عين على العدو

الليبرمانيون الجدد

 


 خلال النقاشات السياسية التي نشارك فيها مع الإسرائيليين، حول عدم اعتراف الدولة العبرية بنتائج الانتخابات التشريعية التي جرت في فلسطين في العام 2006 وأفرزت فوزاً كاسحاً لحركة حماس، يزعم هؤلاء على مختف مشاربهم وانتماءاتهم السياسية أنّ الزعيم النازي أدولف هتلر، وصل هو الآخر إلى سدة الحكم بصورة ديمقراطية وعن طريق صناديق الاقتراع. وعلى الرغم من عدم وجود تشابه بين الحالتين، النازية والحماسية، إلا أنّ الدعاية الإسرائيلية في العالم تواصل نشر المزاعم بصورة منهجية على هذا التشابه.


 


إسرائيل الرسمية أقامت الدنيا ولم تقعدها عندما انتخب الزعيم النمساوي يورغ هايدر، بانتخابات ديمقراطية، وتحوّل ديوان رئيس الوزراء في الدولة العبرية إلى مكتب علاقات عامة، وأعلن الحرب الضروس على انتخاب هايدر، باعتباره وفق المفهوم الإسرائيلي، مكملاً لنظرية هتلر النازية.


 


المساعي الإسرائيلية الحثيثة التي قادها رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك، ايهود براك، لنزع الشرعية عن هايدر دفعت بالزعيم المنتخب ديمقراطياً في النمسا إلى التنحي عن منصبه، وبذلك سجّلت الدولة العبرية سابقة سياسية لم يعرفها العالم من ذي قبل: دولة عنصرية ومارقة بامتياز، أي الدولة العبرية، تمكنت من الإطاحة بزعيم أوروبي في بلاد بعيدة جغرافياً وسياسياً عن إسرائيل.


 


هذه السابقة التاريخية شجعّت حكام تل أبيب على التدخل في شؤون دول غربية عديدة، زاعمة أنّ كل دعم يُقدّم من شعوب هذه الدول إلى الشعب الفلسطيني، نابع من كره اليهود، أو مما يُسمى إسرائيلياً باللا سامية، وكأنّ العرب ليسوا ساميين، أي أنّ الدولة العبرية احتكرت هذا المصطلح وبات كل اعتداء على يهودي في أي جزء من أصقاع العالم يدخل في إطار اللا سامية.


 


اللافت، ولكن المتوقع، هو حصول حزب “إسرائيل بيتنا”، بزعامة المتشدد من أصول روسية أفيغدور ليبرمان، على 15 مقعداً في الانتخابات، الأمر الذي حوّله إلى الحزب الثالث في الخريطة السياسية في الدولة العبرية، والأخطر من ذلك، بات كالفتاة الجميلة التي يلاحقها الشباب للزواج منها. ليبرمان، الذي يحمل أفكاراً لا تبعد بالمرة عن هايدر في النمسا، بات قبة الميزان، وبدونه لا يمكن تشكيل حكومة في إسرائيل.


 


العنصرية الإسرائيلية المؤسساتية والشعبية باتت متفشية في جميع الأماكن، والتنكيل بفلسطينيي الداخل، أصبح أمراً مقبولاً ومرحباً به في المجتمع الإسرائيلي على مختلف شرائحه، والعنصرية مرشحة للتنامي أكثر فأكثر مع تشكيل الحكومة الإسرائيلية الجديدة. فبالإضافة إلى العنصري ليبرمان، لا بدّ من التذكير بأنّ المرشح الأوفر حظاً لتشكيل الحكومة، رئيس الوزراء الأسبق وزعيم حزب الليكود اليميني، بنيامين نتنياهو، هو صاحب المقولة المشهورة بأنّ العرب في إسرائيل هم قنبلة ديمغرافية موقوتة.


 


لا غضاضة في هذه العجّالة التذكير بأقوال رئيس جهاز الأمن العام (الشاباك الإسرائيلي) يوفال ديسكين، بأنّ جهازه سيلاحق كل عربي فلسطيني يرفض الاعتراف بإسرائيل كدولة يهودية ديمقراطية، وهو الشعار الذي يرفضه السواد الأعظم من عرب 48. كما أنّ وزيرة الخارجية وزعيمة حزب “كاديما” هي صاحبة المقولة المشهورة بأنّ الدولة الفلسطينية العتيدة هي المكان الوحيد للفلسطينيين من ثلاثة أضلاع المثلث: الفلسطينيون في الضفة الغربية المحتلة وقطاع غزة، والفلسطينيون في إسرائيل والفلسطينيون في الشتات لتحقيق أحلامهم الوطنية، بمعنى أو بآخر، هذه مقولة خطيرة تنادي بشكل مبطن بترحيل فلسطينيي الداخل إلى الدولة الفلسطينية التي ستقوم.


 


أما عامي أيلون، الوزير السابق ورئيس الشاباك في الماضي، الذي يفتخر ويتباهى بأنّه قتل فلسطينيين، أكثر من لإسرائيليين الذين قتلتهم حركة حماس، فقد قال في مقابلة صحافية أدلى بها في كانون الأول (ديسمبر) من العام 2000 إنّه في حال شعور الدولة العبرية بوجود خطر وجودي حقيقي عليها، فإنّها لن تتورع عن القيام بما قامت به في العام 1948، أي القيام بتنفيذ مجازر ومذابح وطرد شعب لإقامة دولة على أنقاضه، ويمكن الإيجاز والقول إنّه في عقل كل يهودي إسرائيلي يعشعش ليبرمان صغير.


 


أما فيما يتعلق بفلسطينيي الداخل، فها نحن نقولها بصريح العبارة: إنّا هنا باقون، فلتشربوا البحر، وإذا لم يعجب الفاشي ليبرمان ومن لف لفه، فبإمكانهم العودة من حيت أتوا. هذا من ناحية، من ناحية أخرى، نرى لزاماً على الدول العربية والغربية، التي تدّعي التنور والتقدم والتطور والديمقراطية والحفاظ على حقوق الإنسان، أن تدرس جيداً اقتراحنا باستجلاب قوات دولية لحماية فلسطينيي الداخل من النظام الإسرائيلي الفاشي، فعندما لا تريد الدولة حماية “مواطنيها”، على الأسرة الدولية أن تقدم له الحماية، لأننّا لسنا عابري سبيل ولسنا ضيوفاً في موطننا، وليس دولتنا، ومثلما تجندت أوروبا لعزل هايدر، عليها أن تشحذ الهمم لمنع المواجهة القادمة لا محال بين أصحاب الأرض الأصلانيين في فلسطين وبين المستجلبين اليهود إلى أرض فلسطين.


زهير اندراوس

مقالات ذات صلة