المكتبة الأمنية

جمع المعلومات : غذاء الاستخبارات وعماد الاقتصاد الحديث

 


المجد- خاص


فرضت التحديات الجديدة وتنوع أشكال الصراع والمواجهات على عالم الاستخبارات والجاسوسية أوضاعا جديدة، فلم تعد الأنشطة التقليدية مجدية في سبيل جمع المعلومات والبيانات، ذلك النشاط الذي يمثل حجر الزاوية في عمل أجهزة المخابرات حول العالم، فعلى أساس هذه المعلومات يتم اتخاذ القرارات السياسية والاقتصادية والعسكرية الخطيرة. ومن أجل هذا التحدي بدأت أجهزة المخابرات حول العالم في البحث عن وسائل جديدة لتحقيق أهدافها في البحث عن المعلومة واصطياد العملاء ووضع الأطراف المناوئة تحت السيطرة،  سيما بعد أن افرز عالم ما بعد 11 سبتمبر 2001 قواعد جديدة للعبة بإعلان الغرب حربا مستمرة على “الإرهاب” رغم عدم دقة التعبير واستحالة التوصل لتعريف موحد ودقيق له فيما يتعلق بالزمان والمكان، إلا أن أجهزة المخابرات اخترعت عدوا تعمل دوما على تضخيمه والبحث عنه ومحاولة إجهاضه واختراقه بعد وضع دول ومجتمعات بعينها تحت مجهر البحث والتقصي مما تطلب تغيير الخطط والأساليب من أجل تحقيق الأهداف. وساهم التقدم التكنولوجي المفزع الذي يشهده العالم في استعار حرب التجسس والبحث عن المعلومات، لا سيما أن انعدام العدو يمثل أكبر خطر على أجهزة الاستخبارات ذاتها..


وسائل قديمة


الانتقال للبحث عن وسائل جديدة لا يلغي استغلال أجهزة المخابرات للأساليب البدائية القديمة لجمع المعلومات، ولعل أشهرها استخدام النساء عبر ممارستهن الفاحشة بكل درجاتها مع مصادر المعلومات. وقد يكون من أشهر النماذج في هذا السياق قيام الحركة الصهيونية في عهد الانتداب البريطاني في فلسطين بإنشاء جهاز خاص يضم آلاف الفتيات “المضيفات” اليهوديات اللاتي كانت كل مهمتهن في نطاق هذا الجهاز هي جمع المعلومات خلال الترفيه والترويح عن جنود وقادة القوات البريطانية وغيرها من جيوش دول الحلفاء، الذين كانوا ينزلون للراحة على شواطئ البلاد خلال الحرب العالمية الثانية، وذلك في إطار مساعي الزعامة الصهيونية لكسب تأييد تلك الدول لمشروعها الاستعماري وتسهيل تحقيقه على الأرض الفلسطينية.


 ففي ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي، كان هناك قرابة مائة ألف جندي بريطاني وأسترالي وغيرهم من عساكر الدول الأجنبية الذين خدموا في فلسطين الخاضعة لحكم الانتداب البريطاني، والتي شكلت في ذلك الوقت، إبان الحرب العالمية الثانية، ملاذا خلفيا لجبهة الشرق الأوسط، وكان هؤلاء الجنود والعساكر الأجانب يبحثون أثناء “استراحة المقاتل” عن قنص فرصة للمتعة والترفيه عن أنفسهم، ولحسن حظهم لم يواجهوا مشقة كبيرة في الوصول إلى مبتغاهم إذ وجدوا رهن إشارتهم نحو خمسة آلاف “مضيفة” يهودية مستعدات بإيعاز وتشجيع من مؤسسات الحركة الصهيونية كالوكالة اليهودية، لاستقبال واستضافة هؤلاء الجنود بكل الحفاوة والترحاب الحميميين. إلا أن قادة الجيش البريطاني أبدوا انزعاجهم الشديد بشكل خاص من “ازدياد أعداد جنودهم الذين أصيبوا بأمراض جنسية في تل أبيب” (250 إصابة)، الأمر الذي اضطر سلطات الجيش البريطاني في العام 1945 إلى افتتاح معهد طبي خاص في شارع “بن يهودا” بتل أبيب لإجراء فحوصات للجنود الذين ارتادوا دور الدعارة. خاصة أن مسئولي المشروع الاستيطاني في فلسطين، كانوا يشجعون ويدعمون إقامة المزيد من مؤسسات ودور الترفيه واللهو اليهودية التي أخذت تنتشر في مدن وأماكن أخرى في أنحاء البلاد “تلبية لاحتياجات” الأعداد المتزايدة من الجنود الأجانب المتدفقين عليها في فترة الحرب العالمية الثانية، لاستحلاب كل ما يملكون من معلومات!


مراكز الأبحاث


ما سر إصرار مؤسسة جامعية أمريكية على الإنفاق بسخاء على بحث يناقش التفاصيل الدقيقة لجامعي القمامة في مصر؟! ولماذا اهتمام المراكز والمؤسسات البحثية الأمريكية بمنطقة النوبة والفيوم على وجه الخصوص؟.. تساؤلات هامة حول أمور غامضة تثير الدهشة حول تمويل جهات بحثية وأكاديمية لأبحاث تتميز بالغرابة للوهلة الأولى، ورغم شعارات “العناية بالمهمشين في المجتمع”، و “حقوق الانسان” يظل الأمر مثيرا للشكوك الأمنية.. وهو ما لفت انتباه أحد الباحثين العرب، هو الدكتور الراحل حامد ربيع، لدرجة إصداره مبكرا لكتاب بهذا الشأن قبل ربع قرن تقريبا من الآن، جاء عنوانه “قراءة في فكر علماء الإستراتيجية.. الاستعمار والصهيونية وجمع المعلومات عن مصر”، حيث عبر آنذاك عن قلق بالغ من دور المعلومات وخطورتها في الإستراتيجية الأمريكية، وخصوصية العلماء العرب، الذين يأتون من الولايات المتحدة الأمريكية، منبها إلى ضرورة عدم إتاحة الفرصة لهم للمشاركة في الأبحاث التي تتيح لهم جمع معلومات عن الأمة، لأن بعضهم يمثلون أدوات متقدمة للمخابرات الأمريكية، يخضعون لتوجيهها بطريقة أو بأخرى، ودأبت الأجهزة الحاكمة في الولايات المتحدة لاسيما وزارة الدفاع والخارجية ووكالة المخابرات الأمريكية في السنوات الأخيرة على تكليف الباحثين بإجراء دراسات وأبحاث حول الظواهر المختلفة التي تعيشها البلدان العربية، ويمثل معظم الأكاديميون العرب الذين يعيشون في الولايات المتحدة الأمريكية الفئة الأبرز في تولي هذه المهام بحكم علاقاتهم الحضارية والفكرية بهذه الظواهر.


 وبحسب المؤلف فقد حرصت القوى الاستعمارية والصهيونية في العمل على جمع المعلومات في مصر عبر المؤسسات العالمية الكبرى إضافة إلى زمرة الجواسيس الذين يلتحفون رداء العلم والبحث الأكاديمي وذلك من أجل التعرف على الداخل المصري وفهم طبيعته والعقلية التي تحكمه ومن ثم التعامل معه. وكان ولا يزال الهدف الاستخباراتي الأول هو تفتيت الوطن العربي وتقسيمه إلى دويلات طائفية من خلال تشجيع المذهبية وتدعيم الولاء الطائفي ومساندة الزعامات الضعيفة ودفعها إلى دائرة السلطة والقيادة، وخلق طبقة نفعية ونشر الكراهية ضد العالم العربي والإسلامي تحت شعار محاربة الإرهاب وتدعيم الترابط الدولي ضد المصالح العربية. ويبدو غريبا التأكيد على أن مثل هذا الكلام صدر عن باحث عربي قبل ربع قرن، حين كان الحديث عن الإرهاب في المنطقة العربية مجرد ضرب من الأوهام ومضيعة للوقت!


استخبارات اقتصادية


يلعب الاقتصاد دورا مؤثرا في إشعال حرب المعلومات، خاصة أن الاقتصاد بات محركا للسياسة والآلة العسكرية في العصر الحديث أكثر من أي وقت مضى، وعليه كان من الضروري أن تسارع أجهزة المخابرات المختلفة إلى تأسيس وحدات استخبارات اقتصادية تقوم بجمع وتحليل البيانات حول الأنشطة الاقتصادية، للهيئات والشركات، بل والدول المنافسة في أي مجال من المجالات، حيث يكون الحرص على الحصول على أحدث وأهم المعلومات الاقتصادية، أولا بأول، عبر وسائل سرية ومعقدة، بدءا من تجنيد الجواسيس “الجدد”، أي جواسيس الاستثمار، مرورا بصور الأقمار الصناعية، أو أجهزة المراقبة والتنصت، في المواقع الأساسية والرئيسية. قد لا يدور بخلدك أن عامل النظافة الذي يطالعك ببلاهته المعتادة صباح كل يوم في مكتبك، هو مجرد جاسوس مدرب جيدا، يرضى بدولاراتك القليلة، فقط لأنها بوابة مضمونة إلى رصيد بنكي، قد يكون من بين أحلامك أنت شخصيا!


“شيرمان كنت”، الخبير المحنك بـ”مكتب الدراسات الإستراتيجية الأمريكية” سابقاً، ورئيس “مكتب التقديرات القومية” بالـ(CIA)، كان من بين أبرز الشخصيات الاستخبارية التي حرصت على وضع تعريف لمفهوم التجسس الاقتصادي، وتحديد طريقة لقياس الاستخبارات الاقتصادية، فيقول: “يجب على جهاز الاستخبارات مراقبة ما إذا كانت هناك محاصيل جديدة، أو تطوير للطرق الحديثة في الزراعة، أو تغيير في آلياتها، أو في استخدام الأرض والسماء؛ لخدمة هذا، ومتابعة مشاريع الاستصلاح الزراعي، وما إلى ذلك، كما يجب أن نتتبع اكتشاف أي تقدم علمي جديد، ونشوء أية مصانع أو مناجم جديدة”. الأمر إذا يعني مراقبة وتتبع كل ما يستجد على برنامج الحياة اليومية للمواطن العادي، وهي أمور قد لا تلفت انتباه مسئولي البلد ذاته!


وتعد مدرسة الحرب الاقتصادية في فرنسا أولي المدارس علي مستوي العالم اهتماماً بقضية الاستخبارات الاقتصادية، إيماناً بالدور الذي تلعبه في تغيير الخريطة العالمية، وتم إنشائها منذ 13 عاما، وتعنى بجمع المعلومات التنافسية الاقتصادية سواء علي المستوي المحلي أو المستوي الدولي. في هذه المنشأة التي أقيمت خصيصا لغرض “التجسس الاستثماري، ومواجهته في نفس الوقت”، يتم اختيار عدد من المتدربين المهرة، من ذوي التخصصات الدقيقة في كافة المجالات، حيث يتم إخضاعهم لبرنامج تأهيلي ينقسم إلى أربع فروع رئيسية هي “أساليب التفكير الاستراتيجي، والإستخباراتية الاقتصادية الهجومية، وإدارة المعرفة، والسيطرة علي المخاطر المعلوماتية،  بجانب دراسة اللغات والتطبيق العملي


ويهدف البرنامج إلي تعليم المتدرب كيف يستطيع من خلال استخدام وسائل المعلوماتية – خاصة الإنترنت والتقارير السنوية التي تصدرها الشركات، فضلا عن استغلال الوسائل التجسسية التقليدية من عملاء وتنصت ومراقبة.. وتكون النتيجة هي توافر “جاسوس اقتصادي” من الطراز الأول، قد تتهافت عليه عدة شركات، إما للاستعانة به، أو حتى لاتقاء شره الذي قد يستخدمه الآخرون، على أقل تقدير.


وإذا كانت الولايات المتحدة الأمريكية تحتل مرتبة الريادة في هذا النشاط، إذ تستخدم أكثر من 95 % من شركاتها أحدث التقنيات والوسائل التكنولوجية المتطورة المشروعة وغير المشروعة في التجسس علي الشركات المنافسة لها علي مستوي العالم، فإن العديد من الدول، لا سيما المتقدمة منها، انتبهت إلى هذه الكارثة التي تحدق بها، فلجأت هي الأخرى إلى عدة وسائل دفاعية لحماية مصالحها الاقتصادية والحيوية، كان من بينها تعمد إصدار تقارير وبيانات غير صحيحة، لتضليل جحافل الجواسيس الذين يسيل لعابهم خلف كل رقم أو خبر اقتصادي.


مقاول لجمع المعلومات


في أحدث الأساليب غير التقليدية لجمع المعلومات استأجرت وحدة المخابرات بوزارة الدفاع الأمريكية البنتاجون مقاولين ومتعهدين متخصصين للقيام بجمع المعلومات داخل أروقة المجتمع الأمريكي، وذلك حتى تقوم بالتجسس على المنازل والشركات والمدارس ودور العبادة، وقامت وكالة استخبارات البنتاجون بتوقيع ثلاثة عقود مع شركة  MZM بلغت قيمتها مليونا دولار أمريكي نظير إمداد البيت الأبيض بخدمات استخباراتية، وذلك بحسب التقرير الذي نشرته صحيفة “نايت رايدر” الأمريكية, ولم يكن هذا التعاون هو الأول من نوعه بين الشركة ووحدة استخبارات البنتاجون، إذ وقع الطرفان اتفاقا في عام 2002 يقضى بقيام  الشركة بتزويد وحدة أبحاث المعلومات بالبنتاجونCIFA  بالدعم التقني في مقابل مبلغ 500 ألف دولار أمريكي. حيث قامت الشركة بوضع قاعدة معلومات ضخمة خاصة بالمواقع والمباني من خلال خرائط رقمية يتم التقاطها عبر صور الأقمار الاصطناعية ، تتيح معرفة التفاصيل الدقيقة عن حياة أي شخص.


طرافة أم دجل


قد يكون من بين الأساليب الحديثة التي تلجأ اليها أجهزة الاستخبارات في جميع أنحاء العالم، ما يعد ابتكارا يحوز الاعجاب الذي يصل الى درجة الاندهاش، إلا أن هذا العالم لا يخلو من مواقف قد يعتبرها البعض دجلا، وقد يعتبرها البعض الآخر باعثا على الضحك، من جراء التناقض الرهيب الذي يجمع بين أحدث التقنيات وأقدم التخاريف الشعبية، التي ترتبط برباط وثيق مع الجهل والأساطير. ولعل من أبرز الوقائع التي تنتمي إلى هذا النوع الأخير، ما حدث في الولايات المتحدة، قبل ثلاثة أعوام، عندما شارك عدد من كبار المسئولين بالمخابرات الأمريكية في اجتماع عقد بوزارة الدفاع الأمريكية “البنتاجون” مع كاتب يهودي يدعى “مايكل دروسنين”، زعم انه يمكن العثور على المكان الذي يختبئ فيه أسامة بن لادن عبر رموز موجودة في النسخة العبرية من العهد القديم (التوراة). وبدلا من طرد مايكل الذي يروج لنبوءات توراتية، جلس ضباط المخابرات الأمريكية يستمعون إليه في أدب وتركيز هائلين. ومايكل دروسنين هذا، قام بتأليف عدد من الكتب التي حققت مبيعات واسعة حول النبوءات التوراتية، على طريقة نبوءات اليوناني نوسترداموس، ويبدو أن ذلك اللقاء الهزلي تم بتزكية من الموساد الإسرائيلي لاقرانهم في السي اي ايه ، حيث تبين أن كبار المسئولين في المخابرات الصهيونية اجتمعوا مراراً بهذا الرجل! بل ويعتمدون عليه أحيانا في تحديد أماكن اختباء المطلوبين أمنيا


أنه حقا عالم مليء بالإبداع والتناقض والتنافس في آن واحد.. أنه عالم جمع المعلومات، حيث الجرائم المستحدثة التي بدأت لتوها.

مقالات ذات صلة