عين على العدو

المشهد الإسرائيلي..حكومة يمينية متطرفة عرجاء

يبدو أن صورة المشهد السياسي الإسرائيلي المقبل أخذ يتضح شيئاً فشياً, وإن لم يكن بصورة كاملة, لكن هذا الوضوح يكشف عن حالة أكثر سوداوية مما عليه الآن, إذ أن كل المؤشرات تتحدث عن قبض اليمين المتطرف على زمام الحكم في إسرائيل.

فبنيامين نتنياهو يسعى حثيثاً لتشكيل حكومته الجديدة, متذبذباً بين خيارين تشكيل حكومة وحدة يبدو أن المطلوب فيها ثمناً كبيراً لا يريد أن يدفعه, وحكومة يمين متطرفة يخشى من انهيارها بسرعة بعد الضغط الدولي عليها.

فرئيسة حزب كاديما تبدو مصممة على مطلبها بالتناوب على رئاسة الوزراء أكثر من أي مطلب أخر, في حين أن نتنياهو مستعد أن يدفع ثمناً كبيراً لكاديما للانضمام إلى الحكومة بعيداً عن فكرة التناوب مما يوسع الهوة بينهما, ليذهب نتنياهو إلى رئاسة الحكومة منفرداً بها, وتذهب ليفني للمعارضة بانتظار سقوط هذه الحكومة.

إلا أن الأمر لا يقف عند هذا الحد, فرئيسة حزب كاديما تواجه ضغوطاً متزايدة من قادة كبار داخل الحزب للانضمام للحكومة القادمة, فشاؤول موفاز قال أنه لا يُعقل أن تحصل كاديما على 28 مقعد لتذهب إلى المعارضة, كما أن اتصالاته مع نتنياهو لم تنقطع بهذا الخصوص, وفي المقابل هاجم وزير الداخلية عن حزب كاديما (مئير شطريت) فكرة الانضمام إلى حكومة وحدة مع الليكود, وقال أنه في حال انضمام كاديما لحكومة يمينية برئاسة نتنياهو فإن الحزب سيختفي عن الوجود.

أما الحال في حزب العمل فهو على خلاف على ما هو الحال في حزب كاديما, فرئيس الحزب وزير الدفاع ايهود باراك يرغب في الانضمام حكومة نتنياهو, إلا أنه يواجه معارضة شديدة من أعضاء الحزب الذين يصرون على الذهاب للمعارضة لإصلاح الحزب الذي لحقته خسارة فادحة في الانتخابات الأخيرة. ولأجل ذلك أكثر باراك في الفترة الأخيرة من الإشارة للتهديد الإيراني على إسرائيل؛ للإيحاء بضرورة بقائه كوزير للدفاع نظراً لخبرته, إلا أن حزبه سيمنعه من تحقيق هذا الهدف.

وعلى ذلك فإسرائيل على موعد مع حكومة يمينية متطرفة وضيقة برئاسة نتنياهو, تشمل على تناقضات ومصالح متضاربة, مما سيجعلها تواجه صعوبات وعقبات مختلفة, منها:

– الصعوبات في تشكيل الحكومة وتوزيع الحقائب, وخاصة مع حزب اسرائيل بيتنا , وتملثت هذه الصعوبات في عدة جوانب منها:

أ‌) فحزب إسرائيل بيتنا يطلب جزء من الوزارات السيادية, وهو ما سيسبب حرج دولي للحكومة, فليبرمان طلب وزارة الدفاع إلا أن نتنياهو استبعد هذا الأمر, كما طلب وزارة الخارجية وصرح ليبرمان إن الدول ستكون سعيدة لاستقباله لوزير خارجية, لكن هذا الطلب يتجه الليكود لرفضه, خاصة أن سلفان شالوم احد أقطاب الليكود يتهيأ لاستلام ملف الخارجية,

ب‌) أما طلب ليبرمان بالحصول على وزارة المالية لا يخلو من العقبات حيث أن سلطة الضرائب التابعة لوزارة المالية ترفع دعوى ضد ليبرمان؛ لذلك لجأ نتنياهو لسحب هذه السلطة من صلاحيات وزارة المالية إلى مكتب رئيس الوزراء تحسباً لذلك.

ت‌) ومن الإشكالات هو طلب ليبرمان لوزارة العدل أو إبقاء الوزير الحالي في منصبه, والمشكلة تكمن في أن ليبرمان صاحب ملف جنائي, ويخضع لتحقيقات الشرطة, ومثل هذا الطلب لا يتقبله الجمهور الإسرائيلي, ومع ذلك فنتنياهو مضطر إلى أن يتجرع ذلك. إلا أن ذلك تسبب في حالة من الغضب في الجهاز السياسي الإسرائيلي, لأن ليبرمان يريد أن يحدد من سيقف على رأس حقيبة العدل التي تمسك بملفه الجنائي وستحدد مصيره السياسي, وأن هذه الوزارة هي التي ستحدد القضاة. ولعل هذه المطالب المتزايدة دفعت مسئولين في الليكود للقول بأن ليبرمان بالغ في مطالبه للانضمام للحكومة, إلا أن محللين إسرائيليين يرون أن ذهاب نتنياهو لحكومة يمينية ضيقة سيدفعه للرضوخ لمطالب ليبرمان.

 

ث‌) والإشكال الأخر في انضمام حزب إسرائيل بيتنا هو الطبيعة المزاجية الفردية التي تحكم هذا الحزب, فعندما انضم ليبرمان لحكومة أولمرت لم يطلب إلا وزارة واحدة وكان بإمكانه الحصول على أكثر, كما أنه انسحب فجأة من الائتلاف بحجة موافقة أولمرت على مؤتمر أنابوليس.

 

– الخلافات الموجودة داخل مكونات الحكومة, فمثلاً هناك تناقضات حادة بين مواقف حزبي إسرائيل بينا وشاس, وقد ظهر هذا الخلاف إلى العلن في الحملة الانتخابية, وبالرغم من محاولات الجانبين إخفاء هذا الخلافات إلا أنها تظهر بين الفينة والأخرى, وخاصة فيما يتعلق بالزواج المدني.

 

– الابتزاز المستمر الذي سيقع تحته نتنياهو من الأحزاب الدينية, فالمعروف أن هذه الأحزاب لها مطالب متواصلة بزيادة المخصصات للفئات التي يمثلونها, كما أنهم سيكبلوا نتنياهو في أي تحرك سياسي, خاصة وأن هذه الحكومة ضيقة ومن السهل إسقاطها. 

 

– إرهاق كاهل الحكومة بما يسمى (تكاليف الائتلاف), حيث من المتوقع أن تصل تكاليف تشكيل الائتلاف الحكومي الجديد لصندوق الدولة إلى نحو 2.3 مليار شيكل في العام, وتعتبر هذه تكاليف عالية جداً، خاصة في ظل الأزمة الاقتصادية والعجز المالي المتوقع.

 

– الصبغة اليمينية المتطرفة التي ستظهر بها الحكومة الجديدة, مما سيؤدي لزيادة الضغوط الدولية عليها وتراجع صورتها مكانتها الدولية, وقد عاشت إسرائيل هذه الحالة في عهد حكومة نتنياهو الأولى. وهذا يفسر سبب حرص نتنياهو على إشراك ليفني في الحكم؛ لأنه لا يريد أن يرتكب نفس الخطأ السابق.

 

– ومما سيعزز هذه الصبغة المتطرفة وجود العديد من الشخصيات المتطرفة, فمثلاً رئيس حزب الاتحاد الوطني أعلن سابقاً أنه من مؤيدي الشخصية الإسرائيلية العنصرية ( مئير كاهانا), بل وأنه كان احد تلامذته, وأنه ما زال يفتخر بذلك ويؤيد مواقف (كاهانا), بالإضافة للكشف أن ليبرمان كان عضوا في حركة كاهانا لتضاف إلى مواقفه العنصرية تجاه العرب سواء الموجودين داخل إسرائيل أو الفلسطينيين في الضفة وغزة وحتى في الدول المجاورة.

 

– زيادة الضغوط عليها من قبل الولايات المتحدة للإعلان عن موافقتها على الحل السياسي مع الفلسطينيين, وتبدو إرهاصات هذه الضغوط في الظهور, فالمبعوث الأمريكي للمنطقة جورج ميتشل يتحرك بنشاط واضح, وينوي افتتاح مكتب له في القدس لمتابعة الأمور عن كثب, عدا عن التصريح الواضح لميشيل حينما قال أن السلام الاقتصادي الذي يطرحه نتنياهو هو غير مقبول, بالإضافة إلى التصريحات المتكررة التي تنتقد إعاقة إسرائيل لدخول المساعدات إلى قطاع غزة.كما أن الاتحاد الأوروبي ينوي تجميد تطوير العلاقات مع إسرائيل لحين تشكيل الحكومة الجديدة والتعرف على توجهاتها السياسي

 

– سيقع على كاهل الحكومة القادمة التعامل مع ملف التهدئة مع قطاع غزة, والأهم التعامل مع ملف جلعاد شاليط فيما إذا قرر أولمرت ترحيل هذا الملف للحكومة القادمة.

التهدئة مع حماس

أثار الموقف الإسرائيلي تجاه ملف التهدئة حالة من اللغط الشديد في الأوساط السياسية الإسرائيلية, فبعد أن كان من الواضح أن الاتصالات بين مصر وحماس من جهة ومصر وإسرائيل من جهة أخرى قد أنضجت اتفاق التهدئة ولم يبقى إلا الإعلان عن ساعة الصفر لبدء سريان التهدئة, قرر أولمرت ربط انجاز التهدئة بالانتهاء من ملف الجندي جلعاد شاليط, لترتطم الجهود المصرية بحائط سد إسرائيلي.

 

هذا الموقف من أولمرت لم يعجب معظم أركان المؤسسة العسكرية الإسرائيلية لينفجر الخلاف العلني والحاد بين أولمرت والمبعوث الإسرائيلي إلى القاهرة بشأن ملف التهدئة عاموس جلعاد.

ويعتبر العديد من المتابعين أن هذا الموقف المفاجأ من أولمرت يحمل أبعاداً شخصية أكثر من أي شيء أخر, فأولمرت يرى أنه إذا تم فتح المعابر مع قطاع غزة بدون إطلاق سراح جلعاد شاليط فسيكون انتصاراً لحركة حماس, مما يعني انتفاء أي معنى للنصر الذي تدعي إسرائيل أنها حققته في حربها على الحركة, و اولمرت يسعى للمحافظة على صورة المنتصر خاصة في نهاية عهده بعد تلطخ بداية هذا العهد بعملية أسر جلعاد شاليط وهزيمة حرب لبنان الثانية. ولا يخفى أن محاولة أولمرت الربط بين الملفين ليس قراراً استراتيجياً, وإنما هو خطوة تكتيكية لزيادة الضغط على حماس بشأن ملف تبادل الأسرى.

 

إلا أن هذا الموقف لا يعني الدخول في حالة حرب جديدة ضد قطاع غزة, لأن المعطيات الإقليمية والدولية تغيرت بشكل واضح, فحديث العالم اليوم هو عن سُبل رفع الحصار عن القطاع وإعادة اعمار ما دمرته آلة الحرب الإسرائيلية. وستبقى إسرائيل تتعامل بردود محدودة على استمرار إطلاق الصواريخ من قطاع غزة على المستوطنات الإسرائيلية المحيطة بالقطاع

 

جلعاد شاليط

مع تسارع وتيرة التحركات السياسية لانجاز ملف تبادل الأسرى بين حركة حماس وإسرائيل, تصاعدت الخلافات السياسية والإعلامية داخل المجتمع الإسرائيلي بين فريقين : الفريق الأول يدعو لإعادة شاليط بأي ثمن والأخر يرفض إعادة شاليط لكن ليس بأي ثمن.

 

لكن الواضح من مجمل التحركات والنقاشات في المجتمع الإسرائيلي, أن الحكومة هناك قد خطت عدة خطوات إلى الوراء قياساً مع مواقفها السابقة من إطلاق سراح فلسطينيين مقابل شاليط. وأصبحت عبارة (الثمن المؤلم) لازمة لكل المتحدثين السياسيين في إسرائيل عند حديثهم عن الصفقة مع حركة حماس.

 

ولإضافة المزيد من الزخم في التحرك الإسرائيلي لانجاز صفقة التبادل شكل أولمرت فريق إسرائيلي لاستئناف الاتصالات مع مصر, والفريق مكون من (يوفال ديسكن رئيس الشاباك ومستشار أولمرت شالوم تورجمان, وعوفر ديكل مسئول ملف الأسرى والمفقودين في إسرائيل), وفعلاً سافر الفريق إلى القاهرة حاملاً معه مقترح إسرائيلي يتضمن أسماء أسرى حددتهم إسرائيل لتختار حماس من بينهم, وان من بين الأسماء أصحاب محكومات عالية كما قال أولمرت.

 

ويتحدث الإعلام الإسرائيلي عن قضية شاليط من جانبين: الأول بضرورة السعي والإسراع بإعادة جلعاد شاليط إلى بيته خاصة قبل انتهاء ولاية أولمرت كواجب أخلاقي خاصة أنه أُسر في عهده, والجانب الثاني عن التخوفات من تداعيات هذه الصفقة من جهة أنها ستشكل اكبر دليل على انتصار حماس في الحرب عليها, مما سيزيد من قوتها وشعبيتها, ومن جهة أن يشكل الأسرى المفرج عنهم رافعة قوية للمقاومة. 

 

ويقول محللون إسرائيليون إن المواقف المتصلبة لأولمرت إنما تهدف لزيادة الضغط على حركة حماس, وأنه معني بانجاز الصفقة قبل انتهاء ولايته لتسجل له كأحد أعماله الناجحة.

 

إلا أن الواضح أن حركة حماس متمسكة بمطالبها في صفقة التبادل, ولا تبدي أي مرونة أو تراجع في هذا الجانب, مما سيبخر أي إمكانية لادعاء الانجازات الإسرائيلية في هذا الملف.

 

ومن الملاحظ أن رئيس الوزراء القادم بنيامين نتنياهو لا يُدلي بأي تصريحات عن موضوع صفقة التبادل والثمن الباهظ الذي ستدفعه إسرائيل بالرغم من مواقفه اليمينية المتطرفة, لأنه يريد ألا يُعطل الصفقة حتى تنجز في عهد أولمرت ولا تُرحل إلى حكومته القادمة؛ كي لا يُسجل عليه أنه أطلق سراح أسرى فلسطيني (أيديهم ملطخة بالدماء) حسب الوصف الإسرائيلي.

موقع : عكا

مقالات ذات صلة