافعهما لحل القضية الفلسطينية، فيقول رابين:


“على الرغم من اختلاف وجهات النظر بين حزبي الليكود والمعراخ حول موضوع حل القضية الفلسطينية، فإنهما يعارضان بشدة إقامة “دويلة” فلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة……”، بل ويضيف:


“لقد كان من الممكن أن لا تهتم إسرائيل بالسياسة الفلسطينية الداخلية لولا إعلان زعماء منظمة التحرير الفلسطينية مرحلة أولى نحو إقامة فلسطين العلمانية والديموقراطية…..”


هذا المشترك بين “العمل” و”الليكود” برأي رابين، وهو الأقدر بالتأكيد على تحديده، هو جوهر سياسة ائتلاف “العمل” و”كديما” الليكودي الأصل، كسياسة طبّقَ شارون شقها المُتعلق بغزة بتأييد من “العمل”، فيما تُنفذ جرافات ائتلاف “العمل” و”كديما” شقها المُتعلق بالضفة على الأرض، إنما مع غطاء مفاوضات سياسية، ترفض حكومة اولمرت- باراك ربطها بوقف سياسة مصادرة الأرض والاستيطان والتهويد. وقد جاءت الحماقة الفلسطينية بفصل غزة عن الضفة في حزيران 2007، لتعطي سياسة الإجماع الإسرائيلي، كما أوردها رابين وينفذها أولمرت-باراك، دفعة إلى الأمام، بل دفعة نوعية قوية، أجزم بأن لا رابين ولا شارون ولا أولمرت ولا باراك ولا حتى أيٍ من قادة إسرائيل كان يحلم بوقوعها.


مع هذا الإجماع السياسي الإسرائيلي، الذي تنفذه الجرافات الإسرائيلية على الأرض، ويحظى بدعم أمريكي يكاد يكون مطلقاً، ودون إعادة اللحمة للصف الوطني الفلسطيني، تبقى السياسة الفلسطينية، بلغتيها الدبلوماسية (المفاوضات) والعنيفة (المقاومة)، محدودة التأثير والفعل، ولن تفضي، في أحسن الأحوال، إلى أكثر من إحراز ما هو تكتيكي مِن قبيل: إحراز “تهدئة” مع الدبابات الإسرائيلية أو فتحٍ للمعابر في غزة أو رفعٍ للحصار عنها، إنما مع استمرار الجرافات في رسمِ المستقبل السياسي للضفة والقدس، وفرضِ المضمون الإسرائيلي للسلطة الفلسطينية في الأراضي المحتلة عام 1967، كما سجله (المضمون الإسرائيلي) رابين في مذكراته، وكما هدد أولمرت بالعودة إلى استكمال تنفيذه من طرف واحد في الضفة، وجاء فصل غزة عن الضفة بأيدٍ فلسطينية ليضعف الطاقة الفلسطينية عن مواجهته، بالمعنيين السياسي الدبلوماسي والسياسي المقاوم.


فبفك الارتباط الأحادي مع غزة؛ وبالترجمات الواقعية لـ”خطة الانطواء” في الضفة؛ وبارتقاء الانقسام الفلسطيني الداخلي إلى مستوى فصلِ غزة عن الضفة، يصبح مفهوما حشْر الطموح الفلسطيني في بوتقة إحراز “تهدئة” مع الدبابات، أي تجنب سياسة القتل. وهنا حرِيُّ التذكير بما أورده أرنون سوفير، أستاذ الجغرافيا في جامعة حيفا، في صحيفة “الجروزيلم بوست” بتاريخ 10-5-2004:


“وهكذا إذا أردنا أن نبقى أحياء علينا أن نقتل ونقتل ونقتل طوال اليوم، وفي كل يوم (….) إذا لم نقتل سينتهي وجودنا (……) الانفصال من جانب واحد لن يضمن “سلاماً”، وإنما دولة صهيونية-يهودية ذات أغلبية يهودية ساحقة”. وهذا هو جوهر سياسة أولمرت، التي استقاها من سلفه شارون، وعاد يهدد بالعودة لاستكمال تنفيذها على الأرض من طرف واحد في الضفة.

مقالات ذات صلة