في العمق

الدور الأوروبي الجديد في المنطقة بعد حرب غزة

      


 تفيد التحركات الدبلوماسية الجارية حالياً لجهة أن الاتحاد الأوروبي سيلعب دوراً أكبر في إدارة أزمات الشرق الأوسط وتشير المعلومات والوقائع الأوروبية بأن الاتحاد الأوروبي والدول الأوروبية قد بدأت بالفعل أولى خطواتها لجهة القيام بدور فاعل في الشرق الأوسط، وعلى ما يبدو فإن الدور الأوروبي القادم سوف لن يتميز بالسلاسة والسهولة وذلك بسبب المصاعب والعقبات الكثيرة التي خلفتها العلاقات الأوروبية – الإسرائيلية والعلاقات الأمريكية – الإسرائيلية إضافة إلى إرث فترة الحرب الباردة.


* الدور الأوروبي الجديد في المنطقة على خلفية أزمة غزة:


أخذت التحركات الأوروبية بعداً مركباً لجهة التعامل مع تصاعد أزمة غزة التي أفرزتها العملية العسكرية الإسرائيلية وتداعيات الحصار الإسرائيلي الطويل الذي فرضته تل أبيب على القطاع، هذا، وقد تضمن البعد المزدوج للتحركات الأوروبية تحركات من طرف واحد تمثلت في دبلوماسية ساركوزي وغيره من القادة الأوروبيين الذين بادروا بالمساعي لحل الأزمة، وتحركات متعددة الأطراف تمت على مستوى الإطار المؤسسي الأوروبي المتمثل بالاتحاد الأوروبي.


الجهود والمساعي الأوروبية تبلورت في نهاية الأمر، أو بالأحرى حالياً، في الأبعاد المركبة الآتية:


• الضغوط الأوروبية على إسرائيل من أجل فتح المعابر الحدودية، بما يسمح بتمرير المساعدات والمعونات للفلسطينيين داخل القطاع وتقول المعلومات أن مفوضية الاتحاد الأوروبي قد قدمت لوزيرة الخارجية الإسرائيلية وجهة النظر القائلة أن وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه ما يزال يتميز بالهشاشة والقابلية للانهيار، وبالتالي لابد من المزيد من الجهود الهادفة لتعزيز وقف إطلاق النار لجهة تأمين ضمانة استمراريته لفترة أطول، فعلى إسرائيل أن تستجيب للتعاون مع هذه الجهود عن طريق فتح المعابر، بما يتيح للأوروبيين والمجتمع الدولي توصيل المساعدات لإنهاء معاناة السكان الفلسطينيين الموجودين داخل القطاع.


• الضغوط الأوروبية على مصر من أجل اتخاذ الإجراءات اللازمة لوقف تهريب الأسلحة إلى قطاع غزة. وتقول المعلومات بأن اجتماع شرم الشيخ قد كرسه القادة الأوروبيون من أجل إقناع القاهرة بضرورة الوقوف إلى جانب وجهة النظر الأوروبية الهادفة لحرمان القطاع من تدفقات السلاح والعتاد العسكري، ودفع الفلسطينيين إلى اعتماد الوسائل الدبلوماسية بدلاً عن الوسائل العسكرية لحل مشاكلهم مع إسرائيل.


• الضغوط الأوروبية على الفلسطينيين من أجل حل الخلافات الفلسطينية – الفلسطينية وتكوين حكومة الوحدة الوطنية، التي تمثل جميع الفلسطينيين بما يجعلها قادرة على كسب مصداقية جميع الأطراف المحلية والإقليمية والدولية. وتقول المعلومات والتسريبات بأن الضغوط الأوروبية الأخيرة على الفلسطينيين تضمنت محاولة الأوروبيين اشتراط وربط تقديم المساعدات الأوروبية بتكوين حكومة الوحدة الوطنية وبكلمات أخرى إذا لم ينجح الفلسطينيون في ذلك فإن الاتحاد الأوروبي لن يلتزم بتقديم المساعدات.


حتى الآن، وبحسب المعطيات الميدانية، فإن الضغوط الأوروبية لم تحقق النجاح المطلوب فإسرائيل ما تزال أكثر تمسكاً بعدم فتح المعابر طالما أن حماس لم تذعن للشروط التي أضيف إليها شرط جديد هو إطلاق سراح جيلعاد شاليط. وبالنسبة لمصر، فإنها ما تزال تؤكد على موقف يتضمن جانبين إزاء ملف الحد من تدفقات السلاح، الجانب الأول هو موافقة القاهرة على ضرورة عدم السماح بذلك، والجانب الآخر هو رفض القاهرة استضافة أي طرف دولي على أراضيها للقيام بعمليات المراقبة.


بالنسبة للضغط الأوروبي على الفلسطينيين فإنه حتى الآن برغم تصريحات قادة حماس وفتح وبقية الفصائل، لم تتجاوز مرحلة “النوايا الطيبة” ومحاولة الظهور أمام الرأي العام بمظهر الحريص على الوحدة الوطنية الفلسطينية، وعلى ما يبدو أو بالأحرى ما هو موجود فعلاً يتمثل في التداعيات القاسية للصراع الفلسطيني – الفلسطيني وهي تداعيات تجاوزت مرحلة السطح وتغلغلت في الأعماق، ليس العلاقات البينية الفلسطينية – الفلسطينية وإنما إلى عمق الفصائل والمنظمات الفلسطينية على النحو الذي تضمنت بعداً معرفياً ابستمولوجياً تمثل في الخلافات المذهبية الفلسطينية – الفلسطينية. بكلمات أخرى، فقد اختلفت حتى الرهانات الفلسطينية ما بين أطراف ألقت بكل قواها وراء الرهان على الحل الإسلامي للقضية الفلسطينية، وأطراف أخرى راهنت على الحل العلماني، وهذه تفرعت إلى العديد من الاتجاهات والتي لم تعد قليلة بل من الممكن تمثيلها ضمن تخطيط مشجرة بالغة التعقيد ما بين أطراف تقول بحرب التحرير الفلسطينية وأخرى تقول بالحرب الثورية وأخرى ذهبت مذاهب شتى كثيرة أخرى.


* خلفيات الدبلوماسية الأوروبية الوقائية الجديدة:


خلال الأشهر الماضية، دار خلاف فكرى كبير بين الأطراف الأوروبية الموالية لإسرائيل والأطراف الأوروبية ذات النزعة الاستقلالية وقد اشتركت في هذا الخلاف بعض مراكز الدراسات الإسرائيلية والغربية والأمريكية التابعة لمنظمات اللوبي الإسرائيلي:


• مركز أورشليم للشؤون العامة (إسرائيل).


• مركز الدراسات البريطاني – الإسرائيلي (بريطانيا).


• معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى (واشنطن).


تقول سردية الخلاف، بأن الأطراف الأوروبية ذات النزعة الاستقلالية بدأت تنظر لملف حل أزمة الحزب الجمهوري الإيرلندي كنموذج يتوجب الاحتذاء به لحل أزمة حماس، فقد سعت بعض مراكز الدراسات الأوروبية إلى وصف قيام لندن بالتعامل المباشر مع الحزب الإيرلندي بدلاً عن دبلوماسية القطيعة التي ظلت لندن تبررها على خلفيات مزاعم أن الحزب هو منظمة إرهابية جب عدم التعامل معه. بأنه أسلوب أثبت النجاح في القضاء على خطر الإرهاب، وبالتالي فإنه يتوجب على المفوضية الأوروبية التفاهم مع واشنطن وتل أبيب على ضرورة التعامل مع حماس بدلاً من القطيعة معها، وفي حالة عدم اقتناع واشنطن وتل أبيب بذلك، فإن على المفوضية الأوروبية عدم التقيد بالرفض الأمريكي والإسرائيلي والقيام بالتعامل المباشر مع الحركة على أمل أن يؤدي ذلك إلى النجاح ولحاق واشنطن وتل أبيب بقطار التفاهمات على خط بروكسل – حماس.


 


رفضت تل أبيب ومن وراءها واشنطن بشدة فكرة تعميم تطبيق نموذج دبلوماسية لندن إزاء الجيش الجمهوري الإيرلندي على حركة حماس الفلسطينية، وركزت وجهة النظر الإسرائيلية – الأمريكية على أن حماس تختلف بشكل تام عن الجيش الإيرلندي فحماس حركة إسلامية سنية والجيش الإيرلندي مسيحي كاثوليكي، وعنف حماس يستهدف كل اليهود الموجودين في العالم، أما عنف الجيش الإيرلندي يستهدف الحكومة البريطانية، وبدرجة أقل البروتستانت البريطانيين .


تقول المعلومات والتسريبات أن محاولات غوردون براون ووزير خارجيته ميلباند إضافة لساركوزي هي تحركات تستند على القناعات الأوروبية التي تشكل الإدراك الأوروبي الجديد.


 


وحالياً، وبفعل تأثير أزمة غزة، وصعود ملف حركة حماس إلى طاولات الاتحاد الأوروبي فد ظهرت خلافات دبلوماسية أوروبية – أوروبية، يمكن الإشارة إليها على النحو الآتي:


• موضوع الخلافات: كيفية التعامل مع حركة حماس.


• نطاق الخلاف: بين حلفاء إسرائيل الذين يقودهم الرئيس التشيكي توبولانيك الذي يتولى رئاسة الاتحاد الأوروبي حالياً، ومعه الرئيس البولندي في مواجهة الرئيس ساركوزي الذي يحاول دفع المساعي للتفاهم مع السلطة الفلسطينية بغض النظر عن المسيطر عليها طالما أنها جاءت إلى السلطة بشكل ديمقراطي. وتقول آخر المعلومات بأن اقتراح الرئيس الفرنسي لم يجد المساندة الكافية في اجتماع الأمس بسبب معارضة الرئيس التشيكي وبقية حلفاء إسرائيل المسيطرين على الأمور في دول أوروبا الشرقية الصغيرة التي انضمت إلى الاتحاد مؤخراً.


من المتوقع أن لا تتوقف مسيرة الدبلوماسية الأوروبية الإيجابية إزاء التعامل بعدالة وتكافؤ مع أطراف الصراع العربي – الإسرائيلي ونتوقع أيضاً، أن تتسع دائرة النزعة الاستقلالية الأوروبية بما يتيح للزعماء الأوروبيين الجدد استبدال حماسهم المنقطع النظير لمحور واشنطن – تل أبيب بالحماس المنقطع النظير لمسيرة الاستقلالية الأوروبية وعلى هؤلاء الزعماء أن يدركوا أيضاً أن الرئيس الفرنسي الذي عارضوه كان هو نفسه يتملكه الحماس المنقطع النظير لتوجهات محور واشنطن – تل أبيب ولكنه بعد صعوده إلى قصر الإليزيه ومواجهة المشاكل أصبح أكثر ميلاً للتخلي عن جدول أعمال السياسة الخارجية المثالية والانتقال بها إلى الواقعية التي تقوم على التفاهم والجولات الميدانية المباشرة لموقع الحدث.

مقالات ذات صلة