عين على العدو

آخر ما تفكر به إسرائيل!! .. جون أفريك

 


    بالتأكيد لا يمكن القول إلا أن الحرب الإسرائيلية على غزة هي ضرب من الجنون إنها نتاج مجتمع متقلب عاجز عن كبح جماح غطرسته العسكرية والتخفيف من جنون العظمة الدائمة لديه.


 


ونتائجها على المدى الطويل ستكون بالتأكيد مؤلمة عليها وإن الحرب الوحشية التي أثارت غضب الشارع العربي والإسلامي قد قضت على أي إمكانية لتقبل إسرائيل واندماجها في المنطقة على أقل تقدير في المستقبل المنظور، وذلك هو الهدف أي ليس التعايش السلمي بل الهيمنة.‏


 


وفيما كانت طائرات إف16 تحمل الموت والدمار لغزة كانت الرسالة المرسلة إلى العالم واضحة جلية وهي أن إسرائيل سوف تواصل العيش تحت حد السيف، كما دأبت على هذا الحال منذ ستين عاماً بدلاً من تقديم استحقاقات السلام. وبالتالي فإن الحرب أكدت ما كان واضحاً وهو أن ليس لإسرائيل مصلحة في إقامة سلام يجري التفاوض عليه لأن هذا يعني بالنسبة لها التوقف عن توسيع أراضيها ومد رقعتها الجغرافية ويكشف على ذلك استيلاؤها على معظم أراضي الضفة الغربية، وتوسيع المستوطنات وهدم المنازل العربية، وإقامة جدار الفصل وشق الطرقات المخصصة للمستوطنين وكذلك تضييق الخناق على الاقتصاد الفلسطيني من خلال إقامة المئات من نقاط التفتيش والإجراءات التنكيلية.‏


 


لقد كان السلام الضحية الأساسية لهذه الحرب لقد مات كما الأجساد المتمزقة المتناثرة في غزة، ووجهت إلى آفاق حل بإقامة دولتين طلقة الرحمة كما وتوقفت المحادثات غير المباشرة الإسرائيلية- السورية ودفنت في الأنقاض المبادرة العربية. وأحد الأهداف المرسومة لهذه الحرب دون أدنى شك هي منع الإدارة الأميركية الجديدة الانطلاق بمسيرة سلام هي في حال احتضار، فإزالة آثار الدمار الكارثية سوف تستغرق أشهر وكذبات وزيرة الخارجية كونداليزارايس في الإدارة الأميركية التي انتهت ولايتها والتي حمّلت حماس مسؤولية هذه الحرب ستكون شاهدة واضحة لأكثر وزارة خارجية أميركية غير مجدية في العصور الحديثة.‏


 


إن إسرائيل لم ترغب يوماً قط بفلسطينيين معتدلين لسبب بسيط هو إمكانية تقديم تنازلات لهم ومن أجل تجنب التفاوض معهم فضلت المتشددين تحت ذريعة كيف يمكننا التفاوض مع أولئك الذين يريدون قتلنا؟ علماً أن هذه كانت لازمة إسرائيلية رددتها جميع الحكومات فيها، ومن المحتمل جداً أن هذه الحرب صممت عليها إسرائيل بالتحديد لأن حماس أعطت إشارات اعتدالية حيث جاء على لسان معظم الناطقين باسمها قبولهم بفكرة إقامة دولة فلسطينية داخل حدود عام 1967 والإبقاء بعيداً عن ميثاق حركتهم الذي يعود إلى عام 1987 والداعي إلى القضاء على إسرائيل.‏


 


وفيما شكلت صواريخ القسام مأزقاً لتل أبيب التي وقفت عاجزة عن إيقافها دون التوقيع على هدنة أغضبت شعباً عمي بصره عن آلام غيره فإن هذه الصواريخ في واقع الحال لم تكن تعادل أكثر من وخزة إبرة والأرقام تتكلم عن نفسها في هذا الخصوص إذ لم يذهب ضحيتها أكثر من عشرين إسرائيلياً منذ انسحاب إسرائيل من أراضي القطاع عام 2005 وخلال نفس هذه المدة أبدت إسرائيل استخفافاً مذهلاِ حيال حياة العرب فقتلت أكثر من 2000 فلسطيني وبالتالي فإنها لم ترض أبداً بتلك الهدنة الموقعة مع حماس واختارت عدم الاحترام والالتزام ببنودها وبدلاً من فك الحصار على غزة، كما كان مفترضاً شددته إلى حد أحالت حياة أهالي غزة إلى جحيم لا يطاق ومن ثم خرقتها من جانب واحد في الرابع من تشرين الثاني حينما قامت بغارة قتلت العشرات من حماس وأرغمت حماس على الرد على هذه الغارة لتشكل هذه الحالة إعلان حرب.‏


 


وتعتبر الرغبة في إعادة تأكيد التفوق العسكري الإسرائيلي على الدول المجاورة لها السبب الأساسي لهذه الحرب هذا التفوق الذي تتطلع إليه إسرائيل منذ إنشائها، فالحرب تحذير موجه إلى حزب الله اللبناني ولسورية وإيران فكل منها يمكن أن يلاقي نفس العقوبة التدميرية التي تخضع إليها غزة حيث تحتل نظرية الردع الإسرائيلية قلب المذاهب الأمنية في إسرائيل فهي تريد أن تضرب دون أن تلقى رداً على ضربتها تريد أن تحمي نفسها وتستخدم القوة الوحشية وتعترض في نفس الوقت على مسألة التوازن الاقليمي للقوى والذي بدوره يجبرها على الاعتدال في أفعالها، ففي غضون السنوات الأخيرة.أصاب حزب الله القدرة الرادعة الإسرائيلية في مقتلها وكذلك فعلت حماس، فقد فشلت إسرائيل في تحقيق أهدافها خلال حرب تموز عام 2006 وكذلك الآن فشلت في وقف صواريخ حماس وقبلها اضطرت إلى التوقيع على هدنة معها، والأخطر من هذا وذاك هو تحمل الولايات المتحدة للضغوط من أجل شن حرب على إيران حيث برنامجها النووي تعتبره إسرائيل تهديداً لوجودها ففي حال امتلكت إيران القنبلة النووية فإسرائيل حينها لن تستطيع ضرب الدول المجاورة لها.‏


 


وطوال فترة الهدنة بين حماس وإسرائيل والتي بدأت في 19 حزيران المنصرم لمدة ستة أشهر دأب وزير الحرب الإسرائيلي إيهود باراك على التخطيط للحرب فآخر شيء تفكر فيه إسرائيل هو أن تمتلك حماس ولو قوة ردعية بسيطة، وهذاما أراد باراك قوله حينما صرح قائلاً إن هدفه هو «تغيير قواعد اللعبة كلياً» فالصمود في وجه إسرائيل ولو بالحد القليل ليس مسموحاً وحماس ينبغي أن يقضي عليها وتجتث من غزة.‏


 


وخلال الانتخابات الإسرائيلية المقبلة المقررة في 10 شباط سوف تفصح نتيجة الحرب إن كان باراك المهندس القاتل لتلك العملية ضد غزة وحزبه حزب العمل سوف يقطفان ثمارها أمام تسيبي ليفني من حزب كاديما ونتنياهو من حزب الليكود، وبالتالي فإن الحرب شكلت مناورة استراتيجية انتخابية في يد ليفني وباراك بغية زيادة فرص كسب الانتخابات وتقليل فرص نتنياهو عن الفوز بها.


 


وفي الواقع لقد أعطى المسؤولون الإسرائيليون جميعهم الضوء الأخضر للانطلاق في هذه العملية وجميعهم ثملى من نشوة القدرة العسكرية الإسرائيلية وجميعهم تقر أعينهم الأعداد المتزايدة من الضحايا الفلسطينيين وأي منهم لا يريد أن ينظر في استحقاقات السلام الحقيقي وربما لا أحد منهم يعتقد أن جرائم إسرائيل سوف تنسى يوماً ما أو يعفى عنها ولن يكون أمامهم بالمقابل من حل سوى الهروب إلى الأمام ومواصلة القتل.‏

مقالات ذات صلة