المكتبة الأمنية

هل الجيش الصهيوني مستعد لمواجهة الدول العربية في حرب نظامية؟!

المجد-

كان الفرض الأساسي لصياغة السياسة الأمنية لدولة الاحتلال منذ أقامتها انه يجب أن يكون الجيش مستعدا لمواجهة أي سيناريو تهديد من قبل الدول العربية، مشتملا على حرب لمواجهة الدول العربية قاطبة.

كانت الثقة غير المهتزة من صياغة سياسة الأمن بقوة هذا المبدأ العنصر الأهم في صياغة مواقف دولة الكيان من القضايا الأمنية المختلفة. وقد برهن أداء الجيش الصهيوني في العمليات الأولى من تاريخه أن يده قوية ولم يكن شك عند احد في أن دولة الكيان هي المنتصرة. بيد أنه الآن – بعد المواجهة الحربية في قطاع غزة (كانون الأول 2008 – كانون الثاني 2009)، مواصلة للمواجهة التي كانت في لبنان (تموز – آب 2006) – يبدو أن قوة هذا المبدأ مشكوك فيها.

بدأت الحرب في قطاع غزة وحرب لبنان أيضا بقدر كبير في ظروف مثلى من وجهة نظر دولة الكيان. بعد سنين طويلة من ضبط دولة الكيان نفسها لإطلاق الصواريخ وما أشبهها على نحو لا ينقطع على مدن الجنوب. وجه نقض شديد لضبط النفس هذا – مهما كانت أسبابه – من قبل دوائر كثيرة ، ولا سيما من قبل سكان المدن التي تحملت الخسائر ومن قبل دوائر سياسية موالية لليمين على نحو عام.

مع ذلك تبين منذ بدأت المعركة أن ضبط النفس هذا أسهم إسهاما جليلا في نشوء إجماع واسع جدا على تأييدها في المجتمع الصهيوني, كان واضحا عند مستويات كثيرة عند المجتمع الإسرائيلي تشتمل على أولئك الذين يتحفظون دائما من استعمال القوة في سياستها.

أسهم ضبط النفس ايضا في نشوء جو تعاطف في النظام الدولي على الإجراءات العسكرية (مثل "فترة الانتظار" التي سبقت حرب الأيام الستة). هذا التعاطف الأساسي كان موجودا أيضا بغير صلة بسياسة ضبط النفس، على خلفية حقيقة أن دولا كثيرة في النظام الدولي ترى الإسلام المتطرف الذي تمثله حماس تهديدا لها لا لدولة الكيان فقط. مع ذلك يمكن أن نفترض أن سياسة ضبط النفس عظمت بقدر كبير النظرة المتسامحة والموالية جدا التي أظهرتها دول كثيرة إزاء الحرب في قطاع غزة. تم التعبير عن النتيجة العملية لهذا التعاطف بحقيقة أن النظام الدولي بيّن لدولة الاحتلال منذ بدء الحرب انه يمنحها اليد الحرة لمدة ما، لم تحدد مقدما، لكنها مدة تمنح دولة الاحتلال القدرة على هزيمة حماس بوضوح، إذا استطاعت ذلك فقط من جهة عسكرية.

كان توقيت العملية أيضا مريحا جدا لدولة الكيان  من جهتين على الأقل:

 

1.   نهاية السنة الميلادية هي فترة تشبه تجميد النشاط في النظام الدبلوماسي الدولي بسبب الاستعدادات للسنة الجديدة، وعلى ذلك كان واضحا انه لن يمكن "صوغ" تسوية ما لهدنة في هذه الفترة. أي أن دولة الكيان تملك حرية العمل المؤقتة على الأقل في الصعيد العسكري؛

2.   . المدة بين نهاية حكومة الرئيس بوش وتولي إدارة الرئيس المنتخب أوباما منحت الاحتلال أيضا حرية عمل واسعة، بغير ما صلة بحقيقة أن الإدارة الأمريكية برئاسة الرئيس بوش أظهرت موقفا متعاطفا جدا مع دولة الاحتلال منذ بدء العملية.

بدأت العملية بمفاجأة تكتيكية لحماس. كان التقدير الذي ساد دوائر حماس ان دولة الكيان ستمتنع عن مواجهة شاملة عشية الانتخابات. فاجأ قرار الخروج لعملية واسعة، بخلاف جميع التوقعات، حماس تماما. فمن جهة تكتيكية بدأت المعركة بهجوم جوي كثيف، أصاب إصابة شديدة عشرات كثيرة من رجال الشرطة من حماس و البنى التحتية.

في المراحل الأولى من المواجهة كان بينا أن حماس في صدمة تامة بعقب مبادرة الكيان الهجومية. وقد فاجأت المرحلة الثانية من المعركة، أي العملية البرية حماس أيضا. في الحصيلة العامة تم التقدم البري في أيام القتال الأولى بغير عوائق خاصة؛ وفي النهاية تلقت حماس بمفاجأة قرار وقف إطلاق النار من طرف واحد أيضا.

في أثناء الحرب كلها تمتعت دولة الاحتلال بتفوق تام على العدو إزاءها سواء أكان ذلك في مقدار القوات التي تملكها، أو زيادة قوة النار التي استطاعت إظهارها، أو في الصعيد التكنولوجي. وفوق كل شيء كان لدولة الاحتلال وما يزال تفوق جوي راسخ غير مهدد. نجحت الذراع الجوية في أن توقع بحماس ضربات شديدة من غير أن تستطيع المس بنشاطها هذا على نحو ما.

بالرغم من الصورة المثلى لهذا الوضع، أصبح واضحا اليوم ان دولة الاحتلال لم تنجح في إحراز حسم واضح في الميدان على نحو يمنع سؤال "من انتصر في الحرب"، كما قال رئيس الأركان اشكنازي. فهذا السؤال يطرح ويطرح. وان يكن ذلك بتشكك اقل كثيرا من ذلك الذي ميز الأسئلة الحائرة التي أثيرت بعد حرب لبنان الثانية. هذا الجزم لا يناقض بالضرورة حقيقة أن دولة الاحتلال كانت لها انجازات كبيرة جدا في الحرب منها:

المس الشديد ببنى حماس التحتية ورجالها. فقد أفضى رد دولة الاحتلال غير التناسبي إلى دمار واسع في القطاع.

نجحت دولة الاحتلال كما يبدو (بحسب كلام رئيس الحكومة أولمرت على الأقل) في أن تضمن وجود نظام رقابة أنجع مما كان في الماضي على تهريب السلاح إلى القطاع تلعب دورا فيه مصر والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي.

في الوقت نفسه لا يمكن أن نقلل من انجازات حماس. فبعد نهاية ثلاثة أسابيع من المواجهة مع دولة تعرف أنها "قوة عسكرية إقليمية" مثل دولة الاحتلال، وفي حين أن ظروف بدء المعركة كانت مثلى من وجهة نظر دولة الاحتلال، بقيت حماس في الواقع "واقفة على قدميها". بل إن أفرادها حاولوا هنا وهناك ضرب جنود الجيش الصهيوني المنسحبين إلى الشمال من الخلف. ولم تحجم أيضا عن إطلاق الصواريخ على دولة الاحتلال ، حتى بعد دخول الهدنة حيز التنفيذ.

ومنذ ذلك الحين استمر "تقطير" شبه يومي للصواريخ نحو بلدات الجنوب. علمتنا تجربتنا التاريخية أن الواقع الهادئ نسبيا الذي نشأ بعد نهاية العملية سيثبت مدة محدودة. تستطيع حماس في الصعيد السياسي أن  تستمد التشجيع من دعوات دول كثيرة – منها تعريض ومنها تصريح – في النظام الدولي، ولا سيما الولايات المتحدة وأوروبا، إلى زيادة مرونة المواقف المتصلة بالاعتراف بها ومفاوضتها. هذه الدعوات تزيد في شرعيتها في النظام الدولي وهي عنصر آخر في انجازاتها بعد المعركة.

امتحان جديد

هذا الميزان العام لنتائج المعركة في قطاع غزة مضافة إلى نتائج حرب لبنان الثانية (ولا سيما استمرار تسلح حزب الله وتعزيز مكانته وقوته في الساحة اللبنانية الداخلية)، يوجب على دولة الاحتلال امتحانا عميقا لقوة نظريتها الأمنية البعيدة المدى وقدرتها على الصمود لتهديدات اشد قد تواجهها.

توجد في الخلفية عدة نقاط تستحق الذكر: أ. تشير المعركتان في لبنان وغزة الآن بوضوح إلى أن تهديد المنظمات الإرهابية لدولة الكيان تجاوز منذ زمن إطار الأمن الجاري وجعل نفسه في إطار التهديدات الإستراتيجية.

يتبين أيضا أن احتمال الحفاظ على تهديد كهذا في درجة منخفضة وقتا طويلا ضعيف. في نهاية الأمر تتصاعد المواجهة المضايقة في ظاهر الأمر في اتجاه مواجهة حربية شاملة.

أظهرت المعركتان، في غزة وفي لبنان قابلية الجبهة الصهيونية الداخلية للإصابة, ففي غضون مدة زمنية قصيرة نسبيا نجحت المنظمتان في الشمال والجنوب في أن تصيبا إصابة شديدة الجبهة الصهيونية الداخلية، برغم المنعة التي أظهرها المواطنون في المنطقتين. في فترة المواجهة في الشمال ترك مئات الآلاف من المواطنين المنطقة وتوجهوا إلى الجنوب. وفي أثناء عملية "الرصاص المصهور" ترك مواطنون من الجنوب المنطقة وتوجهوا شمالا فترات مختلفة لكن بمقدار اقل كثيرا. في المنطقتين تضرر النظامان الاقتصادي والاجتماعي كثيرا وما زالا لم يرمما كاملين.

من المعلوم أن الجيش الصهيوني ليس له رد حقيقي على تهديد الجبهة الداخلية إذا نشأت مواجهة حربية أخرى مع حزب ا لله أو حماس في المستقبل القريب.

احتاج الجيش الصهيوني في المعركتين إلى استعمال قوة كثيفة من سلاح الجو، والمدرعات والمشاة. وفي الحالتين احتيج إلى تجنيد كبير لأفراد الاحتياط, وفي الحقيقة أن الجيش الصهيوني لم يستنفد جميع قدراته، لكن المعركتين دارتا من جهات كثيرة في مخطط حرب نظامية من جميع جوانبها. لا في مخطط "حرب ضعيفة"، كما أعتيد تسمية المواجهة بين دولة ومنظمة.

في المعركتين كما قيل آنفا لم ينجح الجيش الصهيوني في التوصل إلى حسم حقيقي إزاء الأعداء الذين يقلون عنه كثيرا من كل جانب عسكري. يجب على الجيش الصهيوني أن يقدر انه ربما تفرض علينا في المستقبل القريب معركة مشابهة مع الأعداء أنفسهم، وسيحتاج المجتمع الصهيوني مرة أخرى إلى تخصيص موارد آخذة في الكبر للدفاع عن نفسها. ينبغي أن نفترض في الواقع أن يصاب في المعركة المقبلة مواطنون في مركز البلاد أيضا، وانه سيصعب على الجيش الصهيوني مرة أخرى رد يضمن النصر حتى بمعناه المحدود.

إمكانية المواجهة

هذه صورة وضع مقلقة جدا من وجهة نظر دولة الاحتلال، لأنه فضلا عن الأخطار التي تعرضها لها المنظمات ، يجب عليها أن تستعد لتهديدات اشد قد تواجهها في المستقبل. والقصد إلى إمكان مواجهة مع دول عربية على نحو يشبه ما تعرضت له دولة الاحتلال في حرب الأيام الستة وحرب يوم الغفران. ففي الحالتين واجهت دولة الاحتلال دولتين أو ثلاثا من الدول العربية. لا يبدو هذا السيناريو الآن خطرا حقيقيا، على خلفية حقيقة أن لدولة الاحتلال اتفاقات سلام مستقرة جدا مع مصر والأردن. دولة المواجهة الوحيدة للكيان هي سورية. من شبه المحقق أنها ستحجم عن خطوات قد تجعلها تواجه وحدها مواجهة شاملة.

مع ذلك برهن التاريخ على أن الشرق الأوسط مليء بالمفاجآت والسيناريوهات غير المتوقعة، وعلى ذلك يجب على دولة الاحتلال أن تفكر في خطر مواجهة حربية مع دول عربية في حين تكون بمقابلة ذلك في مواجهة عنيفة مع منظمات تساعدها، وان ترى هذا إمكانا قد يتحقق في مرحلة ما في المستقبل.

في هذه الحالية ستواجه الجيش الصهيوني جيوش نظامية فيها مئات الآلاف من الجنود، تصحبهم قوات مدرعة، ومشاة وقوات جوية بمقادير عظيمة.

وأكثر من كل ذلك أن هذه الدول تملك قدرة كبيرة على أبطال تفوق دولة الاحتلال الجوي بقدر كبير كما برزت في حرب لبنان وفي المعركة في قطاع غزة بوساطة عنصرين أساسيين:

أ. أحداث ميزان رعب، أي إطلاق صواريخ بعيدة المدى على مدن دولة الاحتلال الرئيسة ردا على نشاط سلاح الجو.

ب. استعمال نظم متقدمة للدفاع الجوي لإصابة طائرات سلاح الجو. ويعني ذلك أن الذراع الإستراتيجية الرئيسة للكيان لن تستطيع العمل بحرية كما عملت في المواجهات الأخيرة.

وإمكان اخطر هو حرب تبادر إليها الدول العربية والمنظمات على الكيان، تبدأ بإطلاق كثيف للصواريخ وقصف المدافع لدولة الكيان – المدن، والتجمعات السكنية، والقواعد العسكرية وطرق النقل والمصانع المختلفة وما أشبه.

تقول التقارير أن حزب الله يملك اليوم عشرات الآلاف من مثل هذه الصواريخ تغطي مساحات واسعة داخل الكيان. وتملك سوريا كمية اكبر واشد كثافة من الصواريخ. يجب على دولة الكيان أن تفكر في إمكان أن يتم إطلاق كهذا بمفاجأة تامة.

ساد الكيان حتى الآن فرض أن اذرع الكيان الاستخبارية سيمكنها التحذير من إجراء حربي تخطط له جهة عربية. لم يعد يوجد يقين من ذلك. إن إطلاقا كثيفا كهذا قد يسبب شللا، ولو جزئيا، للنشاط الذي يشتمل عليه الاستعداد للهجوم المضاد.

اخذ ينشأ إزاءنا واقع امني صعب شديد، يشك في أن تملك دولة الاحتلال ردا مناسبا عليه – على أساس استعدادها الأمني الحالي. توجد علامة سؤال أثقل فوق احتمال أن تخرج دولة الاحتلال من مواجهة كهذه منتصرة. صورة الوضع هذه توجب على دولة الاحتلال أن تفحص نظريتها الأمنية فحصا جديدا عميقا.  

باحث رفيع المستوى في معهد أبحاث الأمن القومي

ومحاضر في جامعة بن غوريون في النقب.

 

مقالات ذات صلة