عين على العدو

“أدب الحصار” من رحم غزة الموجوعة

 


إسلام أون لاين


 غزة- دمـوع غـزة ووجع طُرقاتـها.. أنين أطفـالها وحـُزن عصافيـرها.. صرخات الثكالى وجراح الأحـلام.. دفتـر الطالب الممُزّق.. وحنجـرة العجـوز المخنـوقة.. الشمعة الأخيـرة والسـلك الشائك حـول المعبـر الدائم الإغـلاق.


وكـل تفاصيـل الحصـار وحكاياته المُتعددة الألـوان تبدّلت إلى ريشـة، قصيـدة، أنشـودة، كليب دامـع، فيـلم وثائقي، تصميم فني.


وتحول حصـار غزة القابـع أهلها في أكبر سجن عرفه التاريخ، إلى أدب يرفض الاستسـلام لواقع مؤلم شل مناحي الحياة ووأد أمنياتها الصغيـرة.


بصوتها وقلمها وبكل ما تملكه من أدوات، تقاوم غـزة، ولا تدع من وسيـلة إلا وتحدثت عن ألمهـا.


ومنذ عشـرة أشهـر أو يزيـد تكتوي غـزة بحصـار نال أدق تفاصيـل الحيـاة وسط صمـت عربي ودولي مُطبـق.


لوحات ناطقة


منتديات الإنترنت ما هدأ جفن روادها وهم يتفننـون في عمل وإعداد التصاميم الفنيـة المُعبرة عن غزة التي يختنق داخلها نحو 1.5 مليون فلسطيني.


“عمـار” الطالب الجامعي في كلية الهندسـة أكـد لـ”إسلام أون لاين.نت” أن ما تعيشـه غـزة من معاناة حرّضه على تصميم العديد من اللوحات.


وأضاف: “نستصـرخ العالـم بأقلامنا ونبض أفكـارنا، فمدينتنا المجروحة تحتاج لإبداعنا علّ القلوب النائمة تستيقظ”.


وعلى حاسـوبها تنشط “هناء حميد” (19 عاما) في تجميع صور ما خلّفه الحصار، ومن ثمّ تعكف على كتابة الشعارات وتُلـونها بما يجعلها لوحات تصرخ.


“أبو البراء” المُشرف على أحد المنتديات الفلسطينية قال لـ”إسلام أون لاين.نت”: “حُزن غـزة وحد مـوجة المُشاركين؛ حيث انهمك الجميع في تبيان ما نعانيـه وما أصابنا من هم وكمـد، هناك من ينشط في كتابة القصائد وآخـرون في دمج الصـورة، وفريق يُصمم الفلاشات المؤثـرة”.


في شـوارع غـزة تصـدح المسـاجد وسيارات الإذاعـة بأناشيـد “الحصـار” وألحان خرجت للنـور عقب اشتداد الحصار الإسرائيلي.


 


صـامد يا دار


الشعـراء كتبـوا وحناجر المنشدين غـردت لغزة المكـلومة، ومن أكثـر الأناشيـد انتشـارا وترديدا: “حاصرونا هالطُـلام.. حاصرونا بلقمتنا.. والعالم ساكت ما قام.. ويـن العرب تركتنا.. بالحصار وبالتشديد.. عن إسلامي ما بحيـد ولو قيدوني بحديد.. وهي الجنـة أملنا”.


إلى جانب “صـامد.. صامد يا دار.. صامد رغم الحصـار.. وغزتنا الحرة تشعلها ثـورة.. صامد يا بيت حانون…”.


ولم تقتصـر كتابة القصـائد والإنشاد على الفلسطينيين، بل تضامنت أقلام وأصوات عربيـة مع عذاب غزة.


المنشد العراقي محمد العزاوي أكـد في حديث له مع إحدى الإذاعات المحليـة أن أنشـودة بعنوان “لغزة المُحاصرة” ستخرج للنـور قريبا، وسيتم بثها على الفضائيات.


ولدى سـؤاله إن كان ألبومه الجديد سيتضمنها رد قائلا: “مُستحيل أن أتاجر بمشاعر غزة.. هي ليست للتسـويق إنما من القلب لغـزتنا الحبيبة”.


فضائيـة الأقصى وخـلال تغطيـتها للحصـار أنتجت عشـرات الكليبات والمقاطع الصـوتية المؤثـرة؛ لمُخاطبة الشارع العربي والرأي العام العالمي؛ لنصـرة غزة، وتركت للدموع والآهـات حُريـة الحديـث.


 


نعم.. أدب


“نقـطة وسطـر جديد”.. مُسلسل إذاعـي من إعداد وإخـراج الفنان الفلسطيني نبيل الخطيب تُعرض حلقاته يوميا على إذاعة الأقصى، ويتناول بقالب سـاخر فُكـاهي ما سببه الحصـار من مآس على كافة مناحي الحياة بغـزة.


ومن خـلال لقطات المُسلسل يُناشد “زعـتر” -بطل المسلسل- العالم بالتحـرك من أجـل إنقاذ غزة وعدم تركها تموت.


“عبـد الخـالق العف” الشـاعر والنـاقد الفلسطيني أكـد لـ”إسلام أون لاين.نت” أن غـزة رغم ألمـها وشـدة ما تُعانيـه لم تسلم بواقعها، بل صمدت، وأنجبت إبداعا من رحم الحصار.


وأضاف: “أرادت (غزة) أن تنتصـر وأن تُشعـل شمـوع الأمـل من وسـط الظـلام، لا أن تستسلم لأنينها”.


وحـول صحـة إطـلاق “أدب الحصـار” على ما سببته غـزة من إبـداع، رد قائـلا: “من باب التأريخ لهذه المـرحلة النضاليـة الهامة في ذاكـرة الشعب الفلسطيني، نعم يجـوز، ثم إن أدب الحصـار أثبت نفسـه عبر المؤسسات والمراكز الثقافية المُختلفة ومن خلال أفراد حملوا همّ الوطن”.


وأشار إلى أنه من الطبيعي جدا أن تنتشر القصائد والأناشيـد المتحدثة بلغة غزة المُحاصرة: “المثقف جزء من المجتمع لا يمكنه الانفصال عما يدور حـوله، إن لم يشعر الآن فمتى؟ وإن لم يكتب في هذا الوقت فمتى ؟!”.


ورأى الشاعر الفلسطيني أن هذه الفتـرة هي لاختبار دور المثقف: “إهانة للوطن ألا يكتب شاعره وفنانه عن ألمـه ومُصـابه، الأديب الحقيقي من يتفاعل مع حزن الشارع ونبضه”.


تجميـع إنتاج وإبداع “أدب الحصـار” فكـرة وصفـها العف بـ”الرائعة”: “مطـلوب أن نحتفظ بهذا الكم من الأعمال الفنيـة التي تؤرخ لمرحلة حساسة ومهمة لجهـة تُوثق ما يخصـها”، متمنيا الفـرج لغزة كي تصدح بـ”أدب الحيـاة”.

مقالات ذات صلة