عين على العدو

من إنجازات اليسار العنصري الصهيوني

ما أن أعلنت نتائج الانتخابات “الاسرائيلية” حتى بادر الناطقون بلسان من ادمنوا المراهنة على احزاب “اليسار” الصهيونية بالإعراب عن قلقهم الشديد للنتائج تحسباً من انعكاسها على المفاوضات العبثية التي امتهنوها، متجاهلين عدوان هذا “اليسار” التاريخي على الحقوق العربية المشروعة وانه لا يقل عن غلاة اليمين الصهيوني تعصبا وانغلاقا، وليس في ماضيه ولا حاضره ادنى دلالة على ما يعرف به اليسار من ايمان بالعدالة الاجتماعية، والحريات العامة والخاصة، وحقوق الشعوب في تقرير المصير. وإن وقفة مع التجربة التاريخية المرة مع هذا “اليسار” المقلق تراجعه برهان ذلك.


 


والمعروف انه منذ العام 1882 توالت على فلسطين هجرات يهود روسيا وشرق اوروبا، وكان غالبيتهم من اعضاء وانصار “حزب عمال صهيون” المصنف يساريا، بحيث اعتبرهم المؤرخون المعنيون بالتجربة طليعة “الصهيونية الاشتراكية”. غير أن اولئك “اليساريين” اتخذوا منذ ايامهم الاولى مواقف شديدة العداء للشعب العربي الفلسطيني عامة، وفلاحيه وعماله بصفة خاصة، إذ نادوا بإقامة “اقتصاد يهودي” على اساس التمييز العنصري الشوفيني، رافعين شعار “الارض عبرية والعمل عبري”. فضلا عن انهم لم يعتمدوا على قوة عملهم في تأمين احتياجاتهم المعيشية وانما وضعوا سنة 1899 المستعمرات التي اقاموها تحت وصاية البارون روتشيلد لدعمه لها ماليا. فأي يسار هذا الذي يبدأ وجوده على ارض فلسطين بمعاداة اصحاب الارض الشرعيين ويعتاش متطفلا على اليمين اليهودي؟


 


وبعد اشهار “المنظمة الصهيونية” في مؤتمر بازل سنة 1897 بدا هرتزل مدركا محدودية قدرتها على محاورة الدول الاستعمارية من مركز قوة، او حتى باستغلالها لامكانيات ومراكز الجاليات اليهودية المتنفذة في عواصم صناعة القرار. وذلك ما جعله يؤكد حتمية الاعتماد على الامبريالية وضرورة مخاطبة الدول الاستعمارية بأن في مصلحتها توظيف معاناة يهود اوروبا في مشاريعها الاستعمارية. بل واستخدم في ذلك المزاعم الاستعمارية ذاتها بتصويره “دولة اليهود”، التي دعا لإقامتها، بأنها “سوف تشكل في فلسطين جزءا من متراس اوروبا في آسيا، يكون مخفرا أماميا للحضارة ضد البربرية. ويجب علينا كدولة محايدة (بين الدول الاوروبية) أن نبقى على صلة بكل اوروبا التي سيكون عليها أن تضمن وجودنا” -كما ورد نصا في كتابه : دولة اليهود ص 49 مؤسسا بذلك لتوظيف الكيان في خدمة مختلف القوى الاستعمارية، الامر الذي التزم به خلفاؤه حتى اليوم.


 


ولم تقتصر عنصرية “اليسار” الصهيوني على العرب، ولا هي حصرت بغير اليهود، وانما اصابت غير الصهاينة من اليهود بما هو اشد وانكى. ففي 29/8/1933 عقدت الوكالة اليهودية، التي كان حزب المباي “اليساري” صاحب قرارها، اتفاقية “النقل” (الترانسفير) مع النظام النازي، التي اقرها المؤتمر الصهيوني الثامن عشر. وبموجبها جرى الاتفاق على هجرة شباب يهود المانيا الى فلسطين، وشراء الوكالة اليهودية بضائع المانية مقابل ثروات اليهود المهاجرين. وعلى الرغم من صدور قرارات نورمبرغ العنصرية المعادية لليهود في 15/9/1935 تواصل العمل بالاتفاقية حتى ،1939 دون مبالاة بما كان يلقاه اليهود على ايدي النظام النازي. وكان موشي شاريت (شرتوك) قد رد على معارضي الاتفاقية في المؤتمر الثامن عشر بقوله : “عند وجود تناقض بين المشروع الصهيوني في فلسطين ومصلحة اليهود في الخارج فان مصلحة المشروع الصهيوني تحتل الأولوية” كما ورد في محاضر المؤتمر الصهيوني الثامن عشر.


 


وغداة صدور قرار التقسيم في 29/11/1947 بادرت المنظمات الصهيونية بالهجوم على الاحياء العربية في المدن المختلطة. وبقرار القيادة السياسية بزعامة بن غوريون اعتمدت التطهير العرقي لإخلاء الارض من مواطنيها العرب. وحول ذلك يقرر المؤرخ بني موريس، مستندا لارشيف الجيش الصهيوني، أنه كانت هناك مجازر اسرائيلية أكثر بكثير مما كان يعتقد عندما وضع كتابه الأول “ضحايا على حق” ، وانه كانت هناك الكثير من حالات الاغتصاب، وانه في ابريل/نيسان 1948 صدرت اوامر عملية لوحدات الهاغاناه نصت صراحة على اقتلاع الفلاحين وطردهم من القرى. وانه كان هناك تركيز عال بصورة غير عادية لعمليات اعدام الاشخاص. كما يؤكد مورس في كتابه الأول مسؤولية بن غوريون عن تهجير عرب فلسطين قسرا من ديارهم في حرب 1947/1948.


 


وكان قد تبقى في الارض المحتلة سنة 1948 ما بين 150 – 160 ألف عربي، من جملتهم نحو 20% لاجئون منعوا من العودة لبلداتهم وقراهم التي دمرت بعد الحرب. وقد عومل الجميع وكأنهم اسرى حرب، إذ فرض عليهم الحكم العسكري خلال سنوات 1948 – ،1966 برغم حملهم الجنسية “الإسرائيلية” بحكم وجودهم في الكيان الصهيوني. ومع أن سيطرة حزب العمل “اليساري” على صناعة القرار الصهيوني تواصلت حتى العام ،1977 لم يجر اي تغيير في اجراءات التمييز العنصري ضد المواطنين العرب الذين هم وحدهم اصحاب الوجود الطبيعي والتاريخي في الدولة.


 


وأحزاب “اليسار” بقيادة حزب العمل هي المسؤولة تاريخيا عن عدم الالتزام بقرارت الشرعية الدولية، وبالذات القرار 181 بتقسيم فلسطين المنشىء لدولة “اسرائيل”، والقرار 194 بحق العودة الذي قبلت “اسرائيل” عضوا في الامم المتحدة عندما اعلنت التزامها بتنفيذه. كما أنها المسؤولة عن كل الحروب التي بادرت اليها “اسرائيل”، عن غزو لبنان سنة ،1982 كما عن ادخال السلاح الذري للمنطقة، وفرض عدم الاستقرار في ربوعها، فضلا عن مسؤوليتها عن الاستيطان في الارض المحتلة سنة ،1967 والامتناع عن تنفيذ قراري مجلس الامن 242 و 338. وعلى مدى كل اللقاءات والحوارات العربية مع اركان حزب العمل، وغيره من احزاب “اليسار” الصهيوني، لم يبد اي منهم استعداده للتسوية إلا بالشروط الصهيونية، واولها رفض حق العودة وتنفيذ القرارات الدولية بشأن القدس بشطريها الغربي والشرقي، فضلا عن الإجماع على تأييد المحرقة “الهولوكوست الصهيونية” في قطاع غزة.


 


وبعد هذه الجردة المختصرة من انجازات “اليسار” الصهيوني يبدو مبررا القول انه ليس لليسار وجود في التجمع الاستيطاني الصهيوني. بل إن وصف بعض احزابه بأنها يسارية ليس الا من قبيل التزييف الذي اتقنه الصهاينة كتسمية الجيش الاكثر عدوانية في المنطقة “جيش الدفاع الصهيوني”، وغزو لبنان سنة 1982 تحت شعار “السلام للجليل”. والسؤال الاخير: اما آن لمن اقلقهم تراجع “اليسار” الصهيوني أن يراجعوا خياراتهم غير الواقعية؟


“الخليج” – عوني فرسخ

مقالات ذات صلة