عين على العدو

«حماس» لأزمة غزة و«فتح» لباب حلها

 


 


تكاثرت الظباء على (حماس) *** فما تدري (حماس) ما تصيد


هذا تعديل طفيف على البيت العربي الشهير، الذي أصر على استخدام الظباء، وإلا فالظباء النواعم لم تتكاثر على حماس وقطاع غزة، بل السباع الكواسر من الداخل العربي والخارج الغربي ، فالذي يجري هذه الأيام في غزة من خزي الحصار وويلاته وعذاباته ونكباته باسم تضييق الخناق على حماس، هو فعلا أم الجرائم، لأنه وبكل بساطة عقاب جماعي حرمته كل الأديان والقوانين الدولية وأنظمة حقوق الإنسان العالمية.


ليمت الفلسطينيون في قطاع غزة جوعا، وليهلك مرضاهم في مستشفياتهم التي تفتقر إلى أبسط التجهيزات، وليحرموا من الغذاء والكهرباء والوقود، وليمت ألوف الأبرياء منهم، ولتترمل نساؤهم وليتيتم أطفالهم من جراء القصف الإسرائيلي العشوائي أثناء ملاحقة المقاتلين الفلسطينيين في القطاع، كل هذا حلال على الإسرائيليين، لأنه باسم الحرب على حماس (الإرهابية)، لكن حرام على الجسد الفلسطيني أن ينتفض باسم الألم والقهر والمرض والجوع، وأن يصرخ باسم رفع الظلم والضيم، ويعبر عن معاناة شعبه المقهور بقذائف بسيطة لم يتعد قتلاها في الإسرائيليين العشرين.


هذه الصواريخ التي وصفوها بالتنكية، علاوة على أنها صرخة مكلوم هي أيضا أسلوب فاعل في وخز المعتدي حتى يكف عن عدوانه وتوغلاته واغتيالاته وهذه هي اللغة التي يفهمها، ثم إن الأمر لا يتطلب أن تكون خبيرا في استراتيجيات الصراع حتى تدرك أثرها الكبير الذي تركته في إرباك الجانب الإسرائيلي وهز معنوياته وتقوية الموقف الفلسطيني، ومثل هذه «التنكيات» هي التي جعلت زعيما تاريخيا مثل الرئيس الأمريكي كارتر يقدر الوزن الحقيقي للحركة ويؤكد أنه ليس بالإمكان تجاهلها، وهي أيضا التي جعلت نائب رئيس الوزراء الإسرائيلي هذه الأيام ينزل من أبراج الغطرسة ليبادر لأول مرة بإبداء الرغبة في الجلوس والحديث مع قادة حماس (الإرهابية).


أعود إلى الأزمة الرهيبة التي يعاني منها الفلسطينيون في غزة، فأؤكد أنني لا أنظر إلى قطاع غزة من الثقب الحركي الضيق لفصيل فلسطيني اسمه حماس، ولكني أنظر من الزاوية المنفرجة الكبيرة إلى معاناة القطاع، الذي كان قدرا مقدورا أن تحكمه حركة حماس، وفرق بين الأمرين، هذا الفرق هو الذي فات على بعض ساسة العرب ومثقفيهم، الذين ما برحوا يصبون جام غضبهم على حماس وعلى صواريخها التي تطلقها على الجنوب الإسرائيلي.


حين كانت الضفة ترزح تحت الحصار في عهد الرئيس أبو عمار، رحمه الله، كان العقلاء ينظرون إلى الضفة من الأفق الواسع لمعاناة الفلسطينيين، ولم ينظروا إلى المعاناة من الثقب الضيق لشخصية ياسر عرفات المثيرة حينها للجدل، ولا لاجتهادات حركته التي تسيطر على السلطة الفلسطينية، وهذا ما نتمنى أن يتكرر في النظرة إلى معاناة شعبنا الفلسطيني هذه الأيام في قطاع غزة.


ثمة أمر آخر ساهم في تواصل معاناة قطاع غزة، وهو أننا معشر العرب ما برحنا نضيق بالاجتهادات والرأي الآخر، فحين أرادت حركة فتح ـ وهذا من حقها ـ تجريب رفع غصن الزيتون بدل البندقية بعد تاريخ نضالي مشرف وصلت تهم الفصائل الفلسطينية الجهادية لفتح وكوادرها وقادتها أحيانا إلى حد التخوين، وها هي حماس الآن لا تمانع في التهدئة والهدنة وحتى السلام ـ وهذا من حقها، فما الذي جعله حلالا لها حراما على غيرها؟ وقل ذات الشيء عن فتح وموقفها العدائي الشرس من حماس وأسلوبها في مقاومة المحتل، مع أن فتح ذاتها مارست كل أنواع العمل الفدائي، بل تجاوزت فتح شقيقتها حماس إلى الاغتيالات وخطف الطائرات والتفجيرات خارج فلسطين المحتلة، ولم تعتذر عنه وما برحت إلى الآن تسميه التاريخ النضالي، يا سادة ليس الخلاف مشكلة ففيه ثراء وتنوع، لكن حرام أن يستمر أهالينا في القطاع ضحية لخلاف حزبي ضيق.

مقالات ذات صلة