الأمن عبر التاريخ

أبو بكر الصديق رجل الأمن ذو الحس العالي

المجد- خاص

لما كان سيدنا أبو بكر معروفًا لدى معظم سكان الطريق، لاختلافه إلى الشام بالتجارة، ركب خلف رسول الله صلى الله عليه و سلم، وكان يمر بالقوم فيقولون: من هذا الذي بين يديك يا أبا بكر؟ فيقول:هذا الرجل يهديني الطريق .. وفي ذلك تورية من أبي بكر رضي الله عنه، فطالما أن رسول الله صلى الله عليه و سلم هو الهدف لقريش، ورصدت لمن يعثر عليه مائة ناقة، وهي ثروة طائلة تجعل كل من يسمع بهذه الجائزة يجتهد في البحث عن النبي صلى الله عليه و سلم، بغية الحصول على تلك الثروة..

وتقديرًا للموقف لم يكشف أبو بكر رضي الله عنه عن شخص الرسول صلى الله عليه و سلم، بل اكتفى بالتورية، وبالتالي كانت إجابته تنفي الاستفهام الذي يحوم حول الركب دون أن يكذب.‏

إن الدعاة إلى الله لابد أن يكونوا على قدر من الوعي واللباقة، وحضور البديهة، وحدّة الذكاء، مما يجعلهم قادرين على مخادعة عدوهم، والإفلات منه .‏

حس من الطراز الرفيع

ويظهر الحس الأمني لسيدنا أبي بكر، في موضع آخر، حين قال: (فضربت بصري هل أرى ظلاً نأوي إليه، فإذا أنا بصخرة، فأهويت إليها، فنظرت فإذا بقية ظلها فسويته لرسول الله صلى الله عليه و سلم، وفرشت له فروةً، وقلت: اضطجع يا رسول الله! فاضطجع، ثم خرجتُ أنظر هل أرى أحدًا من الطلب، فإذا أنا براعي غنم، فقلت: لمن أنت يا غلام؟ فقال: لرجل من قريش، فسمَّاه فعرفتُه، فقلت: هل في غنمك من لبن؟ قال: نعم. قلت: هل أنت حالب لي؟ قال: نعم. فأمرته فاعتقل شاة منها، ثم أمرته فنفض ضَرْعَها من الغبار، ثم أمرتُه فنفض كفيه من الغبار، ومعي إداوة على فمها خِرقة، فحلب لي كُثْبَةً ­ أي قليلاً­ من اللبن، فصببت على القَدَح حتى برد أسفله، فقلت: اشرب يا رسول الله! فشرب حتى رضيت، ثم قلت: هل آن الرحيل؟ فارتحلنا) .‏

هذا النص يؤكد حرص واهتمام أبي بكر بعدة جوانب لتحقيق الحماية والأمن، من أبرزها استكشاف مكان الاستراحة، حيث ذهب إلى الصخرة، وتيقن من خلوها، فنظفها وفرش لرسول الله صلى الله عليه و سلم الفروة ليستريح عليها، فهذا تصرف في غاية الحكمة، فالظل في الصحراء مطلب كل سائر على الطريق، ليحتمي به من حر الشمس الحارقة، كما أن الصخرة ربما يكون مختبئاً وراءها أحد أفراد قريش ممن يطلبون ركب الهجرة، أو أحد عابري السبيل، الأمر الذي قد يعرّض الركب النبوي للخطر، وحتى ينتفي هذا الاحتمال، ذهب أبو بكر، وتأكد من خلو الصخرة من البشر.‏

  

ولم يكتف بذلك، بل قام بمسح شامل حول الصخرة، فعندما رأى الراعي ذهب إليه بنفسه وبادره بالسؤال قبل أن يسأله الراعي، وهذه مبادرة موفقة من الصديق رضي الله عنه، وربما قصدها لمنع الراعي من أي استفسار لمعرفة شخصية أبي بكر، ثم بادره مرة أخرى طالبًا منه أن يحلب له لبنًا، ولم يقل له: احلب لنا، ليوهم الراعي بأنه وحده، وليس معه أحد، ثم طلب من الراعي أن ينفض الغبار عن ضرع الشاة، مخافة أن يؤذي ذلك رسول الله صلى الله عليه و سلم، فيسبب له ألـمًا يمكن أن يعوق تقدم الركب.‏

 

وقول أبي بكر لرسول الله صلى الله عليه و سلم وبمجرد انتهائه من شرب اللبن: هل آن الرحيـل؟ يـدل علـى الحـس الأمني العـالي لدى أبي بـكـر، حيث لا ينبغي لهذا الركب أن يطيل الاستراحة، والطلب في أثره، ولابد من الاستفادة من السير في وقت القيلولة الذي يندر فيه المرور، وبالتالي تقل فرص الظفر بالركب من قبل المتربصين به.‏

مقالات ذات صلة