الأمن المجتمعي

السر في أيام الحروب والغزوات !!

 


       إن معرفة أسرار العدو وأخباره تفيدنا فائدة كبيرة في كسب المعارك ، أو على الأقل في دفع الخطر وإعداد العدة والاستعداد للمفاجآت ، والإسلام يأمرنا أن نأخذ الحذر ونتيقظ ونحتاط لأنفسنا عن طريق معرفتنا بخصمنا وفيما يلي صور مما كان يفعله الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـلجمع الأخبار . ففي السنة النبوية حدث ما يلي:


 


‌أ- ” أرسل سرية بقيادة عبد الله بن جحش إلى نخلة بين مكة والطائف وكتب له كتابا وأمره ألا ينظر ما فيه حتى يسير يومين ، ولما فتحه بعد اليومين وجد فيه تعيين الجهة التي أرسل إليها، والمهمة التي وكلت إليه فالجهة هي نخلة ، والمهمة هي التربص بقريش ومعرفة أخبارهم ، وكان ذلك في شهر رجب في السنة الثانية من الهجرة .


 


‌ب- ذهب النبي صلى الله عليه وسلمومعه أبو بكر إلى بدر وقابلا رجلا وسألاه عن أخبار قريش وعرفا منه مكانهم ولما كان الرجل قد شرط عليما أن يعرف من أي قبيلة هما فقال النبي: أخيرا نحن من ماء ، ثم انصرفا عنه وحار الرجل في معرفة هذا النسب أو هذه الجهة.


 


‌‌ج- أرسل النبي في بدر بسبسة بن عمرو ، وعدي بن أبي الزغباء ، وعرفا من حديث امرأتين تتلازمان على الماء أن عير قريش ستأتي غدا أو بعد غد ، فرجعا وأخبرا النبي بذلك خصوصا وأن العامل على الماء وهو مجدى بن عمر والجهني صدق المرأتين على ما قالتا.


 


‌‌د- بعث النبي عليا والزبير وسعد بن أبي وقاص مع جماعة إلى بدر لالتماس الاخبار ، فجاءوا براوية لقريش وسألهما النبي عن الخبار، فعرف مكانهم ، وعددهم وزعماءهم ، والأمثلة كثيرة عن مظاهر كتمان السر عن العدو منها:


 


1- كان النبي عليه السلام إذا أراد غزوة وارى بغيرها، كأن يقول إذا أراد غزو حنين: كيف طريق نجد، ومياهها ومن بها من العدو، وكان يقول : “الحرب خدعة”.


 


2- التزام الصمت عند الزحف ـ وورد في الحديث عن الحسن عن قيس ابن عباد ، قالا : “كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يكرهون رفع الصوت عند القتال [رواه أبو داود] ـ وفي رواية ابن المتدرعة كانوا يكرهون رفع الصوت عند الثلاث عند الجنائز ، عند الذكر ، وعند الذكر ، وعند القتال – [فقه السنة 4 ص 118].


 


3- كلمة السر ، وشارات التعارف بين الجند في المعركة ، روى الحاكم عن عائشة ، جعل رسول الله شعار المهاجرين يوم بدر عبدالرحمن ، والخزرج عبدالله ، وأخرج عن أبن عباس مرفوعا: “جعل الشعار للأزد يا مبرور يا مبرور” ، وروى احمد وأبو داود والترمذي حديث النبي : “إن بينكم العدو فقولوا حم لا ينصرون ” ، وعن سلمة بن الأكوع : “غزونا مع أبي بكر زمن الرسول فكان شعارنا أمت ، أمت” [رواه أحمد وأبو داود] واحيانا يا منصور أمت.


 


4- لما انتهت معركة أحد نادى ابو سفيان: “أفيكم محمد ، أفيكم أبو بكر ، أفيكم عمر؟” ، وقد أمر النبي بعد اجابته، حتى لا يعود المشركون للقتال ، والمسلمون مازالت جراحاتهم دامية.


 


5- أرسل النبي عمرو بن العاص في غزوة ذات السلاسل ، فأمرهم ألا يوقدوا نارا، ولما أنكر عليه عمر ذلك ، قال له أبو بكر : “دعه يا عمر فإن رسول الله لم يبعثه علينا إلا لعلمه بالحرب” ، ولما عادوا وأخبروا النبي بذلك سأله فقال : “كرهت أن آذن لهم أن يوقدوا نارا فيرى عدوهم قتلهم” [الزرقاني على المواهب ج 2 ص 279].


 


6- أوصى أبو بكر شرحبيل بن حسنة عندما بعثه في الغزو فقال : “وإذا قدم عليك رسل عدوك فأكرم مثواهم، وأقلل حبسهم حتى يخرجوا من عندك وهم جاهلون بما عندك، وامنع من قبلك من محادثتهم، وليكن أنت الذي تلي كلامهم، واستر من عسكرك الأخبار وأصدق الله إذا لقيت ولا تجبن فيجبن سواك”.


 


7- تبديد إشاعة موت القائد ، أو اخفاء موته وقت المعركة حتى لا ينهزم الجند ، أو يطمع فيهم العدو. ومن ذلك ما كان ، حين صرخ الشيطان أحد أن محمد قتل ، فألقى بعض المسلمين السلاح، ومر بهم أنس بن النضر فصرخ فيهم ما جلوسكم؟ قالوا : إن محمدا قد قتل ، فقال : وما قيمة الحياة بعد محمد قوموا فموتوا على ما مات عليه. وقد حدث أن النعمان بن مقرن قائد معركة نهاوند قد مات في أثناء المعركة فأخفوا موته حتى انتصروا.


كما حدث مثل ذلك حيث أخفت شجرة الدر موت الملك الصالح نجم الدين، وكانت الحرب مع


الصليبيين قائمة حتى وصل توران شاه ..


وليعلم كل مسلم أن هناك أمورا تساعده على كتمان السر وهي :


1- عدم تسليم السر إلى الغير إلا لضرورة قاسية.


2- اختيار من يودعهم السر إذا اقتضى الأمر، بأن يكون فيهم عقل يصدهم عن الانزلاق ، ودين يحجزهم عن اثم هتك السر، وصح واخلاص يعرفون به من محبة الخير للناس، وود موفور يحافظون به على دوام الصداقة بحفظ السر، وخلق الكتمان الذي يعرف به ويشتهر بين الناس.


3- الإقلال بقدر الامكان من عدد من يعرفون السر ، وقد علل علماء الأخلاق ذلك بأن الشروط المعتبرة في الأمناء على الأسرار لا تتوفر في عدد كبير، فلا بد أن يكون فيهم من يخل ببعضها، فيفشي السر ، ولأن كل واحد من ه}لاء يجد سبيلا إلى نفس إشاعة السر عن نفسه، واحالته كذلك إلى غيره، حيث لا تكون المسؤولية منحصرة في واحد معين. على أنه لو سلم من إذاعتهم للسر لم يسلم من التدلل والاستطالة عليه، لأن لمن ظفر بسر من فرط الادلال وكثرة الاستطالة ، ما إن لم يحجزه عنه عقل ولم يكفه عنه فضل كان أشد من ذل الرق وخضوع العبيد ، بشواهد الأيام يثبت صدق ذلك ، ومن يملكون أسرارا للغير يستعبدونه بها فهي سلاح خطير.


 


نسأل الله أن يحفظ أسماعنا وأبصارنا وأفئدتنا، وأن يربط على قلوبنا وألسنتنا حتى لا نفكر إلا في الحق ولا ننطق إلا بالحق


{ إن السمح والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا }

مقالات ذات صلة