عين على العدو

سيناريو الفتنة

 


 


سيناريو الفتنة بلغ ذروته في الأسبوع الماضي، حين فوجئنا بتجليات للدس والتحريض على المقاومة الفلسطينية غير مسبوقة في الخطاب الإعلامي العربي.


(1) صباح يوم 14 أبريل الحالي، كان من بين العناوين الرئيسية لإحدى صحف الصباح المصرية عنوان يقول: فتوى فلسطينية تبيح قتل الجنود المصريين. وتحت العنوان خبر نصه كما يلي: في تطاول جديد على مصر وشعبها وحدودها، وبما يعد جريمة لا يمكن السكوت عليها، أفتى الشيخ عبدالحميد الكلاب أحد قيادات حماس بإباحة قتل الجنود المصريين في حالة تعرضهم للفلسطينيين. وجاءت فتوى الكلاب في خطبة الجمعة الماضية (التي ألقاها) بمسجد عباد الرحمن بخان يونس بقطاع غزة. في إطار عملية دائمة من الشحن المعنوي تقوم بها حماس لتهيئة الغزاويين لإعادة اقتحام الحدود (مع مصر) على غرار ما جرى في شهر يناير الماضي.


النشر أحدث صداه الطبيعي في بعض وسائل الإعلام المصرية، تراوح بين تعليقات لبعض الكتاب صبت اللعنات على الشيخ الكلاب وعلى حماس التي ينتمي إليها، وبين فتاوى لم تقصر في تسفيه الرجل واتهامه بقلة العقل والدين، وإذا كان ذلك قد حدث من جانب بعض أهل الرأي والعلم، فلك أن تتصور صدى الرسالة لدى المواطن العادي، وكيف يمكن أن تسمم مشاعره وتملؤه نفورا وبغضا.


بعد ثلاثة أيام- في 17/4- نشرت صحيفة أخرى على صفحتها الأولى العنوان التالي: إمام مسجد خان يونس: اتهامي بإباحة قتل الجنود المصريين كذب وافتراء، وفي الخبر المنشور تحت العنوان كلام على لسان الشيخ عبدالحميد الكلاب، الذي يعمل مدرسا للتربية الدينية، قال فيه إنه ليس من أهل الإفتاء وأنه لم يذكر في خطبته أي شيء له علاقة بالجنود المصريين في خطبة الجمعة التي زعموا أنه تعرض خلالها للموضوع. ولم ينطق بشيء مما نسب إليه وإن كل ما قيل في هذا الصدد كذب وافتراء للنيل من العلاقة الحميمة مع مصر الشقيقة. أضاف الرجل أنه لا يستطيع أن يتجرأ على إطلاق كلام من هذا القبيل، ولا يجوز لأي مسلم أن يفتي بها أو أن يفكر في قتل أخيه المسلم. وقال إننا ندرك جيدا أن أعداءنا هم الإسرائيليون، أما المصريون فهم أشقاؤنا وسندنا الذي نتطلع إليه ونعتمد عليه. وفي نهاية كلامه تحدى الشيخ الكلاب وسائل الإعلام التي روجت لشائعة الفتوى أن تبرز شريطا يبرهن على صحة ادعائها، أو أن تذكر المصدر الذي اعتمدت عليه في دس هذا الكلام علي لسانه، وطالبها بأن تتحرى الدقة فيما تبثه من أخبار، حتى لا تقع في مثل هذه الخطيئة المشينة، التي تقدم خدمة جليلة للعدو الصهيوني.


(2) صباح يوم 15/4 حدث ما هو أنكى وأغرب. فقد نشرت إحدى صحف الصباح تفاصيل ما اسمته “خطة حماس لاقتحام الحدود المصرية” من غزة. وتضمنت الخطة حسب الكلام المنشور مرحلة أولى تمثلت في قصف المواقع المصرية بقذائف الهاون، بعد أن قامت حركة حماس بتوزيع قذائف هاون عيار ستين، ونشرت ميليشيات تابعة لها على الحدود، البند الثاني في الخطة المزعومة يقضي بإطلاق نيران الرشاشات على الجنود المصريين، بعدما أصدرت حماس فتوى تبيح قتل هؤلاء الجنود (لاحظ أن الكلام هذه المرة منسوب إلى حماس وليس إلى أحد خطباء الجمعة). البند الثالث في الخطة يتمثل في القيام بعملية التفاف خلف التحصينات المصرية عبر الأنفاق، بالإضافة إلى تفجير بعض هذه التحصينات عبر تلغيم الأنفاق، ويترافق ذلك مع تفجير الجدار الحدودي لمنع مصر من صد مجموعات من أهالي غزة تعتزم حماس الدفع بهم لاجتياز الحدود، اضاف التقرير المنشور انه في الوقت ذاته قامت حماس بتجهيز وزراعة ما يقرب من أربعة كيلومترات من الحدود مع مصر بالمتفجرات، على مسافات متفاوتة، لإحداث ثغرة في الجدار الحدودي، في المنطقة الواقعة بين نقطتي تل زعرب غربا وحتى منطقة البرازيل وحى السلام شرقا.


في نهاية التقرير إشارة إلى أن تنفيذ الخطة مرهون بموافقة بعض الدول العربية (المقصود سوريا) والإقليمية (إيران)، وأن هناك اتصالات تمت بين حماس والإخوان المسلمين في مصر لإطلاق حملة سياسية وإعلامية وتنظيم مسيرات ومؤتمرات في البلد، لإحراج الحكومة المصرية، ومنعها من صد هجوم حماس على القوات المصرية(!)


حين طالعت التقرير الذي أبرز على الصفحة الأولى في ذلك الصباح، لم أصدق ما وقعت عليه عيناي لأول وهلة، فأعدت قراءته مرة ثانية وثالثة. وفي كل مرة كنت أزداد حيرة ودهشة، حتى رن جرس الهاتف إلى جانبي، وكان المتحدث هو السيد خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحركة حماس الذي بادرني بالسؤال هل صحيح ما تناقلته بعض الوكالات بخصوص كلام نشر في مصر عن خطة لحماس تستهدف قصف المواقع على الحدود ونسف الجدار وتلغيم الأنفاق؟. ولما رددت عليه بالإيجاب، قال بانفعال: أعوذ بالله. هذا كثير يا جماعة. والصحافة الإسرائيلية على فجورها لم تجرؤ على أن تختلق علينا أكاذيب من هذا القبيل. ليس لأنهم شرفاء ولكن لأنهم يعرفون كيف ينسجون الأكاذيب، ويميزون بين المعقول وغير المعقول فيها.


في اليوم التالي تناقلت وكالات الأنباء بيانا صدر في غزة باسم السيد اسماعيل هنية رئيس الحكومة المقالة تجاهل التقرير، وتحدث عن العلاقة الأخوية والإستراتيجية مع مصر، وأشاد بدورها من أجل القضية الفلسطينية وفي مواجهة المخططات الإسرائيلية الهادفة إلى تصفية القضية. وقال إن ما يعترض العلاقات مع مصر يظل خلافا داخل الأسرة الواحدة والبيت الواحد، يمكن احتواؤه، ولا يمكن أن يؤثر على عمق العلاقة أو وحدة الهدف والمصير الذي يربط بين الشعبين الشقيقين. وعبر هنية عن أمله في أن تستثمر مصر مكانتها لإنهاء معاناة الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، من خلال رفع الحصار وفتح المعابر وإنهاء الإجراءات التعسفية التي فرضتها إسرائيل لإذلال الفلسطينيين وكسر إرادتهم.


(3) بين يدي خمس مقالات نشرت في الأسبوع الماضي لكتاب بعضهم محترمون تبنت فكرتين أساسيتين، الأولى أن حماس هي المسؤولة عن حصار غزة (أحدهم قال إنها حرقت القطاع). والفكرة الثانية أن الفلسطينيين ضيعوا فرص التسوية السلمية التي أتيحت لهم (أحدهم قال إنه رغم كل العنف والظلم الذي وقع على الشعب الفلسطيني، فإنه أتيحت له من الفرص والمساعدات ما لم يتح لشعوب أخرى في العالم). ولعلك تلاحظ معي أن الفكرتين تبرئان إسرائيل بصورة غير مباشرة. وتشيران بأصابع الاتهام إلى الفلسطينيين، فهم الذين تسببوا في الحصار وهم الذين ضيعوا الفرص الذهبية التي أتيحت لهم، ولم تتح لغيرهم من شعوب الأرض!.


لا أعرف إن كان نشر هذه التعليقات بشكل متتابع على مدار الأسبوع مقصود أم لا، لكنني أعرف أن الفكرتين فاسدتان، وتسوقان لبضاعة مغشوشة. ذلك أن أي متابع للشأن الفلسطيني، إذا لم تكن ذاكرته قد محيت، يدرك أن الرئيس السابق ياسر عرفات حين حاصرته إسرائيل ثم قامت بتسميمه وقتله وهو في محبسه، لم يكن حمساويا ولا جهاديا، وإنما كان السبب الرئيس لحصاره وقتله أنه رفض الاستجابة للإملاءات الإسرائيلية، من ثم فإن أي تحليل نزيه للمشهد لا ينبغي له أن يتجاهل هذه الحقيقة التي تدل على أن الموقف المقاوم هو جوهر الموضوع. وإن إسرائيل في محاولتها القضاء على هذا الموقف من جانب أي طرف فلسطيني لا تتردد في استخدام مختلف أساليب القمع والسحق، والحصار والقتل في مقدمتها.


حكاية الفرص التي ضيعها الفلسطينيون أكذوبة أطلقها الإسرائيليون في عام 2000، حين كان باراك رئيسا للوزراء وقيل وقتذاك أنه قدم إلى أبوعمار حين التقاه في كامب ديفيد برعاية من الرئيس كلينتون عرضا يعيد إليه 98% من أراضي الضفة الغربية لكنه رفض وضيع الفرصة التي كانت بين يديه. وقد دأبت بعض الكتابات الإسرائيلية على الترويج لهذه الأكذوبة، التي انطلت على بعض العرب للأسف، فتلقفوها ورددوها بحسن نية أو بسوئها.


شاء ربك أن يصدر بالتزامن مع تلك الكتابات تكذيب قوي للفكرة، في مقالة نشرتها مجلة “لندن ريفيو اوف بوكس” (عدد 10/4) للباحث الأمريكي اليهودي هنري سيجمان الذي يعمل الآن مستشارا للشرق الأوسط بمجلس العلاقات الخارجية الأمريكية. عرض الكاتب في مقالته كتابين صدرا مؤخرا في إسرائيل لثلاثة من الباحثين المهمين، أولهما كتاب “إمبراطورية الصدفة”، لمؤلفه جيرشوم جورنبرج، والثاني عنوانه “أسياد البلاد”، ومؤلفاه هما ايديف روزنتال وعكيف الدار والكتابان يؤكدان على أنه لم يحدث على الإطلاق منذ عام 67 وحتى الآن أن فكرت أي حكومة إسرائيلية في أن تقوم إلى جوارها دولة فلسطينية في الضفة وغزة. وفي رأي المؤلفين ان تمدد المستوطنات في الضفة لم يكن اعتباطيا. ولكنه مخطط ومقصود به أمران: أولهما استحالة قيام اي كيان فلسطيني في الضفة، وثانيهما أن يصبح نهر الأردن هو الحدود الطبيعية لدولة إسرائيل. ورغم أن ذلك هو الموقف الحقيقي للحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، إلا أنها لم تمانع في الكلام حول الدولة الفلسطينية لعدة سنوات، في الوقت الذي تصادر فيه إمكانية قيام تلك الدولة على الأرض، وهذه هي حدود الفرص التي يلام الفلسطينيون على تضييعها. 


(4) فيلم الفتنة ليس جديدا، ولكننا نتابع مشاهده منذ ثلاثة عقود تقريبا. وأزعم أنه مر بأربع مراحل. الأولى تمثلت في إزالة آثار حقبة المد القومي، وتجريح شعاراتها وعناوينها التي تحدثت عن الأمة والوحدة وتحدي قوى الهيمنة واعتبار فلسطين قضية مركزية للعرب. في المرحلة الثانية رفعت فيها عناوين تحدثت عن آخر الحروب والسلام كخيار استراتيجي و99% من الأوراق في يد أمريكا، وما أخذ بالقوة لا سبيل إلى استرداده إلا بالتفاهمات والمؤتمرات. في المرحلة الثالثة استمر تزيين الحلول السلمية مع السخرية من دعوات الصمود والممانعة، الأمر الذي استصحب هجاء للمقاومة واعتبارها “إرهابا” مستنكرا ومرفوضا- الذروة كانت في المرحلة الرابعة التي أعقبت انتصار حزب الله على الجيش الإسرائيلي في عام 2006 وفيها انقسم الصف العربي إلى “معتدلين” يعتبرون إيران هي العدو، و”متطرفين” تمسكوا بأن إسرائيل هي العدو. وهي ذاتها المرحلة الراهنة التي ظهرت فيها تجليات الدس والتحريض ضد المقاومة، والتآمر عليها.


لا يزال العرض مستمرا. والمقلق والمخيف أن المؤشر يزداد انحناء حينا بعد حين، الأمر الذي لا يطمئننا بحال الى الخاتمة!. 

مقالات ذات صلة