الأمن التقني

الجوال .. يدلل على مكانك

     الذين شاهدوا فيلم الشبكة لساندرا بولوك ، ورأوا كيف أمكن تحديد موقع الهاتف المحمول الذي تستخدمه البطلة في الاتصال بتقنية تعتمد على الإنترنت.. بدت لهم المشاهد التي تحكي هذه التفاصيل قريبة من الخيال العلمي، أو سلموا بها وهم متأكدون أنها تعتمد على تقنيات تملكها أجهزة استخبارات لا تبخل في الإنفاق عليها الدول، وتقصر استخدامها على دواعٍ أمنية أو حربية.


الآن هذه التقنية خرجت للنور في بريطانيا، تنتقل الآن لكل أوروبا لتنتشر منها لكافة أرجاء المعمورة، ولكن هذه المرة يمكنك أنت وهي وأنا من تحديد الأماكن التي يتواجد فيها حامل الهاتف النقال.. يعني “أخ أكبر” أو “Big brother” لا يمكن أن تخدعه وتدعي التواجد في مكان وأنت في مكان آخر.


وحسبما يقول كولن بايتس رئيس فريق التكنولوجيا في شركة “موبايل كوميرس” فإن كبريات شركات الهاتف النقال تقدم جميعها الآن خدمة تجارية يمكن عن طريقها إرسال أي رقم  هاتف نقال ليخبروك بمكان حامله؛ يعني خدمات تجسسية نظير مقابل، تمامًا كما نشاهد في الأفلام الأمريكية.


كنا سمعنا من قبل عن شبكة “أيشلون” الكونية التي تتشارك فيها دول العرق الأنجلوساكسوني مثل أمريكا وإنجلترا وأستراليا وكندا ونيوزلندا للتنصت على كل وسائل الاتصال بمختلف أنواعها لأغراض عسكرية و”عولمية”، ولم يستغربها البعض باعتبارها دول مارس معظمها الاستعمار الاسيتطاني، كما سمعنا عن نظام تحديد المواقع العالمي GPS الذي يستخدم سواء على النطاق العسكري أو المدني.


لكن أن يمارس كل منا دور الرقيب اللصيق على غيره عن طريق هاتفه النقال الذي يحمله، وغالبًا لا يتركه ـ   وإلا فقد ميزة أنه نقال ـ فهذا أمر عجيب ومثير، ومؤسف في نفس الوقت.


خدمات.. “  فالصو 


الذين يروجون لهذه الأساليب التجسسية يقولون: إن العائد من استخدامها سوف يكون مجديًا، والفوائد جمة، ويضربون لذلك عدة أمثلة منها:


أنهم يخططون لتقديم خدمة إلى الأسر في القريب المنظور تسمح للآباء الذين ينتابهم القلق على أولادهم أن يعرفوا مكان هؤلاء الأولاد، وذلك مقابل مبلغ شهري ثابت يتيح لأفراد الأسرة استخدامها لعدة مرات.


تحقيق الحلم الذي راود خيال البعض لسنوات عدة، وتمنوا لو ظهرت وسيلة يمكن من خلال استخدامها تحديد مكان الهواتف النقالة، وتأسيسًا على ذلك يمكن تقديم خدمات أخرى مثل التعرف على مكان أقرب نقطة صرف نقود أو مطعم أو دار سينما، أو غيرها من الأماكن العامة، وغني عن البيان أن خدمة كهذه تنطوي على كثير من الكسل والرفاهية التي لا تكل الدول المترفة عن توفيرها لمواطنيها؛ إمعانًا في عدم بذل أي مجهود لأدنى غرض، مع أن  هناك خريطة تسمى” جيب” يمكن أن تقوم بالمهمة.


تحقيق رغبة الشركات التي يوجد لديها أساطيل من السيارات، وترغب في مراقبتها ومعرفة أين يذهب مندوبو المبيعات والتسويق طوال اليوم، وإذا كانوا يتسكعون بالسيارات لأغراض أخرى لا تخدم العمل، وينتظر أن تكون هذه الشركات من أوائل المستخدمين لتلك الخدمة.


ومن نافلة القول هنا إنها خدمة تجسسية بامتياز، وتتماشى بدرجة كبيرة مع إرهاصات الدولة البوليسية التي بدأت تستشري في أوروبا بعد الولايات المتحدة الأمريكية على خلفية أحداث 11 سبتمبر تحت مظلة توفير الأمن.


ويقولون أيضًا: إن التجارب التي أجريت على نظام تحديد المواقع هذا أظهرت أنه فعَّال، ويمكن أن يساعد المطاعم والمقاهي ودور السينما… إلخ في شغل المقاعد الشاغرة، وكذلك المتاجر في جذب الزبائن عن طريق إرسال رسائل نصية إليهم عند معرفة أنهم بالقرب منها.


من جانبنا.. لا نرى فارقا يُذكر بينها وبين الإلحاح والمطاردة التي تمارسها جهات معينة لمستخدمي البريد        الإلكتروني في الترويج لمنتجاتها وخدماتها بإرسال رسائل لم يطلب منهم إرسالها، ولكنها تقتحم البريد اقتحامًا.


ومن الخدمات التي يرون أن تحديد مكان حامل الهاتف النقال سيكون مفيدًا فيها أنها ستسمح بمعرفة ما إذا كان أصدقاء المرء قريبين منه في الأماكن العامة والسياحية إذا كانت هناك رغبة في اللقاء بهم!


المهم في هذا الصدد أن التشريعات الخاصة بحماية سرية المعلومات الشخصية تقضي بعدم السماح بتتبع مكان الهاتف النقال إلا بموافقة صاحبه، ونذكر هنا أن تلك التشريعات تتآكل قدرتها على حماية خصوصية الأفراد إما بعدم التطبيق أو بالتراجع أمام القوانين الاستثنائية التي تشكل بشارات الدولة البوليسية.


وبرغم قائمة الحوافز السابق ذكرها لإسالة لعاب المستخدمين للإقبال على الموافقة للشركات الخاصة بتحديد أماكن التواجد عن طريق الهاتف النقال؛ فإن أكثرها إغراء لهم والذي يضاف للقائمة السابقة هو دغدغة رغباتهم بالتلويح بإمكانية رفع عبء الضرائب عن كواهلهم.


 إذ يمكن أن تساعد تلك الخدمات الحكومات في فرض رسوم للسفر على الطرق السريعة حسب المسافة التي تقطعها السيارات بدلا من تقاضي رسوم على مسافة الطريق كله.


 


الجيل الثالث.. وآفاق أخرى


هذه الصرعة الجديدة بدأت في الظهور بجهود ثلاث شركات بريطانية هي “Verilocation”، “Mobile Commerce” و“Garmin”، ومع ظهور أجهزة حديثة تعرف المكان الذي توجد فيه أنت، أصبح متوقعًا شيوع خدمات تحديد الموقع أكثر وأكثر في المستقبل؛ فهي خدمة وإن كانت ذات تكلفة عالية في البداية إلا أنه مع انتشارها ستصبح رخص التكلفة شبه مؤكدة؛ فأغلب المستخدمين حاليًا من المؤسسات التي يهمها تتبع حركة موظفيها عن طريق الهواتف النقالة، غير أنه في المستقبل ستقدم الخدمة للأفراد؛ وهو ما يعني انتشارًا أفقيًّا أوسع، وبالتالي تتصل الدائرة المفرغة الخاصة برخص التكلفة وسعة الانتشار.


ويعمل نظام تحديد الموقع بشكل جيد داخل المدن في المناطق التي يغطيها عدد كبير من محطات الإرسال المتداخلة، ويسمح هذا بتحديد المكان بنسبة خطأ لا تتجاوز 200 متر تقريبًا؛ مما يعني أن هذه الطريقة ليست دقيقة تمامًا مثل “نظام تحديد المواقع” الأمريكي عن طريق الأقمار الاصطناعية.


لذا فمن المحتمل أن يكون أكبر استخدام لذلك النظام الجديد من جانب المستهلكين داخل وحول مراكز المدن.


يقولون: إن أكثر التطبيقات نجاحًا لذلك النظام ستكون بين أجهزة الهواتف النقالة من الجيل الثالث، لكن لن يتحتم الانتظار لحين انتشار هذا الجيل؛ فهناك شركات تعمل بالفعل في المجال تأسيسًا على قدرة الكثير من الجيل الحالي على الاتصال بشبكة الإنترنت، وتقدم الخدمة حاليًا بتكلفة اشتراك مرتفعة نسبيًّا، غير أنه من الممكن تجربة الخدمة لمرة واحدة بالمجان.


وقد بدأت شركة “Verilocation” بالفعل في تشغيل نظام يعتمد على شبكة الإنترنت يعطي خريطة لمكان تواجد الهاتف حتى وإن كان من الهواتف المتاحة حاليًا.


وعلى ما سبق يمكنك أيها القارئ أخذ الخلاصة وإدراك المحاذير المحيطة باستعمال الجوال أو النقال أنت تحمل جوالا إذاً أنت مرصود.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى