في العمق

توجهات السياسة الإسرائيلية على ضوء الانتخابات

 


أسفرت جولة الانتخابات الإسرائيلية الجديدة التي أجريت يوم أمس 10 شباط 2009 عن نتائج سيترتب عليها المزيد من التعقيدات السياسية بما سيترتب عليه المزيد من حالة الاضطراب واللايقين في عملية صنع واتخاذ القرار السياسي الإسرائيلي. بكلمات أخرى، فإن الانتخابات المبكرة لم تسفر عن تقديم أي حل للأزمة السياسية التي أدت إليها وإنما أضافت المزيد من التعقيدات الجديدة.


* السياسة الإسرائيلية وإشكالية توازن القوى:


تشير المعلومات وأرقام نتائج انتخابات أمس أن شكل الكنيست الإسرائيلي الجديد سيكون على النحو الآتي:


• 28 مقعداً لصالح حزب كاديما – تسيبي ليفني (كان يملك 29 مقعداً). وسط.


• 27 مقعداً لصالح حزب الليكود – بنيامين نتينياهو (كان يملك 12 مقعداً). يمين الوسط.


• 15 مقعداً لصالح حزب إسرائيل بيتنا – أفيغدور ليبرمان (كان يملك 11 مقعداً). يمين علماني.


• 13 مقعداً لصالح حزب العمل – إيهود باراك (كان يملك 19 مقعداً). يسار الوسط.


• 11 مقعداً لصالح حزب شاس – إيلي ييشاي (كان يملك 12 مقعداً). يمين ديني.


• 5 مقاعد لصالح حزب التوراة المتحدة – ياكوف ليتزمان (كان يملك 6 مقاعد). يمين ديني.


• 4 مقاعد لصالح حزب الاتحاد الوطني – ياكوف كاتنر (كان في قائمة الاتحاد الوطني – الوطن اليهودي الذي كان يملك 9 مقاعد). يمين ديني صهيوني.


• 3 مقاعد لصالح حزب الوطن اليهودي – دانييل هيزركوفينز (كان في قائمة الاتحاد الوطني – الوطن اليهودي الذي كان يملك 9 مقاعد).


• 3 مقاعد لصالح حزب ميريتس – حاييم عورون (كان يملك 5 مقاعد). يساري.


• 4 مقاعد لصالح القائمة العربية – تعال – ابراهيم سرسور (كان يملك 4 مقاعد)، وسط – عربي.


• 4 مقاعد لصالح حزب هاداش – محمد باراكي (كان يملك 3 مقاعد). يساري.


• 3 مقاعد لصالح حزب بالاد – جمال زحالقة (كان يملك 3 مقاعد). عربي – يساري.


توزيع المقاعد داخل الكنيست الجديد لا يتيح لأي من الطرفين الرئيسيين (كاديما والليكود) الحصول على الأغلبية الميكانيكية العادية، ولا حتى على ثلث الأعضاء وهذا يعني أن عليهما السعي لكسب الكتل الصغيرة. بكلمات أخرى، أن يتنافس كل من الحزبين على تقديم التنازلات للكتل الصغيرة، وهي كتل ستسعى كما هو واضح إلى ابتزازهما معاً للمطالبة بالمزيد من المزايا، وسيكون الأمر كارثياً إذا نجحت هذه الكتل الصغيرة في تجميع تكتل واحد يسعى لفرض شروطه على كاديما والعمل.


على خلفية نتائج الانتخابات يوم أمس، يمكن القول أنه لن يستطيع لا حزب كاديما ولا حزب الليكود فرض شروطه بالكامل على الكنيست الجديد.


* أجندة السياسة الداخلية في مواجهة أجندة السياسة الخارجية:


برغم عدم قدرة كاديما والليكود على الحصول على الأغلبية المرجحة منفرداً، فإن الليكود كما هو واضح يستطيع تجميع القوى الدينية بما يتيح له بناء تكتل يضم 35 عضواً وهو عدد كاف لجهة الحصول على الأغلبية ولكن الليكود لن يستطيع القيام بذلك والسبب يتمثل في:


• التكتل مع القوى الدينية اليمينية معناه اعتماد برنامج ديني – يميني وهو أمر سيترتب عليه الصدام مع الرأي العام الإسرائيلي الذي وإن وافق على يمينية الليكود فإنه لن يوافق على أجندة الأحزاب الدينية المتطرفة كحزب شاس الذي يطالب بتغيير القوانين العلمانية وتطبيق أحكام الشريعة اليهودية.


• التكتل مع القوى اليمينية الدينية سيؤدي إلى الخلافات والتأثير سلباً على علاقات تل أبيب مع واشنطن وعلى وجه الخصوص في الاعتبارات المتعلقة بعملية السلام الشرق أوسطية والمفاوضات مع سوريا والفلسطينيين.


• التكتل مع الأحزاب الدينية اليمينية سيقود إلى شن المزيد من العمليات العسكرية ضد قطاع غزة وربما ضد جنوب لبنان والضفة الغربية كذلك، وهذا سيترتب عليه تصعيد العداء لإسرائيل في أوروبا وربما لإثارة الرأي العام الأمريكي هذه المرة ضد إسرائيل.


إضافة إلى وجود العديد من نقاط الضعف التي ستقلص فعالية تكتل الليكود وحلفائه، فإن حزب كاديما يستطيع أيضاً بناء تحالف ولكن بشرط أن يقدم التنازلات للأحزاب الدينية اليمينية الصغيرة وهذا معناه أن يتنازل كاديما عن كامل برنامجه ويتحول إلى اليمين، وهو أمر سيؤدي إلى تفكيك قاعدة الحزب ومواجهات داخله.


تأسيساً على ذلك، نلاحظ أن الوضع الكلي لأجندة السياسة الداخلية الإسرائيلية يرتبط بشكل أساس بأجندة السياسة الخارجية وتحديداً العلاقات مع واشنطن وبلدان الاتحاد الأوروبي وعلى هذه الخلفية فإن سعي أي من كاديما أو الليكود إلى بناء تحالف مع الأحزاب الصغيرة معناه أن تواجه تل أبيب الخلافات والتوترات مع أمريكا وأوروبا.


* أبرز التوقعات الجديدة:


تشير خارطة توزيع القوى داخل الكنيست الإسرائيلي الجديد إلى توجهات السياسة الإسرائيلية الداخلية والخارجية التي سيغلب عليها الطابع اليميني المتشدد وعلى وجه الخصوص في الملفات الآتية:


• الصراع مع سوريا.


• الصراع مع حزب الله اللبناني.


• الصراع مع حركة حماس.


• الصراع مع إيران.


أما بالنسبة لملفات علاقات التعاون فإن تل أبيب ستشدد ضغوطها على حلفائها في المنطقة وعلى وجه الخصوص في ملف علاقات التعاون بين تل أبيب وكل من القاهرة وعمّان ورام الله.


وعلى سبيل المثال لا الحصر ستسعى الحكومة الإسرائيلية الجديدة إلى الآتي:


• السعي لفرض صيغة السلام مقابل السلام مع سوريا.


• السعي لجولة جديدة من الضغوط السياسية والدبلوماسية على لبنان بما قد يؤدي إلى مواجهة عسكرية مع حزب الله.


• السعي لجولة جديدة من الضغوط مع احتمال كبير بإطلاق عملية عسكرية جديدة ضد قطاع غزة.


• تشديد الضغوط على القاهرة لجهة التعاون بقدر أكبر من أجل القضاء على حركة حماس.


• تشديد الضغوط على عمان لجهة التعاون بقدر أكبر من أجل القضاء على حركة حماس.


• تشديد الضغوط على رام الله لجهة التعاون بقدر أكبر من أجل القضاء على حركة حماس.


بالنسبة للعلاقات مع واشنطن وبلدان الاتحاد الأوروبي فمن بالمؤكد أن تحاول الحكومة الإسرائيلية الجديدة استخدام شتى الوسائل للتهرب من التزاماتها والالتفاف على حلفائها في واشنطن وغرب أوروبا، عن طريق استخدام اللوبيات وسياسة كسب الوقت والمماطلة والتذرع بأولوية محاربة الإرهاب وضرورات الاعتبارات الأمنية الإسرائيلية.


من المتوقع أيضاً أن تتزايد التوترات والخلافات على خط تل أبيب – أنقرة، إضافة إلى احتمال أن تسعى إسرائيل إلى محاولة الضغط على أنقرة لدفعها باتجاه خيار تحسين العلاقات مع تل أبيب أو خيار تصعيد الخلافات معها بما سيترتب عليه استبدال الوساطة التركية في المحادثات مع سوريا بوساطة أخرى.


هذا، ومن المؤكد أن ليبرمان زعيم حزب إسرائيل بيتنا الذي التقى اليوم تسيبي ليفني زعيمة كاديما سيلتقي في القريب العاجل نتينياهو زعيم الليكود. والشيء ذاته بالنسبة لزعيم شاس ييشاي الذي سوف لن يتأخر في لقاء ليفني ونتينياهو.


أما بالنسبة لخط كاديما – الليكود فإن تسيبي ليفني أطلقت اليوم تصريحاً قاسياً في مواجهة نتينياهو قالت فيه أنها سبق أن دعت نتينياهو للدخول في حكومة وحدة وطنية مع كاديما لكنه رفض قائلاً بأن الأمر متروك للشعب الإسرائيلي ليقرر. ومن ثم أقرت ليفني الرجوع إلى الشعب الإسرائيلي بناء على نصيحة نتينياهو ولكن هذا الشعب اختار كاديما والآن على نتينياهو أن يقبل المشاركة في الحكومة بقيادة ليفني امتثالاً لـ”خيار الشعب الإسرائيلي”!


إضافة لتحركات ليفني ونتينياهو، فإن ثمة مؤشرات على تحركات يقوم بها الجنرال شاؤول موفاز زعيم المتشددين داخل كاديما حيث بدأ هو الآخر اتصالاته مع حزب شاس.


* تحركات ما بعد نتائج الانتخابات:


تقول المعلومات والتسريبات الإسرائيلية بأن ليفني زعيمة كاديما (28 مقعداً) باشرت القيام بالاتصالات مع ليبرمان (إسرائيل بيتنا)، أما نتينياهو فقد بدأ اتصالاته مع ييشاي (شاس)، وعلى الأغلب أن يحدث الآتي:


• أن يطالب ليبرمان بالمزيد من المزايا، وتقول التسريبات أنه يطالب بتوليه حقيبة الدفاع في الحكومة، وباتباع سياسة التطهير العرقي بترحيل العرب من الأراضي الفلسطينية، وبزيادة عدد الحقائب الوزارية المخصصة للحزب بشن عمليات عسكرية ضد حركة حماس وحزب الله وأخيراً الاحتفاظ بالقدس موحدة ضمن إسرائيل.


• أن يطالب ييشاي بالمزيد من المزايا، وتقول التسريبات أنه سيطالب بتقديم الإعانات للأسر الكبيرة والاحتفاظ بالقدس ضمن إسرائيل وزيادة مخصصاته من الحقائب الوزارية وإعطاء حزب شاس حقيبة التربية والتعليم.


وليس من المستبعد أن يكون موفاز ساعياً هذه المرة إلى شق حزب كاديما إلى جناحين أحدهما يقف معه والآخر مع ليفني، كما تشير التحليلات أنه سوف لن يتردد في التحالف مع نتينياهو خاصة إذا كانت حقيبة الدفاع هي الجائزة الكبرة التي سيقدمها له نتينياهو!!


الجمل: قسم الدراسات والترجمة

مقالات ذات صلة