عين على العدو

جلعاد سيعود، حماس ستنتصر

 


بعد وقت غير بعيد من سقوط جلعاد شليت في الاسر تحدثت مع احد قدامى العاملين في شؤون الاسرى والمفقودين في اسرائيل. تلك كانت الايام التي يرغب اصحاب القرار في حينه ان ينسوها: شليت، بقرار هادىء، تحول من جندي ينبغي العمل على اعادته الى ذريعة لاعادة ترتيب الوضع في قطاع غزة. من يحتاج الى برهان فليتفضل ليتذكر انه في 11 تموز 2006، بعد اسبوعين من الاختطاف في كرم سالم وقبل ليلة من اختطاف ريغف وغولد فاسر في الشمال، اجرى الجيش الاسرائيلي محاولة تصفية للقيادة العسكرية لحماس – مع العلم ان رجال ذات القادة هم الذين يحتجزون شليت.


 


            كل السنين، قال لي الرجل حرصت اسرائيل على عدم الخلط بين المواضيع الانسانية والمواضيع السياسية – الاستراتيجية، اما هذه المرة، كما اضاف يخيل لي باننا نحن الذين نخلط الواحد بالاخر، وهذا لن يجلب خيرا لا لهذه المواضيع ولا لجلعاد شليت. بعد ثلاث سنوات ونصف من ذلك، وقبل الصفقة التي تلوح في الافق لتحرير شليت، هناك انطباع بان الرجل كان محقا – وان الثمن الذي تدفعه اسرائيل لقاء ذلك ولقاء اخطاء اخرى ارتكبتها، باهظ على نحو خاص.


 


            اضاعة الفترة التي تلت الاختطاف، والتي كل خبير في المفاوضات كان سيقول لكم انها حرجة، كانت فقط الخطيئة الاولى. هي وغيرها ادت في نهاية المطاف الى ان يكون على الطاولة فقط مطلب حماس بتحرير 1000 سجين منهم نحو 450 من كبار القتلة  ويمكن لاسرائيل ان تقبله او ترفضه، وعندها فان شليت لن يعود. ولكن حتى لو كان ممكنا عقد هذه الصفقة قبل اكثر من سنة فقد كان ممكنا في حينه ايضا تنفيذها كخطوة منفصلة، انسانية صرفة، موضع خلاف ولكنها لا تنتج لحماس اي انتاج باستثناء تحرير السجناء.


 


            بدلا من ذلك احبذت اسرائيل الانتظار، انتظار تحسن الظروف او فرصة لحملة عسكرية – وربما لان اصحاب القرار تمسكوا بامل عابث في ان الخلط بين الانساني والسياسي سينتج شيئا ما. ولما لم تعمل قيادتنا ابدا حسب المبادىء، بقيت قضية شليت موضوعا لحوار بكاء في وسائل الاعلام وفي المظاهرات العابثة فقط.


 


            وعندها جاءت حملة “رصاص مصهور”: خطوة اخرى اديرت بشكل متدحرج في ظل الامتناع عن تحديد الاهداف وفي قرارات كانت نتيجة توازن بين اولمرت، باراك ولفني اكثر مما هي عملية فكر. لو كانت الحملة انتهت بعد بضعة ايام وتحددت كعملية عقاب فقط، ما كنا لندخل بعدها في مسيرة ترتيب مع حماس، تجعل الحركة الحاكم الرسمي في غزة، وترفع جدا قوتها في الضفة. لو كان قطاع غزة قد احتل، لاختنق حكم حماس. ولكن مثلما في لبنان ليس هكذا ولا ذاك حصل. والان، تحرير شليت سيكون جزءا من الصفقة الكبرى. اسرائيل ستدفع الثمن الكامل، الذي كان بوسعها ان تدفعه منذ زمن بعيد وان توفر على جلعاد وعائلته معاناة لا توصف، فحماس ستحظى بكامل السلة: شرعية ومكانة لا شك فيها كحاكم غزة على حد سواء وكذا معابر مفتوحة، وتحرير اعضاء البرلمان الذين اعتقلوا بعد اختطاف شليت والذين سيعودون الى بيوتهم في الضفة كابطال. اذا ما تمكن من الحفاظ على التهدئة للفترة المقررة فانها ستخرج منها ايضا معززة القوى. الخلط بين الانساني والموضوعي والتدحرج خلف التظاهر بالنجاح العسكري ستدفع اسرائيل مرة اخرى الى وضع اسوأ، بينما تعلن هي عن الانتصار.


 


            الاسوأ هو ان قلة فقط سيهمها الامر. الجيش الاسرائيلي نجح في ان يتقدم بضعة كيلومترات امام عدو غير منظم، ويمكن الاعلان انه استخلصت دروس لبنان وان وزير الدفاع مدفع. شليت سيعود الى الديار ورئيس الوزراء ووزيرة الخارجية سيكون بوسعهما ان يقولا انهما نظفا الطاولة. دولة آخذة في الغرق في مسيرة صبيانية وخصخصة يمكنها ان تحتفل بعودة الابن، دون ان تستوعب بان الطريق التي عولجت فيه قضيته، والحملة التي “ضربت حماس ضربة شديدة”، منحتا المنظمة الإسلامية نصرا ما كان يمكنها حتى ان تحلم به.


معاريف 10/2/2009

مقالات ذات صلة