عين على العدو

شجاعة كارتر المتأخرة!

هناك سر في السياسة الامريكية حول فلسطين. حين يترك المسؤول السياسي منصبه، يكتشف كمية الظلم التي تمارس ضد الشعب الفلسطيني منذ النكبة، وصولا الي الاحتلال المديد للضفة والقطاع. جيمي كارتر، الذي هندس خلال رئاسته اتفاق كامب دايفيد الكارثي، اكتشف ان النظام الاسرائيلي تحول الي نظام تمييز عنصري، مما جند ضده جميع الاقلام الصهيونية في الولايات المتحدة. لكن الحملة علي الرئيس السابق لم تؤثر في مبيعات كتابه، الذي بقي يحتل قائمة الكتب الاكثر مبيعا فترة طويلة.


في الأمس القريب، قفز كارتر قفزة كبري الي الأمام. لم يعبأ بمقاطعة الزعماء الاسرائيليين لزيارته الي الأرض المقدسة، وذهب الي لقاء قادة حماس ، حاملا وساطة لتبادل الاسري، ومشروعا لوقف اطلاق النار.


هذه شجاعة كبري في السياسة الأمريكية، لكنها شجاعة متأخرة. وهي تشبه شجاعة المرشح الديموقراطي باراك اوباما، ولكن في شكل مقلوب. عندما كان اوباما ناشطا سياسيا في شيكاغو، كانت مواقفه الداعمة للقضية الفلسطينية واضحة، اما اليوم، اي عشية فوزه المرجح بترشيح الحزب الديموقراطي، فانه يبدو اقرب الي الموقف الامريكي الكلاسيكي الداعم لاسرائيل.


السلطة تضع في افواه القادة الامريكيين ماء اسرائيليا، بحيث يصيرون عاجزين عن الخروج عن خطاب مقرر سلفا. بينما يسمح لهم الابتعاد عن السلطة برؤية الأمور في شكل اكثر وضوحا، مما يجعلهم اقرب الي الموقف النقدي من السياسة الاسرائيلية.


هذا الواقع جديد ويجب ان يري العرب ايجابياته، من دون السقوط في وهمين:


الوهم الأول، هو ان السياسة الأمريكية تجاه قضية فلسطين تتغير في شكل جدي، وان هذا التغير سوف يقلب المعادلة السياسية بسرعة.


والوهم الثاني، هو ان السياسة الأمريكية لن تتغير علي الاطلاق، وان اي عمل في المجتمع المدني الأمريكي لن يكون له اي تأثير.


وهمان يقودان الرأي العام العربي الي حائط اليأس.


رهان التسوية الذي يسعي اليه النظام العربي، ومن ضمنه السلطة الفلسطينية، لن يقود الي مكان، ليس لأن احتمالات التسوية معدومة، بل لأن بناء شرطها العربي، اي بناء القدرة علي التلويح بالحرب، ليس متوفرا. فالنظام العربي، صار اسير السياسات الأمريكية الحمقاء، ولا هم له سوي البقاء في السلطة، لذا تخلي عن كل عقلانية، مستسلما لقدره.


اما رهان استحالة التسوية، فهو ايضا رهان عدمي، وهو ليس موجودا الا في البلاغة السائدة، لأن اي حرب يجب ان ترسم هدفا سياسيا ممكنا، اذ لا وجود لحرب من اجل الحرب.


العلاقة بالولايات المتحدة، ليست وصفة جاهزة، مثلما حاول الصحافي الكبير محمد حسنين هيكل تحديدها في زمن مضي، عبر دعوته الي استحالة مناطحة الثور الأمريكي. الأمور ليست بهذه البساطة، لأن تبسيطية طرح هيكل، قادت الي حماقة السادات في كامب دايفيد، وهي حماقة كشفت العالم العربي، وكانت عاملا اساسيا في ادخاله الي اتون الانحطاط الذي يعيشه منذ ثلاثة عقود.


تفكيك العالم العربي بدأ عندما رضخت القمة العربية للمشروع الأمريكي بالحرب علي العراق من اجل تحرير الكويت. يومها، وامام حماقة الديكتاتور العراقي، دخل العالم العربي كله في الحماقة واللاتوازن. اعتقد النظام السوري انه بمشاركته في غزو العراق سوف يستولي علي لبنان، واعتقد السعوديون والمصريون، انهم عبر توجيه ضربة ساحقة الي العراق سوف يستعيدون وهج زعامتهم العربية.


وكانت النتيجة كارثة مستمرة، اوصلت العالم العربي الي ما هو عليه اليوم من تشتت وفقدان للقيادة، بحيث صار الأمل الوحيد، هو رؤية الأعمي الامريكي، المدعو جورج بوش للدولة الفلسطينية؟


كان الاستاذ هيكل علي خطأ، ولا يبرر خطأه لعبة محاور السلطة المصرية، بعد غياب جمال عبدالناصر، فأمريكا يمكن ان تقاوم وتناطح، لكن شرط الانتصار الاستراتيجي هو امتلاك رؤية، تسمح للمقاوم بأن يقدم لعدوه عرضا لا يمكن رفضه، مثلما فعل الفيتناميون والجزائريون، في معارك التحرر الوطني.


نعود الي دلالات موقف الرئيس الأمريكي السابق جيمي كارتر، لنكتشف ان مواقف الرأي العام الأمريكي تجاه القضية الفلسطينية بدأت تتغير. وقد جاء هذا التغير كثمرة للنضال الفلسطيني الطويل من جهة، وكتتويج لعمل ثقافي جدي قام به مجموعة من المثقفين العرب الامريكيين، كان علي رأسهم استاذنا الكبير ادوارد سعيد.


غير ان التغير في الرأي العام، لا يمكن ان يترجم الي مواقف سياسية، في ظل هذا الغياب العربي الكامل عن تحمل مسؤوليات الأمن القومي العربي، من قبل الأنظمة الديكتاتورية الهرمة التي دخلت في موت سريري لا يجد من يجرؤ علي اعلانه. ولقد سبق وان شهد الرأي العام الأوروبي تغيرا كبيرا تجاه القضية الفلسطينية، غير ان هذا التغير لم يجد من يترجمه في السياسة، بسبب فقدان البوصلة السياسية العربية من جهة، وبسبب الضغط الأمريكي علي الاتحاد الاوروبي الذي لا يمتلك سياسته الخارجية المستقلة.


السؤال هو كيف يترجم الفلسطينيون تحولات هامة في الرأي العام الامريكي، تجسدها ظاهرة كارتر الي فعل سياسي.


الجواب علي هذا السؤال يبدأ من استعادة الوحدة الوطنية حول برنامج سياسي موجود هو برنامج الاسري، والخروج من حال التشرذم القاتلة، عبر استعادة اللحمة بين الضفة الغربية وغزة.


الوحدة الوطنية وحدها تسمح لفلسطين بالخروج من المأزق، وتعيد وضع القضية علي خريطة العالم.


ولكن متي؟ وكيف؟

مقالات ذات صلة